لا يُخفي رئيس بلدية صيدا محمد السعودي أمام زواره المقربين أو الحلقة الضيقة المحيطة به، رغبته الجدية بالاستقالة من منصبه. في الأصل، يعلم كثيرون أنه لم يكن ينوي الترشح لولاية ثانية، لكن عوامل عدة تداخل فيها الشخصي، بالسياسي، بالعام دفعته لقبول الأمر... مكرهاً.


اليوم، يبدو الرجل وهو على مشارف العقد الثامن من العمر، وكأنه قد تعب فعلاً. متخوف إلى حدٍّ ما على حالته الصحية. يشعر بأنه نجح في تحقيق الكثير من الإنجازات التي كان يطمح إليها في مسقط رأسه. يرى أنه توقيت صائب للرحيل. مصادر مواكبة تشير إلى أنه ينوي الاستقالة بعد الانتهاء من إنجاز استحقاق الانتخابات النيابية المقبلة، التي يأمل إجراءها بأسرع وقت، كي يرتاح كما يقول.
في الانتخابات البلدية الأخيرة (2016)، شكّل ترشح السعودي حلّاً مثالياً لآل الحريري.
وقتها، إضافة إلى ضائقتهم المالية وارتفاع أكلاف المعركة الانتخابية، كانت النائبة بهية الحريري تعاني من مشكلة إيجاد رأس قوي للائحة كان من المقرر أنه لن يتغير الكثير من أعضائها السابقين. شكّل قبول السعودي إعادة الترشح حلّاً للمشكلة، ورافعة لجميع أعضائها في وجه اللائحتين المنافستين.
ورغم أن إعلان ترشحه لولاية ثانية جاء من دارة الحريري في مجدليون في حينه، وهو ما أثار إمتعاض البعض، إلا أن الرجل بشخصه وإنجازاته البلدية شكل حالة فريدة لا يمكن القول فيها إنه كان ينتمي إلى «التيار الأزرق». فالسعودي قبل توليه رئاسة البلدية كان قريباً من مختلف الأفرقاء السياسيين في المدينة. معروف بعلاقته المميزة بالنائب الراحل مصطفى سعد وتالياً بأخيه أسامة. قريب من الجو القومي للمدينة، كذلك معروف بعلاقته الحسنة بآل البزري وإرثهم السياسي، وبصداقته للرئيس فؤاد السنيورة وبهية على السواء. ميزات جعلت منه وإن كان محسوباً على رأس لائحة محسوبة على آل الحريري في وجه لائحتين مدعومتين من التنظيم الشعبي الناصري والقوى الوطنية والإسلامية والأحزاب، إلا أنه بقي يُنظر إليه صيداوياً كمستقل، وهو نجح خلال ولايتيه بإبقاء أواصر التواصل بين جميع الأفرقاء.


استقالة السعودي ستضع كل
مقاليد المدينة في أيدي آل الحريري

السؤال الذي يشغل الكثير من الصيداويين اليوم: ماذا إن فعلها السعودي واستقال؟ إن حصل ذلك ستكون صيدا للمرة الأولى في تاريخها الحديث، منذ المعركة البلدية الشهيرة التي خسر فيها الرئيس الراحل رفيق الحريري أمام لائحة الدكتور عبد الرحمن البزري، ممسوكة بكامل مفاصلها بيد آل الحريري حصراً. للمرة الأولى ستكون المرجعية النيابية والبلدية بيد سيدة مجدليون. لم تمر على المدينة منذ انتهاء الحرب الأهلية مرحلة استأثر فيها طرف أوحد بمكامن قواها السياسية والخدماتية والمعيشية كاملة كما سيحصل بعد استقالة السعودي.
تكشف مصادر مطلعة أن استقالة السعودي ستفتح المجال أمام وصول أحد المناصرين المباشرين للنائب بهية الحريري، ويُرجّح أن يكون عضو المجلس الحالي منسّق تيار المستقبل في الجنوب ناصر حمود، علماً أن العديد من الأعضاء الحاليين مؤهلون أكثر منه برأي كثيرين لشغل هذا المنصب، كالدكتور حازم بديع (الذي حاز أعلى نسبة أصوات بعد السعودي، وهو مقبول من كل الأطراف السياسية في المدينة)، ومطاع مجذوب، وعرب رعد الكلش، وحتى إبراهيم البساط. لكن الفيصلة هنا، للأسف، ستكون للولاء الأعمى لمجدليون لا للكفاءة أو للمزاج الشعبي.
باستقالة السعودي، ينص القانون على أن الأعضاء الحاليين هم من سينتخبون رئيساً جديداً لهم، وبما أن ميزان القوى داخل المجلس الحالي يميل بشكل واضح لصالح تيار المستقبل، فإن التوقعات ترجّح فرض الحريري لحمود كخيار لا مفرّ منه، مع العلم أن النتيجة التي حققها حمود في انتخابات تيار المستقبل الأخيرة كانت هزيلة جدا، إذ حلّ في المرتبة ما قبل الأخيرة ضمن التيار نفسه، وهو بحسب متابعين لا يتمتع بقبول على المستوى الشعبي في المدينة لأسباب عدة. ويرى آخرون أن ولاءه السياسي سيشكّل عنصر توتر إضافي مع محيط المدينة، لا سيما ما يتعلق برئاسة اتحاد بلديات صيدا والزهراني.
برأي أوساط صيداوية متابعة، فإن فرض حمود سيُنظر إليه وكأنه تمت سرقة البلدية في غفلة من أهل المدينة. خطوة بحسب مطلعين لن تمرّ بسهولة، إذ يتم الحديث عن عريضة شعبية سيتم التحضير لها رفضاً لحمود، وقد تستتبع ذلك تحركات شعبية احتجاجية واسعة من قِبل القوى السياسية المعارضة التي سترى في هذا الأمر خطوة إضافية للإطباق على قرار المدينة والاستئثار به بالكامل من قِبل طرف سياسي محدّد. فهل يجنب السعودي المدينة كأسا مرة، ويبقى حتى نهاية ولايته، علّ المعطيات الحالية تكون قد تغيرت إلى حد ما؟