سنعود بالزمن 1200 عام، ونعيد أبي نواس إلى الحياة، لنخبره أنّ الخمرة في بلادنا اختلطت علينا، حتّى كدنا لا نعرف صحيحها مِن "مضروبها"... فيقول لنا: "لها الثلثان مِن قلبي، وثلثا ثلثه الباقي، وثلثا ثلث ما يبقى، وثلث الثلث للساقي". لكن ما العمل إن فسد الساقي نفسه؟ سيُجيب الشاعر: "لتلك أبكي، ولا أبكي لمنزلة كانت تحلّ لها هند وأسماءُ". نُرِجع أبي نواس إلى عصره، إلى قبره، لنبحث في "صفرائنا" التي نزلت الأحزان ساحتها.


فجأة، نعود نسمع عن المشروبات الكحوليّة المغشوشة. تدهم "الجمارك" مستودعات تُعدّ فيها آلاف الصناديق، في أكثر مِن منطقة، كانت توزّع على الحانات ومحال الباعة. يَحصل ذلك بالتزامن مع السجال الذي جرى، أخيراً، حول إقرار الموازنة العامة. تلك الموازنة التي تتضمّن زيادات ضريبيّة على السلع، الكحوليّات المستوردة مِن ضمنها، والتي قيل إنّ الزيادة عليها تضاعفت مقدار خمس مرّات. إنّها صدفة، لِمَن يؤمن بالصدف. سارع كبّار تجار "المشروب" إلى التحذير مِن الزيادة، ملوّحين بأن هذا سيثير شهيّة المهرّبين والذين "يضربون" السلعة محليّاً، وبالتالي سينشطون أكثر ثمّ يحصدون أرباحاً هائلة. ظهر هؤلاء التجّار في أكثر مِن مقابلة تلفزيونيّة فضلاً عن التقارير الصحافيّة. تُصدر وزارة الماليّة بياناً عن تمكّن الجمارك مِن دهم مستودع "مشروبات روحيّة" مزيّفة، في منطقة ذوق مكايل، فتبيّن أنّه "يحوي أكثر مِن ثمانية آلاف قنينة مِن الويكسي والفودكا، كانت معدّة للتوزيع، إضافة إلى بعض المواد المستخدمة في عمليّة الغش". بالمناسبة، لا يزال كثيرون، ولسبب لم يعد ما يُبرّره، يستخدمون لفظة "مشروبات روحيّة" على أنواع مِن الكحوليّات. ما علاقة الروح هنا بالأمر! (طبعاً، هذا بعيداً عن الأساطير وطقوس الشعوب القديمة، وربما بعضها حالياً، إذ تُشرَب في المعابد - على طريقة باخوس في الميثولوجيا الإغريقيّة - كجزء مِن الطقس لما تصنعه مِن نشوة بفعل تأثيرها الدماغي).
المُهم، ليست المرّة الأولى التي يُعلن فيها عن اكتشاف "الخمرة المضروبة" بالتزامن مع الحديث عن ضرائب جديدة. حصل هذا قبل أكثر مِن سنتين. يومها تحدّث وزير الصحّة السابق، وائل أبو فاعور، عن "وجود مشروبات روحيّة غير مستوفية للشروط". هذه معلومة أكيدة. يُمكن لأي "بني آدم" أن يتأكّد مِنها بنفسه. الشاربون يعرفونها. لكنّ ما لا نملك التثبّت مِنه هو ما أعلنه أبو فاعور يومها عن "توقيف ثلاثة أو أربعة مِن رجال الأعمال الكبار في لبنان". ثلاثة أو أربعة! الرقم فلكي ولهذا ليس لدى الوزير إحصاء دقيق.


مَن كان يَشرب
لكي {يَنسى» فعليه، الآن أكثر مِن أيّ زمن مضى،
أن {يَنسى»

عموماً، ما كان مصيرهم وأين هم الآن؟ الله أعلم. عمليّة إحباط تهريب أخرى حصلت قبل أكثر مِن ستّ سنوات. آنذاك أيضاً كان يدور في البلد نقاش ضريبي. قبل بيان وزارة الماليّة، قبل نحو شهرين، نقلت "الوكالة الوطنيّة للإعلام" أن دوريّة للجمارك دهمت معملين في منطقتي السبتيّة وبيت شباب، حيث "كان يتمّ تعبئة مشروبات روحيّة مزوّرة... فتمّ توقيف شخص وضبطت كميّات كبيرة مِن الويسكي المزوّرة". الصور التي نُقلت مِن هناك تشير إلى علامات تجارية لمشروبات تُعدّ مِن "الأفخم" والأغلى ثمناً. إذاً، تحتاج "السُلطة" إلى فاصل زمني مديد، بالسنوات، بين كلّ عمليّة دهم وأخرى. لطالما كان "المشروب المغشوش" موجوداً في السوق. يُمكن سؤال أيّ شارب، أكان غنيّاً أم فقيراً، ليتحدّث عن دوام تعرّضه لعوارض صحيّة غير طبيعيّة إثر الشرب.
بعيداً عن لعبة التجّار والضرائب والمال، وكيف ولِمَ ومتى تحصل هذه "المسرحيّات" المسلّية، يبقى أن المؤكّد الوحيد هو أنّ الكحول المغشوشة تؤدّي إلى عوارض صحيّة كارثيّة، فشل كلوي مثلاً، وأحياناً الموت. قبل عامين، في تركيّا، أدّت المشروبات المغشوشة إلى وفاة 12 شخصاً في مدينة أزمير. الظاهرة عالميّة وقديمة. المسألة تتعلق في المواد البديلة التي يضعها الغشّاشون مكان "الإيثانول" (المادة الفعّالة الأصليّة). يضعون مركّبات كيميائيّة تُستخدم في مواد التنظيف، مثلاً، إضافة إلى مادة "المثانول" التي يُمكن أن تؤدّي إلى فقدان البصر. يضيفون أحياناً بعض المواد التي تُستخدم في الصناعات النفطيّة. مواد مِن هذا النوع هو ما أشارت إليه تلك الفقرة مِن بيان وزارة الماليّة: "إضافة إلى ضبط بعض المواد المستخدمة في عمليّة الغش". تبقى عمليّة تغليف السلعة مِن الخارج، بغلاف يُشبه العلامة التجاريّة الأصليّة، وهذه المهمة الأسهل، وقد عُثر في المعامل على آلاف العلامات اللاصقة.
وهكذا، مَن كان يَشرب لكي "يَنسى" فعليه، الآن أكثر مِن أيّ زمن مضى، أن "يَنسى". عليه، إن شاء، أن يحذر مِن التاجر وفي الحانة الساقي. هذا صحيّاً، أمّا ماليّاً فسيزداد سعرها. الثري لن يأبه، سيبحث عن الأنقى، وسيجد. أمّا الفقير شاربها، الهارب مِنها إليها، فأنّى له أن يَنسى. ستنطبق عليه، حرفيّاً، نبؤة الشاعر القديمة... فيُداويها بالتي كانت هي الداءُ.