طلب إقالة المديرة العامة للتعاونيات في وزارة الزراعة، غلوريا أبو زيد، آخذ في التفاعل. وكما هي الحال عادة، تحوّل هذا الطلب، الذي رفعه وزير الزراعة غازي زعيتر الى الامانة العامة لمجلس الوزراء بتاريخ 2 آذار الجاري، الى قضية «طائفية»، إذ دخل رئيس الرابطة المارونية أنطوان إقليموس على الخط، معتبراً أن «طرح الملف على مجلس الوزراء هو إجراء كيدي»، مبدياً استغرابه «أن يصار إلى قمع موظفة مثالية»، ومبرراً تحرّك الرابطة المارونية بـ«الافتراء ظلماً على موظف مسيحي كبير في الدولة».


تحويل قضية «موظّفة عامّة» الى قضية «حصانة طائفية» لا يفعل شيئاً سوى طمس الأسئلة الرئيسة: هل هناك فعلاً ما يبرر طلب وزير الزراعة إقالة أبو زيد؟ هل نحن أمام تدبير كيدي؟ هل ما يحصل هو فصل من فصول الصراع على توزيع المنافع «الفاسدة» المعروفة في آليات صرف المال العام على دعم الجمعيات التعاونية وصناديق التعاضد؟ طبعاً، في ظروف «طبيعية»، وهي ظروف لا يتيحها نظام المحاصصة الطائفية، يجدر أن تتولى الاجهزة الرقابية مسؤولية الإجابة عن هذا النوع من الاسئلة، ولكن تبدو هذه الاجهزة الغائب الاكبر في مجريات القضية الراهنة، كما غيرها من القضايا.
حتى الآن توجد روايات مختلفة عدّة؛ هناك رواية أبو زيد نفسها، التي عرضتها امام رئيس الجمهورية ميشال عون، والتي نقلتها «الأخبار» في تقريرها المنشور، أمس، تحت عنوان «سيدة النجاة تفجر وزارة الزراعة»، وهي الرواية التي يتبنّاها أيضاً إقليموس، الذي قال إن طلب وزير الزراعة إقالتها سببه «رفضها الإذعان لطلبه بإلغاء عقوبات اتخذتها بحق موظّفات ارتكبن مخالفات قانونية ومسلكية، ولامتناعها عن إعطاء إفادات متعلقة بأحد صناديق التعاضد وبتعاونيتين مشوبة بأخطاء قانونية جسيمة مرتبطة بتأسيسها أو بأهدافها، ولاتخاذها قراراً بحق التعاونيتين المذكورتين بتاريخ 11/2/2017».


