‎ليس سهلا أن تخلُف البطريرك صفير في بكركي. الرجل كان يعرف أن يقول أقسى المواقف من غير أن يترك «ممسكاً» واضحاً. الأمر ليس ترفاً عندما تجلس على الكرسي اللازمني الأبرز في بلد تتعايش أزمنته الهوياتية بشق الأنفس.


‎يكمل البطريرك الراعي هذه الأيام السنة السادسة من تولي سدة البطريركية. البطريرك الراعي يعرف أن يمتلك شجاعة، أو تهور، الذهاب إلى سوريا عام 2013 ومن ثم الذهاب إلى ما لم يذهب إليه البطريرك صفير نفسه وزيارة الأراضي المقدسة في فلسطين برفقة الحبر الأعظم في العام التالي. أثارت الزيارتان غضبَين وإعجابَين على ضفتي الانقسام السياسي اللبناني. فات البطريرك أن أواليات ميكانيك الإعلام تقول إن الإعجاب يذهب إلى النسيان مع أول خبر تتصدره ميريام كلينك أو ما شابه، فيما تمكث «لوثة» الغضب في السيرة الذاتية وتُستحضر عندما يستدعي الأمر. ربما، كان على البطريرك أن لا يذهب إلى سوريا وأن لا يذهب إلى فلسطين فيوفر على بكركي «ذهابَين» لن يغادرا سجلها بيسرٍ من جهة، وزبدَين لم تشرق عليهما شمس اليوم التالي. على طريقة المقولة المسيحية «مرتا… مرتا… تهتمين بأمور كثيرة والمطلوب واحد»، ربما المطلوب من البطريرك أن لا يفعل شيئاً عندما لا يكون في نيته فعل شيء. يعدّ هذا بديلاً جيداً من فعلتين متناقضَتين تريدان «تصفير» مواقفه لينتهي به المطاف محايداً لا يريد قول شيء.
‎قبل أيام، أعلن البطريرك الراعي أن الوجود الفلسطيني هو سبب الحرب الأهلية في لبنان وقال إن تدخل حزب الله في سوريا أحرج اللبنانيين. هكذا ببساطة. قد يتراءى لمن لا يتابع مسار الراعي أن الأمر ينطوي على انعطافة سياسية أو على استئناف لمسار كان موارباً وأراد غبطته إخراجه إلى الضوء. لكن العارفين بحقائق الأمور من المقربين به يجزمون بأن الأمر لا يتعدى حماسة غير محسوبة. لا يمنع هذا التحليل من القول إن الأمر قد ينطوي أيضاً على أن «رأياً» ما في بكركي أراد أن يلاقي مواقف الرئيس عون الأخيرة من المقاومة على الجهة الأخرى من أجل أن تستوي «المسيحية» السياسية في المنتصف، هذا الرأي لا يحتمل «زعل» بعض الأنظمة الخليجية الذي يجري الهمس والهجس به. مجدداً، يصر غبطة البطريرك على لعبة الجهات القصوى. فهو البارحة أعلن أن اللبنانيين محرجون من تدخل الحزب في سوريا، وغداً قد يعلن العكس، وربما المطلوب أن لا ينظر البطريرك إلى دوره كطرف في ثنائية يتقاسمها مع الرئيس ميشال عون. على النقيض من ذلك، الأجدى هو أن يصدّق دوره كراعٍ وأن لا يرفع شراعه كلما هبّت من جهة الصحراء عاصفة «خماسينية» تهويلية.
‎من لا يملك جرأة إعلان الانحيازات في قضايا أساسية، أو لا يرى مصلحة في هكذا إعلان على الأقل، ربما عليه أن يلوذ بالصمت أو ما يشبهه، أو يلوذ بالعموميات. من المؤكد أن انعدام اللون هو أفضل بما لا يقاس من فوضى الألوان وازدحامها.
‎السؤال هو عن تشخيص «النقلات» البطريركية: هل هي جرأة أم تهور؟ على تعدد المقاربات المعتمدة للجواب، يبقى أن حقيقة وجود رؤية وخطة وراء المواقف هي الفيصل في الحكم على الموقف. ما هي الرؤية التي تعتمدها بكركي إزاء قضايا مصيرية تختص بالمسيحيين المشرقيين؟ من الصعب العثور على واحدة.
‎ليس مهماً ما يتم تسريبه بين الفينة والأخرى حول «حقيقة» موقف البطريرك من النظام في سوريا، كما أنه لم يكن مهماً «الكشف» عن محبة السيدة فيروز للسيد حسن نصرالله. المهم هو ما يستطيع البطريرك الخروج به على الناس، والمعطيات تحسم أن الرجل لا يحمل رؤية جدية إزاء ما يجري في لبنان والمنطقة، وهو عرضة، بالتالي، لمتابعة قول وفعل الأشياء الأكثر إثارة للدهشة من أجل نفي تهمة أُلصقت به ذات حماسة زائدة.