في موازاة الانشغال الداخلي بقانون الانتخاب والسلسلة والموازنة، لا يزال ملف علاقات لبنان بالدول العربية والغربية يحظى بمتابعة أوساط سياسية معارضة لمواقف الرئيس ميشال عون، ترى أن من المبكر الحديث عن انفراجات جدية بعد «أزمة» التصريحات التي أدلى بها رئيس الجمهورية في الأسابيع الماضية حول حزب الله والجيش.


ففي الأيام الأخيرة، بدا أن ثمة محاولة جدية لسحب هذا الملف من التداول، ورغبة في تهدئة واضحة على خط علاقة الرئاسة مع دول عربية وغربية معينة. وإذا كانت هذه الرغبة قد تبدّت في مجلس الوزراء، وسط محاولات تهدئة ملحوظة قبيل قمة عمان، معطوفة على زيارة وزير الخارجية جبران باسيل لواشنطن للمشاركة في مؤتمر التحالف ضد تنظيم «داعش»، فإن الشكوك لا تزال تحوم حول احتمال عودة العلاقات الى طبيعتها، ولا سيما مع السعودية، كما أوحت زيارة عون لها، وتخفيف عوامل التوتر مع الدول الغربية المعنية مباشرة بالملف اللبناني، أي الولايات المتحدة وبريطانيا. في حين لا تترك العلاقة مع فرنسا، المشغولة بالانتخابات الرئاسية، تأثيراً مباشراً حالياً على مجريات الوضع اللبناني.
ومخاوف هذه الأوساط لا تزال على حالها منذ أن قال عون ما قاله، ولا سيما أن كلامه لم يكن معزولاً عن تطورات إقليمية وسورية تحديداً. وهي تخشى، في ظل التطورات السورية الأخيرة وما حصل من تدخل إسرائيلي جوي، أن يتفاقم الوضع السوري ويزيد من حدة التجاذب اللبناني الداخلي، وانحياز رئيس الجمهورية أكثر نحو المواقف التي اتخذها أخيراً.


الرياض لم تفتح
أمام رئيس الجمهورية كل أقنية
التواصل الجدية


فرغم أن تعويلاً داخلياً على أن يحاول عون التعويض عربياً خلال كلمته في مؤتمر عمان، عن مواقفه في شأن دور حزب الله، إلا أن مستوى القلق لا يزال عالياً، بحسب هذه الأوساط، في ثلاث دوائر أساسية: أميركية وبريطانية وسعودية.
الأميركيون والبريطانيون الذين سارعوا إلى تأييد انتخاب عون وتسوية وصول الرئيس سعد الحريري الى رئاسة الحكومة، لا يزالون على استيائهم من كلام رئيس الجمهورية. وهذا الاستياء من شأنه، في ظل مواقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب من إيران، وإحيائه العلاقة مع السعودية أخيراً، أن يضاعف من محاذير الضغط الأميركي الداخلي كإدارة وكونغرس على المساعدات الأميركية للبنان والجيش تحديداً. ورغم أن واشنطن كانت مؤيدة منذ أشهر لوصول قائد الجيش الجديد جوزف عون وتبدي ثقتها به، وهي تجدول المساعدات وفق أجندة مختلفة عن السياق اليومي للأحداث، إلا أن هذه الأوساط تتحدث بجدية عن شكوك دبلوماسية أميركية في أن تأخذ تصريحات عون أبعاداً، من شأنها أن تشد لبنان الى منحى لا ترتاح إليه واشنطن في ظل إدارتها الحالية. وما يمكن أن يتركه ذلك من انعكاسات ليس فقط على المساعدات الأميركية، إنما أيضاً في رفع وتيرة الضغط على لبنان وحزب الله، ولا سيما في ملف العقوبات المصرفية. وبما أن للبريطانيين أيضاً دوراً في المساعدات العسكرية وفي اهتمامهم بالحدود اللبنانية ومراقبتهم عن كثب للتطورات السورية، فإن متابعتهم أيضاً لهذه التصريحات تصب في الاتجاه المقلق نفسه. وهذا ينفصل عن التصريحات الإعلامية الدورية الداعمة للبنان والجيش.
وفي حين أن بإمكان واشنطن ولندن مراعاة بعض الظروف اللبنانية الداخلية والعمل على إحاطة الوضع اللبناني ببعض الاهتمام وعدم التخلي عنه كلياً في شكل يؤذي الاستقرار الأمني والسياسي، إلا أن للرياض موقفاً مختلفاً. فالسعودية رحبت بزيارة عون وفتحت له أبوابها، لكنها لم تزل العوائق كلياً أمامه، ولم تفتح كل أقنية التواصل الجدية. وبخلاف كل ما يقال، على حد تعبير هذه الأوساط، فإن الرياض لا تزال غير مرتاحة لأداء عون المتعلق بحزب الله وتصريحاته. وهي كانت ولا تزال تنتظر منه خطوات معينة بعد زيارة الرياض، وهذا ما لم يحصل بعد. لا بل إنها فوجئت بموقفه المتعلق بحزب الله، ولم يصلها لاحقاً ما يجعلها تطمئن الى أن موقفه ظرفي وغير استراتيجي، وهي التي ترفع وتيرة تصعيدها دولياً ضد إيران. وتالياً، ليس بإمكان السعودية إلا أن تبقى في الموقع الذي يجعلها متريثة: لا خطوات جدية وجديدة ملموسة يمكن أن تساهم في تقدم العلاقات بين الرياض ولبنان – رئاسة الجمهورية، في اتجاه يؤكد طيّ صفحة الخلاف نهائياً. لا يعني ذلك، بحسب هذه المصادر، أن السعودية ستصعد مواقفها أو تتجه نحو مواقف سلبية. لكنها حالياً ستكون في موقع المراقب ولن تبادر. وهذا يعني عملياً أن لا خطوات ملموسة لتفعيل ما قيل إنه تحقق في زيارة عون لها، ولا مساعدات ولا إعادة إحياء الهبة العسكرية للجيش في الوقت الراهن، علماً بأن الرياض لا تزال تنتظر أن ترى ترجمة تسوية رئاسة الجمهورية والحكومة في السياسة، أي في قانون الانتخاب. وحتى الآن، لا يزال هذا الملف أيضاً عالقاً من دون تقدم، الأمر الذي يضاعف من عوامل تريثها في انتظار ما يوحي لها بالاطمئنان أكثر.