على نقيض ما أريد له أن يكون موقفاً وطنياً، تحوّل رأي الرئيس ميشال عون بحق المقاومة ضد إسرائيل إلى ورقة تهديد ضد العهد الجديد. وإذا كان ثمة استنتاج يُستخلص من التصريحات و«الزكزكات» السياسية التي تلتها، فهو أن مساعدة رئيس الجمهورية على تحقيق الإنجازات التي يُريد أن تُسجّل في عهده، ترتبط بمدى قربه أو بعده عن حليفه الأساسي: حزب الله.


ليست مُصادفة أن تُسارع القوات التي ما فتئت تتغنى بورقة إعلان النوايا، ودخولها حلبة الرئاسة كلاعب أساسي بترشيحها عون ودعمه، إلى الكشف عن نيات أخرى مخبّأة، بعدما لمست أن عون قبل بعبدا هو نفسه عون ما بعدها. لم يتغيّر شيء، سوى أن معراب خاب أملها بأن تقبض ثمن «تنازلها» تخلياً عونياً عن الحزب. ويبدو أن ثبات الرئيس عون (حتى الآن) على سياسته، قد فتح شهية القوات على أسلوب المعارضة من «قلب» العهد، متّبعة سياسة التهديد الناعم، ربما لضرب العهد من الداخل، أو … إعادة تصويب الأمور وفق ما تراه هي مناسباً!
فيما تسير الحكومة نحو الاتفاق على إقرار الموازنة، وحدهم وزراء القوات رفضوا التوقيع عليها ما لم يتم إدراج مبدأ إشراك القطاع الخاص في إنتاج الكهرباء. حتى إنهم لوّحوا بالاستقالة من الحكومة إذا لم تذهب الأمور في اتجاه إدخال إصلاحات فعلية على قطاعات أساسية في الدولة. ثمة لغة معرابية مستجدّة بعد كلام عون. بداية، بدا الاستياء واضحاً عند القوات وتيار المستقبل، حيث تقصّد جعجع ومعه الرئيس سعد الحريري الدخول إلى البيال في ذكرى 14 شباط يداً بيد. ومن ثم توالت رسائل خارجية وداخلية، أبرزها تسريب محاضر لقاءات لسفراء غربيين يهدّدون بسحب القوات الدولية من الجنوب ورفع المظلة عن لبنان.
بالتزامن مع ذلك، كان «عرّابو» العهد، كما يحبّون أن يصفوا أنفسهم، يصرّحون على النغمة ذاتها رداً على الخطاب الأخير للأمين العام السيد حسن نصرلله، قبل أن تُطلق أول إشارة سياسية حكومياً، مفادها أنه «في حال لم يكُن العهد على مسافة واحدة من الجميع، فلن تستقيم الأمور على مستوى إدارة حكمه، ولن يتمكّن أحد من تحقيق الإنجازات». فتلويح القوات باستقالة وزرائها لم يأت من فراغ، على حدّ قول قواتيين أكدّوا أنها «منسّقة، وهدفها الإيحاء بأن العلاقة مع التيار ليست على أفضل ما يُرام». والأحاديث في كواليس القوات تشي بأن التحالف مع التيار الوطني الحرّ يُمكن أن يُعاد النظر فيه، وأن هناك ملاحظات على الأداء والممارسات. طبعاً ليس التلويح بالاستقالة استهدافاً للرئيس سعد الحريري. قد يكون الأخير أكثر من يحرص جعجع هذه الأيام على مراعاته، إذ إن الحملة التصعيدية السياسية التي واجه فيها «حلفاء» الأمس خطابَي عون ونصرلله، لمّحت إلى عودة مستجدّة إلى أدبيات 14 آذار. قد يتهرّب القواتيون من السؤال عن العمق الذي وصل إليه الخلل في العلاقة بين القوات والتيار الوطني الحر والرئيس عون بالتأكيد أن «التركيز على الموازنة والكهرباء هو معركة رأي عام، يُمكن أن يشكّل قوة ضغط على العهد لتحقيق الهدف». غير أنه لا ردّ حاسماً يُمكن أن يلغي حقيقة تراجع أسهم الرضى القواتي، خصوصاً أن حسابات التيار تختلف عن حسابات القوات. لكن الأخيرة حتى اللحظة لا تزال تحرص على تظهير العلاقة كما لو أنها في اليوم الأول لتوقيع اعلان النوايا. وهو ما دفعها إلى أخذ خطوات ترقيعية لشكل هذه العلاقة. فقد علمت «الأخبار» أن «اجتماعات ثنائية عقدت بين الطرفين بعيداً عن الإعلام، لتنسيق المواقف»، على الرغم من «أحقية ما يطرحه الحكيم» بحسب قواتيين. وقد تمّ الاتفاق على «توحيد الخطوات في كل الأمور، فلا يخرج مثلاً الوزير جبران باسيل بطرح انتخابي لا تدري به القوات، كما لا تقدم الأخيرة على أي خطوة من دون أن يكون التيار على علم بها». وأكد المعنيون، خلال الاجتماعات، أن «تكون البلبلة التي حصلت جرّاء موضوع الموازنة والكهرباء عبرة للتنبه إلى المرحلة المقبلة»، لأنه «لولا حكمة التيار والقوات لكنّا سرنا نحو مشكل كبير».
لكن، بصرف النظر عن محاولة لفلفة هذا التباين، وتأكيد القواتيين «بقاءهم على العهد»، يطرح التناقض بين الموقف العلني وما يثار خلف الأبواب الموصدة الكثير من الأسئلة. فهل يؤثر ما حصل على شكل العلاقة وكلاهما على بعد أمتار من إقرار القانون الانتخابي؟ وهل يُمكن القول إن التحالف الثنائي قد انتهى باكراً، فلم يُثمر إلا رئاسة وحكومة، بعد أن رأت القوات أن الرئيس عون «خالف» التوجهات والتفاهم الذي أوصله إلى بعبدا؟