تحصل أبو زيد على راتبين عن عملها في المشروع الأخضر وفي مديرية التعاونيات

ولكن في مقابل هذه الرواية رواية أخرى يقدّمها الوزير زعيتر، إذ يعقد مؤتمراً صحافياً ظهر اليوم، في مكتبه في الوزارة، يكشف في خلاله تفاصيل ما يعتبره مخالفات حاصلة في المديرية العامة للتعاونيات، تستدعي إعفاء الموظفة المذكورة من مهماتها في المديرية. بحسب مصادر في مكتب الوزير زعيتر، فهو سيكون مسلّحاً بوثائق ومستندات كثيرة تعزز الاتهامات التي يوجهها إليها.
اللافت في هذه الوثائق والمستندات، التي اطّلعت عليها «الأخبار»، أن الوزير زعيتر لم يحل ملف أبو زيد الى النيابة العامّة المالية أو التفتيش المركزي للتحقيق واتخاذ مسار العدالة المطلوبة، ولكنه طلب في كتاب موجّه الى مجلس الوزراء «تسوية» وضع أبو زيد، عبر إلغاء المرسوم (رقم 2182 تاريخ 18/8/2015) الذي قضى بتعيينها بوظيفة المديرة العامة للتعاونيات في وزارة الزراعة، معتبراً أن هذا المرسوم «تعتريه ثغرات عديدة تجعل من وضعها وضعاً غير قانوني في هذه الوظيفة». أرفق الوزير زعيتر هذا الطلب بمطالعة تبيّن هذه الثغرات، علماً بأنه طلب، في المقابل، إعادة أبو زيد الى وضعها السابق كرئيس للجنة الادارية للمشروع الاخضر، واقترح تكليف رئيس مصلحة التوضيب والتبريد في مديرية الثروة الحيوانية سعيد عون، «وهو مسيحي أيضاً»، بتأمين مهمات مدير عام التعاونيات بالإنابة ريثما يتم تعيين الأصيل.
تركّز المطالعة المرفقة على وجود أسباب شكلية تتعلق بمخالفات أصول التعيين، إذ جرى تعيينها في الدرجة الثامنة على الرغم من أنها ليست موظفة ضمن ملاك وزارة الزراعة، فضلاً عن أنها تحصل على راتبين من الدولة اللبنانية عن عملها في المشروع الأخضر وعن عملها في مديرية التعاونيات. إلا أن المستندات والوثائق الاخرى، التي تلقّى وزير الدولة لشؤون مكافحة الفساد نقولا تويني نسخاً منها، تتهم أبو زيد باعتماد محاصصة واستنسابية في توزيع المال العام على التعاونيات، إضافة إلى شبهات متصلة بسوء الإدارة.
تقول مصادر الوزير زعيتر إن الوزير تويني، الذي تبنّى رواية أبو زيد في البداية ووفّر لها موعداً مع رئيس الجمهورية، عاد وتبنّى موقفاً حذراً بعدما اطّلع على المعطيات في الرواية الاخرى. وتضيف هذه المصادر أن التيار الوطني الحرّ رفع الغطاء عن أبو زيد، وهي لم تعد تحظى بمظلة تيار المردة الذي سبق أن دعم تعيينها في وظيفتها.
أبرز هذه المعطيات، أن أبو زيد أحالت إلى الوزير زعيتر قراراً موقّعاً من الوزير أكرم شهيب في 20 كانون الأول 2016، أي بعد يومين على تأليف حكومة الرئيس سعد الحريري، يتعلق بتوزيع مساعدات مالية على التعاونيات الزراعية، وقد حاولت إقناع زعيتر بالتوقيع عليه، إلا انه رفض بحجّة وجود عيوب فيه. وتوضح المصادر أن القرار المذكور يوزّع مساعدات لـ«شراء جرار زراعي وفرامة ونكاشة» تتراوح قيمتها بين 24 مليون ليرة و18 مليون ليرة من دون أي تبرير. وبحسب هذه المصادر، كانت ملاحظة زعيتر الرئيسة أن القرار يتضمن تمييزاً طائفياً ومناطقياً فاضحاً، إذ ترتفع قيمة المساعدة لفئة وتنخفض لفئة أخرى من دون أي تعليل. عمليات التدقيق التي جرت لاحقاً، بيّنت أن «التمييز» و»الاستنسابية» يشملان كل المساعدات المقدّمة عام 2015، بحسب مزاعم المصادر نفسها.
المعطيات تطال أيضاً طريقة توزيع المكافآت المالية والأعمال الإضافية، إذ توجد قرارات عدّة صادرة عن أبو زيد تنطوي على محاباة لعدد معيّن من الموظفين والموظفات.
إلا أن ما فجّر الوضع، بحسب المصادر، هو ملفّا تعاونيتي «المنار» السكنية، و«سيدة النجاة للإسكان»، إذ أصدرت أبو زيد قرارين في 11 شباط يقضيان بحلّ وتصفية هاتين التعاونيتين، بالاستناد إلى «الفقرة الأولى والسابعة من المادة 49 من المرسوم 17199، وبناءً على رأي المستشار القانوني لمعالي وزير الزراعة السابق»، علماً بأن المادة 49 تنص على الحل والتصفية في حالة: عدم مباشرة العمل خلال سنة من تاريخ التأسيس، والاستمرار في المخالفة بعد الإنذار. وهذان الشرطان غير متوافرين، إذ إن التعاونتين قائمتان منذ سنوات، ولم يتم توجيه أي إنذار لهما، بل يظهر في المستندات أن تعاونية سيدة النجاة سبق أن حصلت على «إفادة توقيع» من المديرية العامة للتعاونيات قبل نحو سنة.
تقول المصادر إن الوزير زعيتر ألغى يوم 11/2/2017، أي في اليوم نفسه، قراري أبو زيد بحل وتصفية التعاونيتين المذكورتين، كذلك أصدر قبل يوم مذكرة إدارية يطلب فيها من المديرية العامة للتعاونيات التوقف عن إصدار «إفادة تفويض بالتوقيع»، ولكن أبو زيد تمسّكت بصلاحية منح هذه «الإفادة، وهي بدعة أوجدها المدير العام السابق للتعاونيات جوزف طربيه ونهى عنها التفتيش المركزي، كونها تحل محل «التفويض» الممنوح في مجالس إدارات التعاونيات المنتخبة».