منذ منتصف الأسبوع الفائت، يجري التداول باقتراح قانون للانتخابات النيابية، يُنسب إلى الوزير جبران باسيل. هذا الاقتراح يقوم على «خلطة» من غالبية الاقتراحات التي بحثتها القوى السياسية سابقاً. فهو يقسّم النواب إلى نصفين: نصف يُنتخب بالنسبية في لبنان دائرة واحدة، والنصف الثاني يُنتَخَب بـ»الأكثري».


في الشكل، يُمكن القول إن هذا الاقتراح هو «أفضل» ما جرى تقديمه حتى اليوم من مشاريع «المختلط»، كونه يمنح الناخبين القدرة على إيصال نصف ممثليهم بالاقتراع النسبي، وفي الدائرة الأكبر. لكن القليل من التدقيق يُظهر أن هذا الاقتراح هو الأسوأ، بلا منازع. فالنسبية هنا «بتراء»، وتعطي في الكثير من الدوائر النتائج ذاتها التي يُصدرها قانون الستين. فقد علمت «الأخبار» أن الاقتراح الجديد يشترط ألا يمنح الناخب صوته التفضيلي إلا إلى مرشَّحِي قضائه. وهنا الطامة الكبرى.
لا بد اولاً من شرح ما يعنيه الصوت التفضيلي وكيفية اختيار الفائزين على اللوائح في «النسبية». في «النسبية»، تُمنح كل لائحة نسبة من المقاعد تعادل نسبة الأصوات التي حصلت عليها. فإذا حصلت على 30 في المئة من الأصوات في دائرة من 10 مقاعد، تحصل اللائحة على 30 في المئة من المقاعد العشرة، أي 3 مقاعد. كيف يتم اختيار المرشحين الفائزين من هذه اللائحة؟ هنا يأتي دور الصوت التفضيلي. على كل ناخب، حينما يدخل خلف العازل في قلم الاقتراع، أن يضع إشارة إلى جانب اسم وصورة المرشح الذي يفضّله. وعند فرز الأصوات، يفوز المرشحون الثلاثة الذين يحظون بالعدد الأكبر من الأصوات التفضيلية.


