لا يعني توالي حملات التهويل الاسرائيلي ضد الجيش اللبناني ورئيس الجمهورية ميشال عون، بالضرورة، أن موقفاً استجدّ لدى صناع القرار السياسي والامني في تل ابيب ازاء لبنان.

تهديدات وزير الامن الاسرائيلي افيغدور ليبرمان ضد الجيش والدولة اللبنانية ليست جديدة، لا على مستوى المضمون ولا على مستوى المفردات التي استخدمها، بما فيها تأكيده أنه «يجب أن يكون واضحاً للجميع، من ناحيتناـ أن بنية الجيش اللبناني ودولة لبنان، وكذلك بنية حزب الله، هما أمر واحد»، وسبق أن تردد ما يماثل ذلك على ألسنة العديد من المسؤولين السياسيين والعسكريين في اسرائيل.

في المقابل، ما تقدم لا يعني ايضاً أنه بالامكان تجاهل هذا المسار التصعيدي ضد لبنان، وعزله عن الرؤية الاسرائيلية للسياقات التي تشهدها المنطقة، وما تنطوي عليه من تحديات وفرص. وانسجاما مع هذه الرؤية، كان طبيعياً أن يعبر ليبرمان أمام نظيره الاميركي بأن «اسرائيل تنظر بقلق الى التوجه الذي يقوده الرئيس اللبناني، وتحويل الجيش اللبناني الى جزء من منظومة حزب الله»، وهو التعبير الذي تستخدمه اسرائيل اعتراضا على التكامل بين الجيش والحزب في مواجهة التهديدات.
استراتيجية التهويل تبنّتها تل ابيب كجزء من العبر التي استخلصتها في اعقاب الصدمة التي تلقتها من مجريات ونتائج حرب العام 2006، وعندما اكتشفت محدودية قدرتها على شطب حزب الله، بما يمثله من قوة ردع ودفاع عن لبنان، عن الخارطة المحلية والاقليمية، وصعوبة ردعه عن الرد على أي اعتداءات اسرائيلية. ثم تعزز هذا المفهوم مع توالي التطورات والمحطات طوال العقد الماضي.
هذه الخلاصة، دفعت المؤسستين السياسية والامنية في تل ابيب الى محاولة اجتراح خيار بديل أكثر نجاعة ضد لبنان. وهكذا وقع الخيار على اعتماد سياسة التلويح باستهداف كافة المنشآت اللبنانية في أي حرب مقبلة. ومنذ ذلك الحين توالت المواقف في هذا الاطار، على لسان أكثر من مسؤول سياسي وعسكري، من ضمنهم وزير الامن الاسرائيلي الاسبق ايهود باراك («يديعوت احرونوت»/ 25/11/2008) الذي اعتبر أن «التماثل بين حزب الله ولبنان يضع البنية التحتية اللبنانية امام مخاطر تعرضها لضربات أفدح مما جرى في السابق، في أي مواجهة مستقبلية مع اسرائيل». وفي مرحلة لاحقة، اعتبر باراك أن الخطأ الذي ارتكبته اسرائيل خلال حرب العام 2006، هو التمييز بين حزب الله والدولة اللبنانية. علما ان اسرائيل لم تستثن كما تقول الجيش اللبناني خلال الحرب الماضية، ودفع ثمن مواقفه الوطنية عشرات الشهداء في حينه.
ايضا، صدرت مواقف مشابهة على لسان صاحب «عقيدة الضاحية»، رئيس الاركان الحالي للجيش، غادي ايزنكوت، عندما كان يتولى قيادة المنطقة الشمالية عام 2008، بالقول «سندمر لبنان عن بكرة ابيه، ولن نرتدع من احتجاجات العالم... ولن نرعوي عن المس بالبنى التحتية للدولة اللبنانية». ووصفت «يديعوت احرونوت» في حينه هذا الموقف (6/10/2008) بأنه «ليس زلة لسان هوجاء وانما استراتيجية جديدة... وأن لبنان كله هو عدو لاسرائيل». ويمكن اضافة الكثير من المواقف والتقارير التي تكشف أن اسرائيل أعلنت مرارا وتكرارا طوال السنوات العشر الماضية عن عزمها على استهداف مؤسسات الدولة اللبنانية.
وللتذكير، صعّدت اسرائيل حملتها ضد الجيش اللبناني، بداية عام 2010، («جيروزاليم بوست» 11/01/2010)، وأطلقت ما اسمته «حملة دبلوماسية» لمنع مساعدة الغرب للمؤسسة العسكرية اللبنانية. في حينه، قالت مصادر سياسية اسرائيلية (المصدر نفسه) ان «استراتيجية اسرائيل هي محاولة افهام البلدان الغربية بأن حزب الله والجيش اللبناني كيان واحد، ولا يمكن التمييز بينهما».
هكذا يتضح بما لا لبس فيه، أن من الخطأ التعامل مع تهديدات المسؤولين الاسرائيليين كما لو أنها ردة فعل أو نتيجة لمواقف الرئيس، بل هي امتداد لخطاب رسمي واعلامي اسرائيلي بات يحتل فيه رفع مستوى التهويل ضد لبنان، مؤسسات وكيانا وشعبا، جزء أساسيا من مفرداته. ويندرج ضمن خطة متعددة الاهداف، منها ما يتصل بتعزيز قدرة الردع الاسرائيلية في مواجهة حزب الله ولبنان. وبهدف محاولة تأليب الشعب اللبناني ضد مقاومته التي نجحت في حماية لبنان وتوفير مظلة امان ميَّزته عن كل المحيط العربي. كما يهدف الى محاولة قطع الطريق على أي محاولة لتزويد الجيش اللبناني بأسلحة نوعية، تُمكِّنه من الدفاع عن لبنان.
من هنا، كانت مواقف الرئيس رداً على حملات التهويل والتهديدات الاسرائيلية، وليس العكس، وجزءاً من الرد اللبناني المضاد للمخطط الاسرائيلي، عبر تبديد رهاناته على إحداث شرخ داخلي لبناني حول المقاومة ودورها الردعي والدفاعي. وتنبع أهمية هذا المفهوم، من أن التجارب السابقة، تؤكد على أن الانقسام في الموقف من العدو الاسرائيلي ومن المقاومة، عادة ما يعزز الرهانات الاسرائيلية من زاوية حضور جدوى سياسية مفترضة لدى دراسة خيارات عدوانية على طاولة صناعة القرار. وبالنتيجة، لم يكن مفاجئاً حجم «القلق» الاسرائيلي ــــ بحسب تعبير ليبرمان ــــ من مواقف الرئيس عون، التي جسدت حقيقة التكامل مع المقاومة في الردع والدفاع، ولكونها تساهم في تقويض الترويج الذي تعمل عليه تل ابيب لتشويه صورة حزب الله.