جرى تطوير مفاعلات "الملح الذائب"، العاملة بشكل أساسي على مادة الثوريوم النووية المشعة خلال حقبة الحرب الباردة، وتسمى بهذا الاسم لأنها تعمل على وقود نووي سائل بدلاً من الوقود النووي الصلب، الذي تعتمد عليه كل أنواع المفاعلات الانشطارية الأخرى الموجودة اليوم، وتستخدم مزيجاً من الأملاح المعدنية السائلة للسيطرة على وتيرة التفاعلات.


تنتج هذه المفاعلات كميات أقل من النفايات المشعة بالمقارنة مع أفضل المفاعلات العاملة حالياً، ولديها كفاءة أكبر في إنتاج الطاقة، بمعنى أنها تنتج كمية أكبر من الطاقة من كميات متساوية من الوقود النووي المستعمل. كما أن هذه المفاعلات أقلّ عرضة للحوادث التي تبقى الهاجس الدائم المرتبط بالمفاعلات النووية.
وكما كل المفاعلات النووية، لا تنتج هذه المفاعلات ثاني أوكسيد الكربون وغيره من الغازات المسببة للاحتباس الحراري. ومن الميزات الهامة لهذه المفاعلات أنها يمكن تشغيلها على النفايات النووية الناتجة منها. بمعنى آخر، يمكن إعادة تدوير النفايات النووية الناتجة واستعمالها من جديد لتوليد الطاقة كوقود نووي بعد معالجات بسيطة. بهذا المعنى، تعتبر هذه المفاعلات "ولّادة" لوقودها النووي نفسه. تعطي هذه الخاصية كفاءة أعلى للمفاعلات التي يمكن تشغيلها على كميات قليلة جداً من الثوريوم والاستمرار في إعادة التدوير والاستخدام المتجدد. ومن ناحية أخرى يتواجد "الثوريوم" بكميات أكبر بكثير من اليورانيوم على سطح الأرض إذ تقدر الاحتياطات المتواجدة بحوالى 3-4 أضعاف احتياطات اليورانيوم. بناءً على هذه الخصائص تشير الدراسات إلى أن الكميات المتوفرة من الثوريوم مع تقنيات إعادة استخدام النفايات النووية المنتجة تستطيع أن تكفي حاجة البشرية من الطاقة الكهربائية لمليارات السنين.

التقنيات العلمية

تحتوي نواة الثوريوم المستخدم على 232 بروتون ونيوترون في داخلها. لكن هذه المادة غير قابلة للانشطار النووي التلقائي، وبالتالي ليست وقوداً مثالياً للطاقة النووية. لذلك تجرى معالجة هذه النواة عبر تفاعلها مع نيوترونات داخل المفاعل مما يؤدي إلى تحولها، على عدة مراحل، إلى نظير مميز من اليورانيوم يحتوي على 233 بروتون ونيوترون.


يمكن إعادة تدوير النفايات النووية الناتجة واستعمالها من جديد لتوليد الطاقة

هذه النواة الجديدة تعتبر مثاليةً للانشطار النووي نظراً إلى سهولة انشطارها وكميات الطاقة الكبيرة التي تنتجها. وهذا النوع من اليورانيوم هو غير ذلك الموجود في الطبيعة والذي يحتوي على 238 بروتون ونيوترون، وهو بحاجة إلى مسار طويل من التخصيب قبل استعماله. بذلك يكون الثوريوم بديلاً عملياً من عملية التخصيب ويمكن استخدامه لإنتاج اليورانيوم الجاهز للانشطار النووي بشكل واسع. يمكن تصميم هذه العملية كي تكون مستدامة وآمنة من خلال الوقود النووي في حالته السائلة، ويمكن إعادة استخدام جزء كبير من المواد الناتجة من التفاعلات لإعادة تغذية المفاعل.

لماذا لم يتم تطوير هذه المفاعلات سابقاً؟

كان الهم الأوّل عند معظم الدول التي بدأت بتطوير التقنيات النووية مع نهاية الحرب العالمية الثانية تطوير سلاح نووي بالدرجة الأولى، وتركزت الأبحاث في تلك الفترة على أسرع وأسهل الطرق لإنتاج القنابل النووية. كان هذا المحرك الرئيسي للمشروع النووي الأميركي المعروف بمشروع "مانهاتن"، والذي أنتج السلاح النووي الأول في العالم، وكذلك كان همّ المشاريع الأخرى التي كانت تحاول اللحاق به واكتساب السلاح النووي الرادع. عمل العلماء في تلك المرحلة على عدة مسارات متوازية، كان مفاعل الثوريوم أحدها. إلا أن عدم كفاءة هذا النوع من المفاعلات في إنتاج الوقود النووي اللازم للأسلحة النووية ساهم في عدم صرف المزيد من الوقت والجهد والمال عليه وتحوّل البحث النووي باتجاه المسارات الأخرى المرتبطة بمفاعلات البلوتونيوم أولاً ومفاعلات اليورانيوم المخصّب ثانياً. وبالفعل، جرى تطوير النوعين الأخيرين بشكل أساسي في العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، مما أتاح الانتقال السريع إلى الاستخدامات المدنية لإنتاج الطاقة لاحقاً حيث اكتملت التقنيات المرتبطة بها واكتسب العلماء المعرفة الكاملة بآلياتها وخبراتها فحلّت سريعاً في صدارة التقنيات النووية السلمية لتوليد الطاقة.
في هذه الأثناء ظلت تقنيات مفاعلات الثوريوم في الأدراج ولم تلجأ الحكومات إلى تطويرها على نطاق تجاري واسع نظراً إلى الأكلاف الكبيرة للأبحاث والإنشاءات والتجارب وفضلت بشكل حاسم استخدام ما تم إتقانه سابقاً وهو ما زال مستخدماً حتى يومنا الحالي.

