مستوحياً نصيحة حكمت الشهابي عندما قال له "كي تنجح في مهمتك على رأس قيادة الجيش، من الواجب مراعاة نبيه برّي ووليد جنبلاط والاخذ في الاعتبار ما يريدانه، من دونهما ستواجه صعوبات، هما حليفانا الرئيسيان وارى ان تتعاون معهما"، عزز سامي الخطيب اتصالاته بهما، متوقّعاً وقوفهما الى جانبه وتسهيل قيادته الجيش البديل من خلال الرجلين الاقرب اليهما: الدرزي العقيد رياض تقي الدين، والشيعي العميد لطفي جابر وكان لا يزال يشغل عضوية المجلس العسكري المجمّد الدور والالتئام بصفته مديراً عاماً للادارة، فأضحى بالصفة نفسها جزءاً لا يتجزأ من ادارة الالوية الغربية، مع ان رئيسه المباشر هو وزير الدفاع وليس قائد الجيش.


عملاً بهذا المنصب، عاين لطفي جابر ــــ وكانت المديرية العامة للادارة استقرت بأجهزتها وعديدها في احد مباني وزارة التربية في قصر الاونيسكو ــــ الحاجات التي افتقرت اليها الالوية الغربية، وهي التغذية والبزات والطبابة والعتاد وصرف الموازنة المخصصة لها الواقعة تحت رقابته، قبل ان يذهب الى سامي الخطيب يقول له: انا معك في انشاء هذا الجيش. لكن مَن سيدفع نفقاته ومِن اي موازنة، ومِن اين ستصرف الاموال؟ مَن سيُطعم العسكر؟
قال لنبيه برّي الكلام نفسه عندما استمزجه رأيه في تجميع الالوية الغربية: كمدير للادارة انا جاهز للتعاون. لكن ذلك لا يكفي. يقتضي الحصول على توقيع وزير المال. مدير الادارة مسؤول عن اعاشة العسكريين وتغذيتهم وتأمين رواتبهم وطبابتهم وعتادهم وتجهيزاتهم، وانا مَن يأذن بشرائها. لكن من اين المال؟
ذكّر سامي الخطيب بأن سليم الحص، رئيس الحكومة وزير المال بالوكالة، رفض تعيينه قائداً للجيش بالتكليف بمرسوم، وفضّل الاكتفاء بقرار يصدره الوزير المختص.
قال له: إئتِ لي بتوقيع وزير المال. اضغطوا على سليم الحص. من دونه لا جدوى لأي معاملة اعدها. هو مَن يُطعم العسكر لا انا.


رغم الدعم والتأييد السياسيين اللذين محضاه اياه، نظر نبيه بري ووليد جنبلاط بحذر الى قيادة سامي الخطيب. وأشعراه بتأثيرهما الفاعل في قلب القيادة، اذ تحوّلا مرجعية اللواءين السادس والحادي عشر

