« أحب تلك الــ D10s»

دونالد ترامب

في الوقت نفسه الذي كانت فيه العاصفة تهبّ ضد الموازنة، برزت أحداث جديدة في أميركا. الحدث الاول، دعوة بيل غيتس الى وضع ضريبة على الروبوتات التي بدأ استخدامها بشكل كبير في القطاعات الاقتصادية الاميركية.

يقول غيتس "في الوقت الحالي، إن العامل ــ الانسان الذي يعمل في مصنع وقيمة عمله تبلغ 50 الف دولار، يخضع هذا الدخل للضريبة...وإذا أتى روبوت ليقوم بالعمل نفسه، فإن علينا وضع مقدار الضريبة نفسه عليه". هذا الاقتراح لم يأت من اللاضيين الجدد (neo-luddites) بل من الرمز الاول للرأسمالية الحديثة. الحدث الثاني، تسجيل أعلى معدل لتخلي الاميركيين عن جنسيتهم، إذ بلغ العدد في 2016 حوالى 5400 أميركي مدفوعين بشكل أساسي من ملاحقة السلطات الضريبية للأميركيين أينما حلّوا. الحدث الثالث، الإغارة على مركز شركة كاتربيلر (Caterpillar) في ولاية ايلينوي من قبل الـ FBI على خلفية الاتهام الذي سيق ضدها في 2014 بالتهرب الضريبي، بتحويل 8 مليارات دولار من أرباحها الى شركتها في سويسرا، وهو البلد التي أبرمت معه الشركة اتفاقاً على أن يكون معدل الضريبة عليها من 4 الى 6 في المائة. بذلك تهرب الشركة من معدل الضريبة في الولايات المتحدة البالغ 29 في المائة. وردّت الشركة في مطالعتها القانونية ضد الحكومة بأن كل الشركات المتعددة الجنسية تفعل ذلك، وهو أمر قانوني! لكن بالطبع السلطات الضريبية الاميركية لا تظن ذلك، حتى لو سخى بحبّه لها الرئيس الاميركي.
إن تلك الاحداث في أميركا تستحق بعض الملاحظات والاقتراحات الاضافية:
1ــ إن التهويل المستمر من قبل الرأسماليين اللبنانيين من أن زيادة الضرائب المقترحة في مشروع الموازنة تهدد الاقتصاد اللبناني هو فارغ ويهدف إلى الدفاع عن مصالحها وليس الدفاع عن "الاقتصاد"، إذ إن ما يهدد أي قطاع هو هبوط معدلات الربح وانتفاء الطلب ودخول الاقتصاد في أزمة، وليس الضرائب في حدّ ذاتها. إذا أخذنا الارباح بشكل إجمالي، مثالاً، فإن الضريبة على الارباح والفوائد وعوائد رأس المال بلغت حوالى 1.5 مليار دولار في 2015. وإذا اعتبرنا أن تلك المداخيل تشكل 60 في المائة من الناتج المحلي أو 30 مليار دولار، فإن المعدل الفعلي للضريبة على مداخيل الرأسمال في لبنان يبلغ فقط 5 في المائة، وهو معدل منخفض جداً، وإن الزيادات المطروحة في الموازنة لن تشكل أي إضافة جذرية لهذه النسب. أما إذا أخذنا معدلات الضريبة كلّ على حدة (15% على شركات الاموال ومن ضمنها المصارف؛ 5% على الفوائد؛ صفر في المائة على الربح العقاري) فإنها تحتمل زيادات أكبر بكثير من تلك المطروحة في الموازنة، من دون أن يتأثر الاقتصاد ولا حتى المؤسسات نفسها، بل سيؤدي الى أمرين إيجابيين: أولاً، خفض اقتطاع هذه الطبقة من الناتج المحلي، والثاني زيادة واردات الدولة التي يمكن استعمالها في الانفاق الاستثماري والاجتماعي، ما يحسن الاقتصاد ويحسن الرفاه الاجتماعي للبنانيين.