محاذير محتملة

على الرغم من المعرفة النظرية العلمية الكبيرة بهذا النوع من المفاعلات، إلا أن الصعوبات الهندسية والتقنية تبقى قائمة بانتظار التجارب والمفاعلات التجريبية الأولى. من المهم الإشارة إلى أن "الملح الذائب" المستخدم للسيطرة على وتيرة التفاعلات النووية في قلب المفاعل يحوي مادتي "البيريليوم" و"الليثيوم" ذواتي المخاطر الصحية على الإنسان، واللتين يمكن أن يسبب تسربهما خطراً على حياة العاملين في المفاعل. لذلك يجب أن يأخذ التصميم العملي كل الاحتياطات اللازمة لمنع أي تسرب من هذه المواد. أما العائق الثاني فهو الكلفة التي يتطلبها بناء المفاعلات التجريبية الأولى والتي تصل إلى مليارات الدولارات على مدى عدة سنوات، في حين يعتبر العائق الثالث إمكانية الاستخدام العسكري لهذه المواد. غير أن الجانب العسكري يمكن الحصول عليه من مصادر وطرق أخرى أوفر وأسرع مثل مفاعلات البلوتونيوم، مما يخفف من الهواجس المرتبطة بموضوع انتشار السلاح النووي جرّاء هذه المفاعلات.

عودة إلى مشروع واعد

في ظل تعاظم احتياجات الطاقة اليوم، ووسط الحاجة إلى تنويع المصادر والاعتماد على المصادر ذات الكلفة الأقل والكفاءة الأعلى والتلوث المنخفض، تبرز من جديد إمكانية إعادة نفض الغبار عن هذه المشاريع نظراً إلى مميزاتها الملائمة. وفي هذا الإطار تسعى بضع شركات أميركية إلى استصدار تراخيص جديدة لإطلاق مفاعلات تجريبية عاملة في الثوريوم، فيما أدرجتها دول صاعدة مثل الهند والصين على جدول أعمالها العلمي القريب. ففي العام الماضي رصدت الصين مبلغ 350 مليون دولار لإنتاج مفاعلات جديدة تستند إلى تعديلات على المفاعلات القديمة التي أنتجت في بدايات الحرب الباردة. تشير هذه المعطيات إلى أن السنوات المقبلة سوف تشهد انطلاقة جديدة لمفاعلات الثوريوم التي قد تتقدم سريعاً لتأخذ مكانتها بين مصادر الطاقة غير المسببة لغازات الاحتباس الحراري في ظل تفوقها على مفاعلات اليورانيوم السائدة حالياً، وفي انتظار نضوج علوم وتقنيات مفاعلات الانصهار النووي المثالية التي تحتاج إلى عدة عقود لدخول سوق الطاقة المدنية.
تثير الطاقة النووية مخاوف كبيرة نظراً إلى الأضرار الكبيرة التي يمكن أن تسببها الحوادث النووية إذا خرجت عن نطاق السيطرة، وتبرز دائماً في هذا الإطار كارثة تشرنوبيل في أوكرانيا – الاتحاد السوفياتي في الثمانينيات وفوكوشيما في اليابان منذ عامين. إلا أن الأرقام والإحصاءات تدل أن عدد ضحايا هذه الحوادث النووية يقل كثيراً عن الحوادث المرتبطة بكل مصادر الطاقة الأخرى بدءاً من المعامل العاملة على الغاز والتي يذهب ضيحتها العشرات سنوياً نتيجة حوادث وانفجارات في الأنابيب والخزانات وغيرها وصولاً إلى معامل الكهرباء العاملة على الفحم الحجري الملوّثة على نطاق واسع والمسببة للأمراض المميتة. حتى طاقة المياه النظيفة، فهي تتسبب حول العالم بآلاف الوفيات نتيجة انهيار السدود والحوادث المشابهة. في هذا الإطار، وباستثناء الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لا تزال الطاقة النووية خياراً آمناً نسبياً وذا كفاءة عالية وكلفة مقبولة. أما المشكلة الأكبر الناتجة من مفاعلات الانشطار النووي فهي النفايات المشعة الخطيرة التي يصعب التخلّص منها، والتي يتم عادةً تخزينها في مخازن تقع على عمق مئات الأمتار تحت سطح الأرض، ويعني ذلك وجود كلفة مادية كبيرة للتخلص منها من جهة، وخطر تسربها إلى المياه الجوفية والتربة من جهة أخرى. أما في حال الاستفادة من مفاعلات الثوريوم وتطويرها مستقبلاً كي تشكل بديلاً انتقالياً في مجال الطاقة النووية بانتظار مفاعلات الاندماج النووي، سيتم تخفيض كميات النفايات النووية بشكل كبير وبالتالي التخفيف من الآثار السلبية لهذه المفاعلات، فضلاً عن تخفيف احتمال الحوادث النووية بنسبة كبيرة جداً لأن الأبحاث تشير إلى أن هذه المفاعلات العاملة على الوقود النووي السائل لن تتحول إلى مواد قابلة للانفجار بحال حدوث خلل تقني كما قد يحصل في المفاعلات العاملة حالياً. لهذه الأسباب، يعود مشروع مفاعلات الثوريوم إلى لائحة الأولويات في مجال الطاقة والعلوم في عدة دول حول العالم إلى جانب المفاعلات النووية المنتشرة حالياً.