فجأة، عاد الحديث عن «مُعضلة» الكهرباء في لبنان. غياب الكهرباء مرض، والحلّ في بلادنا مُعضِل، فهو «مرض عضال». يُقال رجل مُعضِل، وهذه، في أحد أوجهها، تعني «رجل شرّير». مَن هو الشرّير الذي أعضل الكهرباء في هذه البلاد؟ إنّه كثير. إنّه قديم، مديد العمر، عتيّ. إنّه نهج. إنّه مسلسل، وقد تمظهر قبل بضع سنين، في واحدة مِن حلقاته، بالذين رفضوا المساعدة التقنيّة الإيرانيّة شبه المجانيّة. اللهم «نجّنا مِن الشرير». لسبب ما لم يُرِد الربّ، ولا يبدو سيُريد، أن يسمع دعاءنا.


قبل نحو خمس سنوات، أعلن السفير الإيراني في بيروت، الراحل غضنفر ركن آبادي، أنّ بلاده «ما زالت مستعدّة لبناء معامل كهرباء في لبنان تُنتِج، كبداية، نحو 1000 ميغا وات». كان اللبنانيّون قد تأخّروا، مدّة تزيد على سنة، في الردّ على العرض المُتسامح إلى حدّ السذاجة (وفق معايير العلاقات الدوليّة). لكن مع ذلك، كرّر آبادي العرض، قائلاً: «نقول اليوم أفضل مِن الغد، فالشركات الإيرانيّة أنجزت كل الخطوات التمهيديّة، كلّ شيء جاهز، ومستعدون للبدء بالتنفيذ لإنتاج 500 ميغا وات خلال سنة، ولإنتاج 1000 ميغا وات خلال سنتين، وإن أراد لبنان أكثر فنحن حاضرون». لم يحصل شيء. ثمّة مواطن لبناني، منذ ذلك التاريخ، يشتم السياسيين اللبنانيين الذين رفضوا العرض يوميّاً، بأقظع الألفاظ، مع كلّ «قَطعة» كهرباء، مع كلّ «تكّة» محوّل، مع كلّ دفعة شهريّة لصاحب مولّد جشع، مع كلّ احتراق «إمّاية»... مع كلّ نَفَس. وما فائدة الشتم؟ لا شيء، إنّها تنفيس، مجرّد تنفيس، جهد العاجز. إنّها «تُمطِر» على رافضي العرض، إنّه ماء لا بُصاق! الآن يُقرّر سمير جعجع عدم السير في الموازنة إلا بخصخصة كهرباء لبنان! يُريد لمعاناة الناس أن تنتهي! يا له مِن حنون. ما كان موقفه مِن العرض الإيراني سابقاً؟ خصخصة، والآن، على الطريقة الحريريّة! أما كفانا مسخرة ونهباً!
ذلك العرض الإيراني، بكميّة الإنتاج المذكورة، كان كفيلاً بألا تنقطع الكهرباء عن بيت في لبنان. كان سيتحقّق حلم أجيال بكهرباء على مدار الساعة. لا يُريدون أخذ الكهرباء مِن إيران! بلاد فارس التي أعلنت منذ أمد بعيد الاكتفاء الذاتي كهربائيّاً، قبل أن تتطوّر نوويّاً، وتُعلن أنّ طاقتها فاضت عن الحاجة وباتت مستعدّة لتصديرها... ولو على شكل «هديّة». الخبثاء في بلادنا لا يقبلون الهدايا إلا مِن دول معيّنة. تذرّعوا يومها بالعقوبات الدوليّة المفروضة على إيران، كما تذرّعوا، أيضاً، برفضهم عرض تسليح الجيش اللبناني في عزّ الهجمة «الداعشيّة» على الأراضي اللبنانيّة. حسناً، تغيّر الوضع القانوني الدولي حيال إيران، بعد الاتفاق النووي، فلِمَ لم يُبادروا إلى قبول الهديّة؟ ماذا عن السياسيين الآخرين، حلفاء إيران، أو أقلّه مَن لا يكنّون العداء لتلك الدولة؟ لِمَ هذا الصمت؟
لسببٍ ما تُصرّ إيران على خطاب «اللطافة». كثيرون لو كانوا مكانها ورُفِضت هديّتهم لقالوا: «عمركم ما ترجعوا، ضلّكم بلا كهربا، الله لا يردّكم». لم يبقَ مسؤول لبناني إلا اجتمع بالمعنيين عن العرض الإيراني، على مدى السنوات الماضية، والإيرانيّون يُكرّرون عرضهم إلى حد أصبح الأمر مهيناً. وللتذكير، هناك اتفاقيّات وقّعت، إنّما بقيت على الورق. ذات مرّة، قال الإيراني «ليس لدينا أيّ شروط مسبقة». هو عرض غير مشروط، وإذا وجد اللبناني شروطاً يمكنه الرفض، ولكن الفظيع كان أن صاحب الحاجة هو مَن يَشترط! مسخرة، يعني «شحّاد ومشارط». لنقل إن إيران ليست جمعيّة خيريّة، هي دولة ولها مصالحها، ما المشكلة؟ هذا الوضع الطبيعي في العلاقات الدوليّة أصلاً.
بالمناسبة، السفير الإيراني الحالي، محمد فتح علي، كرّر عرض سلفه بعيد مجيئه إلى بيروت. لا يُعلم اليوم إن كان العرض سارياً. ما على وزير الطاقة في لبنان إلا الهرولة، مِن الغد، إلى السفير الإيراني وسؤاله عن الأمر. لا بأس بالاعتذار أيضاً. الناس يُريدون كهرباء. يُريدونها مِن أيّ جهة أتت، طالما أنّ «الكرامة» فيها محفوظة، فضلاً عن «السيادة». الكهرباء ضالة القاعد في العتم، يأخذها ولو مِن «العفاريت». أين العروض الكهربائيّة مِن الدول الغربيّة حبيبة لبنان «الحرّ والسيّد والمستقل»؟ ماذا عن الدول النفطيّة «الشقيقة»؟ السعودية مثلاً... لا شيء، صفر.
لا تزال شتائم القاعدين في العتم تهطل، الآن، مع كلّ تقنين كهربائي، على السياسيين الذين لا يُريدون أن يُكهرِبوا، ولا أن يَتكهربوا، ولا أن يحيدوا عن درب «الكهربجيّة».