مكافحة التهرّب عبر وضع
ضريبة على حجم الأعمال
تنزل من ضرائب الربح

2 ــ الضرائب ليست "شيطانية"، بل تترافق مع التقدم الاقتصادي، وهي أساس قيام الدولة العصرية. إن سعي أجهزة الضرائب الاميركية الدائم لملاحقة دافعي الضرائب حول العالم، هو ليس عملية انتقامية أو إخضاعاً إكراهياً للدولة، بل يؤكد أن لا تقدم اقتصادياً من دون ضرائب، ولا دولة عصرية من دون ضرائب. وهنا لا بد من الاشارة إلى أن التقدم الانساني من مجتمع البداوة الى أكثر المجتمعات تقدماً حالياً (الدول الاسكندنافية مثلاً) ترافق مع زيادة الضرائب من الصفر الى حوالى 45 في المائة من الناتج المحلي.
بالعودة الى موضوع كاتربيلر، خلص تحقيق من الكونغرس إلى أن الشركة قامت باستحداث تركيبة لتحويل المداخيل بين فروعها في العالم، واستطاعت التهرب بمقدار 2.4 مليار دولار على مدى 13 عاماً، أي أقل من 200 مليون دولار في السنة، والتي تشكل فقط حوالى 0.001 في المائة من الناتج المحلي الاميركي. استدعى ذلك الإغارة من الـ FBI على مكاتبها! بينما في لبنان لا أحد يعلم مقدار التهرب الضريبي عبر كل القنوات المتاحة الداخلية، وصولاً الى حسابات الاوفشور التي كشفتها لائحة باناما الاخيرة. وفي أميركا يبلغ الاميركيون في الخارج حوالى 7 ملايين شخص، قد يشكل العاملون منهم، وليس المقيمون بصورة دائمة، أقل من 2 في المائة من القوى العاملة، هناك، بينما في لبنان ما لا يقل عن 500 ألف لبناني في الخارج يشكلون 30 في المائة من القوى العاملة اللبنانية لا يدفعون الضرائب. وأخيراً (وبالطبع ليس آخراً!) يحتل عدة أشخاص لبنانيين مكاناً في لائحة فوربس لأصحاب المليارات في العالم تعادل ثرواتهم 20% من الناتج المحلي، ولا أحد يعلم ما يدفعون عليها من الضريبة.
3 ــ في موضوع التهرب الضريبي من ضرائب الارباح، فإذا لم تُرد الدولة اللبنانية أن تقوم بملاحقة مباشرة عبر أجهزتها، والحجة دائماً أن ليس هنا جهاز بشري وإداري للدولة للقيام بملاحقة كهذه، فإنها تستطيع أن تضع بدلاً من ذلك ضريبة جديدة لمكافحة هذا التهرب (والفكرة هي لزميل اقتصادي ورأسمالي في الوقت نفسه!). إن الدولة بوضعها ضريبة على حجم الاعمال (turnover tax) تختلف باختلاف القطاعات الاقتصادية ومعدل ربحيتها، بحيث تنزل قيمة هذه الضريبة من ضرائب الربح، يمكن أن تحفّز المؤسسات على التصريح عن أرباحها. كيف تعمل هذه الضريبة؟ إذا كان معدل الارباح المقدر في قطاع الالبسة مثلاً يساوي 20 في المائة وان معدل الضريبة على الربح 15 في المائة، فإن وضع ضريبة 3% على حجم الاعمال سيجبر المؤسسات في هذا القطاع على التصريح عن ربحها الحقيقي، لأن هذه الضريبة تجبرها إما على أن تدفع ضريبة حجم الاعمال، وإما على أن تدفع ضريبة الربح؛ وهكذا دواليك على جميع القطاعات. وبهذا نحلّ معضلة أساسية من معضلاتنا الضريبية عبر الوسائل الاقتصادية وليس الادارية البحتة.
إن الهجمة الايديولوجية من قوى الرأسمال دفاعاً عن مصالحها، وآخرها اقتراح القوات اللبنانية تسليم قطاع الكهرباء الى الذين راكموا الثروات على حساب أكثرية اللبنانيين، تتطلب من جميع قوى التقدم والتطور أن توقف هذه الماحقة الاقتصادية قبل أن تنهي ما تبقى من اقتصاد وما تبقى من ثروة حقيقية في لبنان.