لطفي جابر احد ثلاثة ضباط شيعة بارزين واسعي التأثير في بيروت الغربية، يدينون بالولاء المطلق لنبيه برّي، ولا يتخذون موقفاً او ردّ فعل قبل العودة الى رأيه. الآخران هما قائد اللواء السادس العميد عبدالحليم كنج ورئيس اركان اللواء المقدّم عصام عطوي. قبل التحاقهما بقائد الجيش بالتكليف، اجتمعا برئيس حركة امل الذي اعلن للتوّ استعداده للتعاون. استمر نفوذ نبيه برّي طاغياً على اللواء السادس ذي الغالبية الشيعية، يمثل مظلة سياسية صلبة له رغم انقضاء سنوات على انتفاضته المسلحة على الجيش في 6 شباط 1984، وطردها اياه من العاصمة. في ظل قيادة ميشال عون ما بين عامي 1984 و1988، لبث الرجل صاحب الكلمة الفصل في تحريك اللواء السادس الذي اعيد إلحاقه ــــ كما سائر الالوية المنشقّة آنذاك ــــ بالقيادة الأم الجديدة. لم يكن في الامكان تعيين قائده، ورئيس اركانه، وقادة كتائبه، دونما العودة حتماً اليه. ما لبث ان وجد سامي الخطيب نفسه يجبه المشكلة نفسها: ليس هو آمر اللواء السادس.
رغم الدعم والتأييد السياسيين اللذين محضاه اياه، نظر نبيه بري ووليد جنبلاط بحذر الى قيادة سامي الخطيب. الا انهما اشعراه بتأثيرهما الفاعل في قلب القيادة، اذ تحوّلا مرجعية اللواءين السادس والحادي عشر اللذين يمسكان ببيروت الغربية ومخارجها الى الجنوب والبقاع، ناهيك بالامتداد الطبيعي الذي يصلها بجبل لبنان الجنوبي.
محتفظين بترسانة ضخمة من السلاح والعتاد والمقاتلين، لم يكن في حسبان اي احد توقّع اقدامهما على اخلاء العاصمة ومناطق نفوذهما في الجبل والجنوب والبقاع لقيادة لم تعنِ بالنسبة اليهما ــــ وإن انبثقت من قرار دمشق ــــ سوى ردّ فعل، وظيفتها في الاصل اولاً ودائماً التشهير بشرعية ميشال عون على رأس قيادة الجيش وتقويضها. كذلك عدّا استمرار حكومة سليم الحص تقويضاً لشرعية ترؤسه حكومة عسكرية انتقالية. لم تكن القيادة البديلة للجيش هدفاً في ذاتها، بل احدى وسائل الضغط لمهمة موقتة في توقيت محدّد تُطوى صفحتها على الاثر. ظلت قيادة اليرزة الهدف المقصود. توخى نبيه برّي ووليد جنبلاط من الوظيفة تلك المنوطة بسامي الخطيب ان تكون: سياسية اكثر منها عسكرية، رمزية اكثر منها واقعية. لملمة قوى الجيش في بيروت الغربية والمحافظات واعادتها الى ثكنها، واعادة تدريبها وتأهيلها الى حين استخدامها في مواجهة الفريق الآخر. الا ان القرار العسكري، تحت مظلة القوات السورية، يقيم بين ايديهما فقط، وقد ذابت من حولهما الميليشيات والشلل المسلحة الصغيرة بما فيها الميليشيا السنّية المرابطون، بعدما تناوب الحزب التقدمي الاشتراكي وحركة امل على تصفيتها عام 1985.
كانت لسامي الخطيب، في المقابل، وجهة نظر معاكسة تماماً، هي انه قائد فعلي لجيش يريد ان يأمره ويبسط سيطرة جنوده حيث يكون. على نحو كهذا، افصحت حوادث شتى عن تفاقم الصراع على السلطة على الارض والتنافس، كما إمرة الالوية الغربية. بدا له انه يواجه عدواً في الخارج هو ميشال عون، واكثر من خصم في الداخل ــــ جميعهم حلفاء لسوريا ــــ كنبيه برّي ووليد جنبلاط والاحزاب العقائدية وسليمان طوني فرنجيه تحت جناحي جده الرئيس السابق للجمهورية مذ استقبل بفتور تعيين ضابط سنّي في منصب يشغله عرفاً ضابط ماروني.
زاره قائد الجيش بالتكليف في 23 تشرين الثاني 1988 على رأس الضباط الكبار في اركان الالوية الغربية، في زغرتا ظهراً، بعد تفقدهم ثكنة بهجت غانم في طرابلس واجتماعهم بعمر كرامي. ببرودة لافتة وكثير من الاستخفاف استقبلهم الرئيس السابق الذي لم يُخفِ عدم ترحيبه بهم، بعدما تطلّب الحصول منه على موعد وقتاً طويلاً والاستنجاد بوساطة بغية تخطي مماطلته.
بعدما شرح له مهمته التي وصفها ببعد وطني ترمي الى اعادة وحدة الجيش، قائلاً انه لم يشأ هذا المنصب "كي تُعزَف لي تحية السلاح"، ردّ سليمان فرنجيه بتهكم بادٍ: انت قدموا لك السلاح، بينما انا عزفوا لي النشيد الوطني. هذا آخر ما يعنيني.
لم يُعِر حديث سامي الخطيب اهتماماً، وانصرف عنه الى الكلام مع الياس سابا صديقه ووزير اولى حكومات عهده عام 1970، وكان حاضراً المقابلة.
خلافاً لما اعتاد عليه ــــ هو المفطور على حسن الضيافة والكرم ــــ لم يدعُ زواره الى الغداء الى مائدته، وتذرّع بانشغاله بموعد لاحق كي يحيلهم على نجله قائد ميليشيا المردة روبير فرنجيه للاجتماع به.
ثم انهى المقابلة على نحو اقرب ما يبدو الى طرد.
لم يتعدّ الكلام مع نجل الرئيس السابق المجاملات واحاديث عابرة، دونما الحصول على تأييده.
في طريق العودة الى بيروت، قال نبيه فرحات لسامي الخطيب في السيارة التي اقلتهما، من دون ان يخفي إمارات الامتعاض والاستياء من المعاملة السيئة تلك: هذا الرجل لا يعترف بقائد للجيش لا يكون مارونياً.
في 30 ايلول 1989 قصد رئيس الاركان السورية العماد حكمت الشهابي في مكتبه، وفاتحه في عصيان رئيس اركان اللواء السادس المقدّم عصام عطوي، وتمرّده على قرارات قيادته وتدخّله في تشكيلات قرّرتها، اضف رفضه لها واختباءه وراء حركة امل. في شكواه، اتهمه بخطف احد ضباط فرع الامن العسكري في مديرية المخابرات الرائد سهيل حماد في وضح النهار، ووضعه في صندوق سيارة "على مرأى من الجميع والتأثير السلبي لما حدث على معنويات ضباط قيادة الجيش والاجهزة الباقية التابعة لها".
بعد اربعة ايام كتب الى حكمت الشهابي يكرّر معاناته من المشكلة نفسها ويطلب تدخّله مجدّداً، ويلوّح في الوقت نفسه باحتمال تخليه للمرة الاولى عن منصبه. روى في رسالته جوانب من تمرّد عصام عطوي "الذي يرفض التعاون مع اركان الجيش ويرفض الاعتراف اساساً بهذه القيادة التي اخذت منه القرار العسكري المنفرد، وراح يتهم الاركان بتهم شتى اهمها الولاء لميشال عون حتى يبرّر عصيانه وتفرّده".