تقدّمت أولوية تطبيق «إفادة المضمونين المتقاعدين من التقديمات الصحية» على النقاش المتصل بالتغطية الصحية الشاملة. واقع فرضته قوى السلطة لتحقيق مطلب يخدم أرباب العمل في سعيهم وتهرّبهم من إقرار نظام للتغطية الشاملة مموّل من الضريبة، أو حتى لإقرار نظام أقلّ شمولية وهو نظام الشيخوخة الذي ي


وفّر للمتقاعدين تقديمات صحيّة بالإضافة إلى معاش تقاعدي.
رغم ذلك، بدا القانون المجتزأ من مشروع ضمان الشيخوخة مثقلاً بعجز ما بعد الولادة. فالأمر يتطلب إقرار نظام خاص بتطبيقه في مجلس إدارة الضمان، ثم اتخاذ قرارات إدارية لتكليف المستخدمين بمهمات إنشاء الصندوق وتشغيله، إضافة إلى تنظيم مسالك العمل وتوضيح آليات التطبيق وشروط الاستفادة... كل هذه المسائل لم تحلّ بعد. فمنذ إقرار القانون ونشره في الجريدة الرسمية بتاريخ 16/2/2017، حتى مساء أمس، أي منذ نحو ثلاثة أسابيع، لم يكن القانون مطبّقاً بعد. وهذا يعني أنه لم يُدعَ المضمونون المتقاعدون إلى التقدّم بطلباتهم، ولم تصدر أي قرارات من صندوق الضمان بشأن إنشاء القسم الخاص بهم، ولم تحدّد شروط الانتساب بمختلف مراحلها ولا طريقة الاستفادة... لا بل تبيّن أن الصندوق كان «مشغولاً» طوال الأسابيع الثلاثة بإعداد النظام الخاص اللازم لتطبيق القانون! مفارقة ليست واضحة لجهة كون القانون يدرس في اللجان النيابية منذ سنوات عديدة، وقد استقطب نقاشات حامية ومحاولات «ماكرة» من أصحاب العمل وأزلامهم السياسيين لمنح شركات التأمين خصخصة مبطّنة لتقديمات هذا الفرع، ثم أُدرج على جدول أعمال الهيئة العامة لمجلس النواب، ولاحقاً نُوقش وأُقرّ، فيما تطلّب نشره مدّة ستة أيام من يوم إقراره في 10 شباط إلى يوم نشره في 16 شباط... كل هذا الوقت مرّ من دون أي اعتبار للحدّ الأدنى من الجاهزية لتطبيقه.
في هذا الوقت، برزت مجموعة إشكاليات: ما هو مصير المضمونين الذين تنطبق عليهم شروط الانتساب، أي تقاعدوا أو أصيبوا بعجز خلال الفترة الممتدة بين 16 شباط 2016، وبدء التطبيق؟ كيف ستستوفى الاشتراكات عنهم المحدّدة بموجب النظام بمعدل 3% موزّعة بالمناصفة على أصحاب العمل والدولة والعمّال؟ ماذا لو أصيب أحد هؤلاء بعارض صحي استدعى دخوله إلى المستشفى ولم يكن الضمان قد فتح باب الانتساب بعد؟ ماذا لو توفي المضمون المتقاعد بسبب العارض الصحي؟
الأسئلة كثيرة ولا إجابات عنها. «اللي راح بتروح عليه» هكذا يقول المثل، فالأولوية ليست لهؤلاء، وإن كانوا هم تحديداً المقصودين بهذا القانون! والأنكى من ذلك، أن هذه الأسئلة ليست الأسئلة الوحيدة المطروحة ضمن النقاشات المتصلة بهذا القانون، فإلى جانب الحديث عن المضمونين المتقاعدين، هناك مسألة تتعلق بآليات الانتساب إلى صندوق المتقاعدين والترك منه، والتي يجب معالجتها فوراً. فعلى سبيل المثال، ماذا لو تقاعد المضمون بعد خدمة 20 سنة، ثم انتسب إلى صندوق المتقاعدين، ثم تركه بسبب حصوله على تغطية صحية على عاتق أحد أبنائه، ثم لسبب أو لآخر توقفت هذه التغطية، فهل يسقط حقّ المتقاعد بالاستفادة من التغطية الصحية عبر صندوق المتقاعدين؟ إلى أي مدى يحتفظ المتقاعد بحقّه في الانتساب إلى هذا الصندوق؟ ماذا لو عاد المتقاعد إلى العمل المأجور بعد تقاعده على أساس الـ20 عاماً، ثم تقاعد بعد سنتين أو ثلاثة، فهل يحتفظ بحقّه في الانتساب أم لا؟
هكذا بدا المشهد قبل دعوة المدير العام للصندوق، محمد كركي، مجلس إدارة الضمان إلى جلسة استثنائية عقدت أمس، لدرس النظام الخاص بقانون ضمان المتقاعدين. النظام عالج بعض الثغر المتعلّقة بالأسئلة المحورية عن حقوق الانتساب وشروطه بالاستناد إلى رأي اللجنة الفنية، إذ منح المتقاعد فرصة الاحتفاظ بحقّه في الانتساب، على أن يعلّق الحق في حال استفادته من نظام تغطية آخر. لكن ليس واضحاً ما هي الطريقة لفرض الاشتراكات ابتداءً من نشر القانون، أي منذ 16 شباط الماضي، وليس واضحاً بعد ما هو مصير المنتسبين إلى الضمان الاختياري الذين يريدون الخروج من هذا النظام؟
على أي حال، إن إقرار مجلس الإدارة لهذا النظام لا يعني بدء التطبيق فوراً، بل يفترض أن يكون دالاً على معالجة كل هذه الاسئلة وتقديم الآليات المناسبة لتنظيم الصندوق بما يحفظ حقوق المتقاعدين ويحفظ حقوق الضمان في الاشتراكات الواجبة على أصحاب العمل، إذ يسهل جباية الاشتراكات من المتقاعدين المرغمين على دفعها للانتساب، أما أصحاب العمل فبإمكانهم المماطلة إلى ما لا نهاية وصولاً إلى التنصّل من هذه الموجبات. لكن المشكلة تكمن في العبء الإداري الذي خلقه هذا الصندوق الجديد في الضمان المترهل والشاغر بنسبة تتجاوز نصف الملاك الإداري، وليس لديه المساحات المادية اللازمة ولا الأدوات التكنولوجية المطلوبة لهذا العمل... كل هذه الأمور تتطلب تجهيزات سريعة لم تؤخذ في الحسبان، ما يعني أن على المتقاعدين أن ينتظروا أسابيع إضافية.