كرة القدم في لبنان من لعبةٍ للشعب إلى خطرٍ على الشعب.

يتفق كثيرون ممن تابعوا البطولات في الدرجات المختلفة هذا الموسم على هذه المقولة. فعرض المشاهد التي مرّت على كثير من الملاعب في مباريات عدة يترك قناعة بأن العناية الالهية وحدها أنقذت البلاد من نسخة عن مجزرة بورسعيد المصرية الشهيرة.

وربما آخر المشاهد المؤلمة التي كادت تؤدي إلى نتائج لا تحمد عقباها، ذاك الحشد الذي ملأ مدرجات ملعب صور بطريقة غير مدروسة، لا بل إنَّ قسماً من المشجعين اتخذ سطح المدرجات غير المتين مكاناً له لمتابعة اللقاء، أو صعد إلى أعلى أعمدة الكهرباء ليطلّ على الملعب، في مشهدٍ لا نراه إلا في البلدان المتخلّفة إلى أبعد الحدود.
المشاهد بعيداً من الملاعب كانت حاضرة أيضاً، وتتركنا أمام قناعة بأنَّ الخطر قد يطاول كل من تطأ قدمه الملعب. ففي مناطق مختلفة احتضنت المباريات، لم يكفِ البعض الاعتداء على الحكام، بل طاردوهم بالسيارات ليضعوا حياتهم في دائرة الخطر، وكأننا في أيام الغرب الأميركي المتوحّش.
وبالتأكيد، تأخذ اللعبة منحىً خطراً عندما يغذي الهواء الطائفي أجواء الملاعب ويتنشقه المشجعون قبل الإداريون، فتصبح ميادين الكرة مسرحاً لتصفية الحسابات وتنفيس الاحقاد، ويزداد الغليان ويثور الشعب ويصبح العدو كل من يمسّ بنتيجة هذا الفريق أو ذاك، حتى لو كان عن وجه حق.
والخطر يأتي أيضاً من الضغوط السياسية والتسويات التي تحكم القرارات الإدارية، فيصبح الاتحاد مكبّلاً، ساعياً إلى إرضاء كل عضو فيه، وبالتالي جاهداً لتحاشي انفراط عقده أو انفراط اللعبة.
لكن لكل هذه الأسباب، ها هي كرة القدم على وشك الانفراط في أسوأ موسمٍ لها منذ الفضيحة الكبرى عام 2001. لكن الأكيد أنَّ الوضع أسوأ بكثير حالياً مع دخول المراهنات والتركيبات وتعليب النتائج على الخط، التي يُجبر لاعبون ومدربون على قبول السير بها من قِبَل من يفترض أن يدفعهم نحو اللعب النظيف.
صافرة واحدة من حكم كافية لتحويل الفوتبول إلى قضية رأي عام، لا يدرك المنغمسون فيها مدى الصورة السلبية التي يعكسونها في المجتمع، حيث باتت «شريعة الغاب» هي السائدة في كرة القدم فيكون الحُكم للأقوى.
فعلاً باتت اللعبة على حافة الهاوية، وخصوصاً مع تكتل أندية الشمال البارزة أمس لإعلان تعليق مشاركتها في البطولات المحلية على خلفية تراكمات من الملاحظات على أداء الاتحاد والحكام وما يحصل في اللعبة بشكل عام، بحسب ما جاء في كلام رئيس نادي السلام زغرتا الأب إسطفان فرنجية، في خلال مؤتمر صحافي عقده أمس، ونقلته أكثر من محطة تلفزيونية مباشرة على الهواء، بحضور عضو اللجنة التنفيذية المستقيل سمعان الدويهي ورئيس اتحاد الشمال الفرعي المستقيل أيضاً أحمد فردوس، وهو رئيس نادي الرياضة والأدب الذي يلعب في الدرجة الثانية، وأمين سر نادي طرابلس سليم ميقاتي ومدير فريقه مازن خالد.
فرنجية أعلن جملة قرارات إلى جانب تعليق المشاركة، تمحورت حول المطالبة بتنفيذ مقررات الاتحاد الصادرة بتاريخ 22 شباط الماضي والمتعلقة بتعيين حكام أجانب في المباريات الحساسة، وإعادة المباريات التي قادها حكّام لبنانيون. وذهب فرنجية إلى مطالبة الجمعية العمومية بإلغاء مفاعيل الدوري الحالي، واعتبار ما ذُكر في الإعلام حول التلاعب كإخبار ومحاسبة المتورطين بالمراهنات. كذلك أعلن الأب فرنجية تشكيل لجنة من المحامين، هم: جو يزبك، شادي سعد، رومانوس معوض، بالإضافة إلى محامٍ سيعينه نادي طرابلس، وذلك للدفاع عن الأندية، إن لم يتجاوب الاتحاد مع مطالبها.
وفي خلال المؤتمر الصحافي، كشف فرنجية عن تأييد ناديي التضامن صور والنبي شيت لمطالب أندية الشمال، وهو أمر أكده النادي الجنوبي في بيانٍ أصدره لاحقاً، معلّقاً مشاركته في البطولات أيضاً. بدوره، حدد رئيس نادي النبي شيت أحمد الموسوي في اتصالٍ مع «الأخبار» موقف فريقه، مشيراً إلى أن الأمور لم تعد محمولة «وهذه ليست كرة قدم، فالمسألة تتعلّق بمسار كامل». وبالنسبة إلى الموسوي، فإن مسألة تعليق المشاركة في الدوري تصبح تفصيلاً أمام المشكلة الأكبر التي تحتاج إلى اجتماع عاجل بين الأندية والاتحاد لحل المشكلة.
هذه المشكلة شدد فرنجية في اتصال مع «الأخبار» أيضاً على أنها تتخطى الأطر الرياضية، «فهناك من يريد تهميش فئة معيّنة من الناس لحسابات لا تمت إلى الرياضة بصلة»، مكرراً ما ورد على لسانه في المؤتمر الصحافي بأن «تعرضاً متعمداً يطاول الأندية المسيحية وكأن هناك من يريد إلغاءها فيعمل لمصلحة أندية أخرى». وصوّب فرنجية على ضعف الحضور المسيحي في الاتحاد اللبناني لكرة القدم عند اتخاذ القرارات الكبيرة، غامزاً من قناة أندية أخرى تتمتع بحضور أقوى في الاتحاد، بالنظر إلى قدرة من يمثّلها هناك، فتصبح قادرة على انتزاع القرارات التي تصبّ في مصلحتها وتحمي نفسها من خلال هؤلاء الأشخاص».
وعقّب قائلاً: «من هنا، وإضافة إلى المطالب التي عرضناها في المؤتمر الصحافي، نطالب بحصول التغيير في الاتحاد، انطلاقاً من الانتخابات المقبلة قريباً، وذلك لكي يكون هناك أشخاص أكفاء يمكنهم إدارة اللعبة بكل شفافية ودون محاباة أي طرف».
مطلبٌ قد توافق عليه الأكثرية الساحقة من الناشطين في كرة القدم والمتابعين لها، لكن الكل يعلم أنَّ التغيير لا يحدث بهذه البساطة، بل إن فرض معادلة جديدة في اللعبة عامةً يحتاج إلى ثورة ضخمة بحجم تلك الثورات التي عرفناها في الأعوام القريبة الماضية على مستوى العالم العربي، لتغيير المعادلات والاتفاقات والتحالفات والبروتوكولات والأعراف المكرّسة منذ زمنٍ بعيد.