بعد بضعة أسابيع على فوز القوات في زحلة، استفاق المجلس البلدي على حبه الشديد للرياضة، ونظّم على عجل ماراتون استنفرت القوات طاقتها لإنجاحه. لكن سرعان ما تبين أن الحماسة الرياضية كانت ليوم واحد فقط، وكانت محض مصادفة أن هذا اليوم هو الموعد المحدد لإحياء الذكرى السنوية الأولى لرحيل الوزير السابق الياس سكاف.


بدورها، صدقت لجنة مهرجانات زحلة الدولية ما قاله رئيس البلدية عن كون معركته للإنماء، لا الإلغاء، فقصدته لبحث سبل تعاونهما، لكنها فوجئت به يخبرهم ما مفاده أن لديه لجنة مهرجانات، وما على القيّمين على لجنة مهرجانات زحلة سوى إلغائها وتقديم طلبات انتساب إلى لجنته لينظر في أمرها. لعلها عثرة ثانية غير مقصودة. تقول الأرقام غير الرسمية في وزارة الداخلية إنَّ هناك أكثر من 1600 مخالفة بناء في مدينة زحلة، لكن رئيس المجلس البلدي يصطحب القوى الأمنية وشرطة البلدية ليغيروا عند الثالثة بعيد منتصف الليل على بضعة أكشاك في بارك جوزف طعمة سكاف، يتبين أنَّ مشكلتها الرئيسية أنَّ أصحابها سكافيون. عثرة ثالثة، يضاف إليها مع مرور الوقت أنَّ المجلس البلدي الذي وعد في برنامجه بـ"حدائق تضجّ بالحياة" يواصل إقفال الحديقة الرئيسية في زحلة، لا لشيء كما يبدو، سوى لأن اسمها لا يعجبهم.


يؤكد النموذج الزحليّ أن القوات لا تملك شيئاً تقدمه للرأي العام غير الشعارات
لا تنتهي الأمور هنا، يدفع المجلس البلدي من جيب المكلفين تكلفة الزينة الميلادية، فيما يرفض طلب الكتلة الشعبية تزيين البارك وإقامة الأنشطة الميلادية التي تُجمع المدينة على أنها كانت مفيدة لزحلة. وبعد تزيين الكتلة مدخل المدينة، تعطي البلدية ترخيصاً لنصب شجرة لا تنسجم مع الزينة الموجودة في وسطها. ما من كيدية أبداً، إنها محض مصادفات. التضييق على موظف هنا وعشرة هناك لا يجوز التوقف عنده، فهذه تفاصيل صغيرة. انشغلت الثنائية المسيحية أخيراً عن قانون الانتخاب والأزمة بينهما بشأن الطاقة والموازنة وسلسلة الرتب والرواتب والإصلاح الإداريّ وغيره بمصادفة عاشرة: كشك أبو يوسف.
أبو يوسف سبعينيّ يمضي اليوم كله، في حرِّ الصيف وبرد الشتاء، يبيع العلكة والطوابع ويصور المستندات في كشك لا تتجاوز مساحته 12 متراً مربعاً أقيم حيث ولد أبو يوسف: في الملك العام. لا يتجاوز مدخوله الشهري الحد الأدنى للأجور، يحمله بكل تعتير ويذهب إلى منزله ليفكر مع زوجته في كيفية تسديد كل الفواتير. هذا أبو يوسف هو من تضع القوات اللبنانية رأسها برأسه. فعليه، يقول رئيس البلدية، أن يفك كشكه ويذهب إلى منزله. يوم أو أسبوع أو شهر، لا أحد يعلم. بعدها سيعد رئيس البلدية مناقصة للأكشاك؛ ربما يطلب من المتقدمين إليها أن يكونوا حائزين على شهادة إيزو للجودة وربما لا، ربما يفترض أن يكون رأسمال الشركات التي يحق لها التقدم للمناقصة مليون دولار وربما لا؛ لا أحد يعلم. تطلب القوات من أبو يوسف أن ينتظر المنّ في منزله أو يلتحق بأحد مخيمات اللجوء لتدبير أمره أو الهجرة إلى كندا مثلاً أو أوستراليا أو تغيير ولائه السياسيّ بكل بساطة، فتتأمن الفتوى القانونية التي تتيح له البقاء في أرضه. أبو يوسف رفض الخضوع يوم الجمعة الماضي ولم يكسر قرار رئيس المجلس البلدي فقط، إنما حشد زحلة كلها خلفه في مواجهة قرارات معراب الاستنسابية التي يمكن أن تسبب مشاكل كارثية في زحلة. ولا شك أن شخصية أبو يوسف المسكين لعبت دوراً كبيراً في التعبئة ضد عنجهية القوات، علماً أن من بين من هرعوا إلى الوقوف بجانب الحقّ غير القانوني مناصرين للقوات اعتبروا أن للكيدية السياسية والحقد حدوداً. لكن لا شك في أنَّ تراكم الصدف يبين أن معراب لن تقف هنا، ولا شك في أنّها ستبادر إلى محاولة نزع صور الوزير الراحل الياس سكاف قبل صور الرئيسين نبيه بري وسعد الحريري وغيرها من الصور التي تملأ الأحياء الزحلية، لا لشيء إلا لرفض الكتلة الشعبية تأدية التحية العسكرية لرئيس حزب القوات والائتمار بأوامره. لكن المشكلة لا تتعلق بغريزة الإلغاء، إنما بتأكيد النموذج الزحليّ أن القوات اللبنانية لا تملك شيئاً تقدمه للرأي العام غير الشعارات، فحادثة أبو يوسف مهمة في دلالاتها، لكن الأهم هو مساءلة حزب القوات بفعالية أكبر عما حققه نواب القوات الزحليون في خلال ثماني سنوات، ومواصلة التلويح للمجلس البلدي ببرنامج عمله الذي تحدث فيه عن مدينة عصرية متمدنة آمنة متفوقة سياحياً وتربوياً وبيئياً واجتماعياً ورياضياً وتجارياً وصناعياً. لا بدّ من التوقف عن تضييع الوقت بأحاديث جانبية للإلحاح على وزراء القوات ونوابها ومجلس بلديتها بطلب تعداد إنجاز إنمائي واحد حققوه لهذه المنطقة، سواء كان أمنيّاً أو معيشياً أو زراعياً أو سياحياً أو صناعياً أو تربوياً غير محاولة إقفال الأكشاك؛ ليس كلها طبعاً، إنما تلك التي تجرأ أصحابها على أن يقولوا: "لا لمعراب".