خطورة المشروع أنه يحظر على الناخب منح صوته التفضيلي لأي مرشح من خارج قضائه



خطورة المشروع المتداول حالياً أنه يحظر على الناخب منح صوته التفضيلي لأي مرشح من خارج قضائه.
ماذا يعني ذلك؟
اذا اخذنا مثالا عمليا. في دائرة بعبدا، ثمة مقعدان شيعيان. وبطبيعة الحال، سيتم انتخاب أحدهما بالاكثري، والثاني بالنسبي. في القسم الاكثري ستحسم تحالفات القوى الكبرى هويته. اما المقعد المخصص للنسبي، وبما انه يُمنع على غير أبناء قضاء بعبدا منح أصواتهم التفضيلية لأي مرشح من بعبدا، فسيكون مضموناً، بنسبة تقارب المئة في المئة، لصالح من لديه غالبية الاصوات في القضاء، اي لمرشح حزب الله.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى المقعد السني في صيدا، الذي سيحصل عليه تيار المستقبل حكماً، او المقعد السني في البقاع الغربي، أو المقعد الدرزي في الشوف (لجنبلاط)، او المقعد الماروني في بشري... فالكتل الكبرى ستكون قادرة على «صبّ» أصواتها لمرشح واحد، ما يقضي على فرصة أي مرشّح آخر، ما يعني عمليا، القضاء على حقوق الاقليات في التمثل.
كذلك يمكن القوى السياسية أن تتحالف، فتقسم مرشحيها بين النسبية والأكثرية، فتحسم النتائج مسبقاً في بعض الدوائر، كالبترون (على سبيل المثال لا الحصر). فالنائب بطرس حرب يمكنه المنافسة جدياً في «الستين»، حتى لو تحالف حزبا القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر. أما في النظام المقترح، فإن حظوظه ستلامس الصفر، في ظل تحالف الحزبَين واتفاقهما على اسم كل من المرشح «النسبي» والمرشح «الأكثري».
وهنا، ينتفي معنى «النسبية» التي جرى اختراعها أصلاً بهدف تمثيل الأقليات. لكنها في المقترح المتداول، وفي حالة لبنان، تمنع تمثيل الأقليات السياسية داخل الطوائف (وتمثيل الأقليات السياسية داخل الطوائف كان احد المعايير التي وضعها الرئيس ميشال عون لأي قانون انتخاب جديد).
الشق الآخر من الاقتراح لا يقل سوءاً عن الجزء الاول. فالنظام الأكثري المقترح لانتخاب النصف الثاني من أعضاء مجلس النواب، هو أسوأ ما ورد في النقاشات السياسية حتى اليوم. وفيه ثلاثة عيوب ترقى إلى حد الفضيحة: هو اولاً اكثري، وهذا بحد ذاته سيئ، بحسب اعتراف جميع مدّعي رفض «الستين»؛ وثانياً، فإن دوائره اكبر من دوائر قانون «الستين». وفي النظام الأكثري، كلما ازداد حجم الدائرة، كلما ارتفع منسوب الظلم اللاحق بالناخبين؛ وثالثاً، هو يفرض انتخاب أبناء الطوائف لنوابهم، من دون «تدخّل» أبناء الطوائف الأخرى. هي نسخة أكثر طائفية من أي قانون انتخاب معمول به في العالم ربما، وتلامس العنصرية، وتضرب أسس الدستور اللبناني الذي نص (الاتفاق الذي أنتَجَه) على المضي نحو إلغاء الطائفية السياسية، لا نحو تشريع فيدرالية طائفية. ويمنع المساواة في حجم تمثيل كل نائب، اذ يفوز البعض بعدة الاف من الاصوات بينما يحتاج اخرون الى اضعاف العدد.
وفي المثل العملي، لنأخذ دائرة صيدا ــــ جزين: المسلمون ينتخبون نائباً سنياً واحداً (سيكون مضموناً لتيار المستقبل)، والمسيحيون سينتخبون نائباً مارونياً وآخر كاثوليكياً (أو نائباً مارونياً فقط). وهنا أيضاً، سيكون النواب المسيحيون «مضمونين» للتيار الوطني الحر.
الأنكى أن بعض الناخبين سيكونون ممنوعين من الاقتراع إلا لنصف عدد النواب. لنأخذ، مثلاً، إحدى دوائر الجنوب، وهي دائرة صور ــــ بنت جبيل التي تضم نحو 25 ألف ناخب مسيحي لا يحق لهم الاقتراع لأي نائب وفق الاقتراع الأكثري. كما انهم لن يكونوا قادرين على منح صوتهم التفضيلي لأي نائب مسيحي! الأمر نفسه ينطبق على اكثر من 16 ألف ناخب مسلم في الدائرة التي تضم أقضية بشري وزغرتا والبترون والكورة. ممنوع عليهم أيضاً الاقتراع لأي من النواب الـ64 الذي سيُنتخبون وفق «الأكثري»، إلا إذا تم «قص» المنية ــــ الضنية من دائرة طرابلس و»لصقها» مع الدائرة «المسيحية»، بالطريقة ذاتها التي كان يقوم بها غازي كنعان.
أقل ما يُقال في هذا الاقتراح إنه مخالف للدستور، ولا يراعي عدالة التمثيل الوطني، ويضرب «عدالة التمثيل الطائفي»، وينسف فكرة المواطنة، ويحظّر على عشرات آلاف الناخبين المشاركة في اختيار نصف أعضاء مجلس النواب. فهل يفعلها باسيل ويكذّب اليوم كل الذي ينسبون له هذا الاقتراح ــ الفضيحة؟