منذ زمن الانتداب الفرنسي في لبنان، والحزب السوري القومي الاجتماعي موجود في قضاء الكورة. في البدء، لجأ القوميون إلى منطقة «القويطع» (تُطلق هذه التسمية على تجمّع بلدات كفريا، بدنايل، كفرحاتا، كفتون، بتعبورة، اجدعبرين)، هرباً من سلطات الانتداب، قبل أن ينتشروا في القضاء، ويتحولوا إلى القوة الانتخابية الأولى فيه. تُعتبر الكورة عرين «القومي»، ولكنه يغيب عن تمثيلها النيابي منذ 2005.


يسعى هذه الدورة إلى ضمان فوزه بأحد المقاعد الثلاثة، وسط التداول بأسماء: النائب السابق سليم سعادة، منفذ عام منفذية الكورة جورج برجي، الطبيب وليد العازار، عميد الخارجية حسّان صقر، والمهندس غسان رزق، الذي يوصف بأنه «الياس بو صعب الكورة»، كونه مقرّباً من التيار الوطني الحر.
آخر تجارب القوميين النيابية في الكورة كانت خلال فرعية 2012، يوم أثبتوا أنّهم القوة الأولى. فقد نال مُرشحهم العازار 44.99% مقابل 50.13% لمرشح القوات اللبنانية فادي كرم. حقّق القوميون هذه النتيجة رغم أنهم تأخروا في حسم خوضهم المعركة، إذ ترشح رزق في البداية، قبل أن ينسحب لمصلحة العازار. كذلك فإنهم لم يلقوا سوى دعم تيار المردة، وسط غياب حماسة التيار الوطني الحر للمعركة، في حين خاضت القوات الانتخابات بشراسة، مستفيدةً من الدعم المادي والمعنوي الذي حصلت عليه من النائب فريد مكاري وتيار المستقبل.


يؤكد سليم سعادة أنه لن يقبل إلا بترشيح شخص من أميون لأنّ فيها العصب


اكتسب الوجود القومي أهميّة خاصة في الكورة «مع بروز ابن أميون الطبيب عبدالله سعادة (كان رئيساً للقومي في 1960، و1974 و1977) منتصف الأربعينيات. أهميته أنه اختار أن لا يكون مع طرابلس ولا مع زغرتا، ما أكسبه شعبية كبيرة وشدّ العصب حوله»، كما يُخبر أحد القوميين الكورانيين «العتيقين». تكوّنت حالة «السعاديين» التي شكلت إضافة إلى «القومي». ورغم أنه كان «الأكثر شعبية، إلا أنّ أجهزة الدولة كانت دائماً تتدخل لإسقاطه في الانتخابات النيابية، ونجحت في ذلك». حتى إنّ رئاسة حزبه «طلبت منه في انتخابات 1957 الانسحاب من أجل دعم شارل مالك، لمواجهة الشيوعيين من جهة وإرضاءً للرئيس كميل شمعون من جهة أخرى». يبدو المصدر قاسياً بحق حزبه. يعتقد أنّ القومي ارتكب عدّة أخطاء في الكورة بعد اتفاق الطائف، أبرزها التحالف مع تيار المستقبل ممثلاً بمكاري في تسعينيات القرن الماضي، ومساهمة سليم سعادة «في تدعيم زعامة مكاري من خلال تجيير كلّ طالبي الخدمات وبرامج المنح الدراسية إليه». ويُخبر أحد المرشحين الخمسة أنه كان يُفترض في «دورة 1992 أن يحصل القوميون على مقعدين في الكورة، ولكن تمّت مسايرة الرئيس رفيق الحريري فمُنح مقعداً شغله مكاري». مع الدعم الذي لقيه «وتسهيلات سعادة له، تجذّرت زعامة مكاري وأصبح يُحاول التدخل في اسم مرشحنا في مقابل تقديم أصواته لنا». حالياً هناك «همّ في الحزب في كيفية ضمان أصوات مكاري. وعوض أن ننفتح على كافّة الاحتمالات، حصرنا خياراتنا وخسرنا المبادرة». انطلاقاً من هنا، تقول مصادر مقرّبة من النائب أسعد حردان إنه «ميّال إلى ترشيح سعادة».
يؤكد سعادة لـ«الأخبار» أنه لن يترشح إلى الانتخابات، «فلم يعد لديّ رغبة... إلا إذا قرّرت القيادة ذلك». رمي الكرة في ملعب قيادة الروشة، يعني أنّ سعادة يُناور في إعلانه عزوفه عن الترشح. تماماً، كالطريقة التي يتصرّف وفقها صديقه مكاري. فالأخير «يريد فقط ابتزاز تيار المستقبل، ولكنه سيترشح من جديد أو يُرشح أحداً من قبله»، بحسب الكلام السياسي في الكورة. على المنوال ذاته، ورداً على سؤال عن العلاقة الانتخابية بين القوميين ومكاري، يقول سعادة لـ«الأخبار»: «لا يوجد شيء مجاني. إذا قرّر إعطاء أصواته للقومي، فالأكيد أنه سيُطالب بمقعد. ممكن لو كنت أنا المرشح لدعمني من دون مقابل».
من جهة، يبدو النائب السابق عنصراً قومياً منضبطاً، يقبل تحت ضغوط القيادة التراجع عن قراره عدم الترشح. ومن جهة، يبدو أقرب إلى شخص مستقل حين يُعلن دعمه أيّ مُرشح تختاره القيادة «شرط أن يكون من أميون، لأنّ فيها العصب. لا يحق لنا أن يكون مرشح القوات منها والمرشح القومي من خارجها». وعلى الرغم من أنّ حسّان صقر (كفرحاتا) «صديق وعمل معي، ولكنني أبلغته أنني لا أقبل إلا مرشحاً من أميون».
قرار «اعتزال» النيابة اتخذه سعادة منذ آخر دورة انتخابية. ويُقال إنّه قرر دعم ترشيح العازار الذي يعتبر نفسه «المرشح الطبيعي بعد أن خُضت تجربة في الـ2012 تُقيّمها القيادة بالممتازة». يُخبر العازار عن وضع الحزب الذي تطور لسببين: «تراجع المشروع الآخر إقليمياً مقابل صوابية نظريتنا، والقومي أصبح مقبولاً أكثر من ذي قبل». لذلك، يعتقد أنه «يجب تقديم المرشح باكراً لاستنهاض الناس». ولكن ألن تنعكس صداقة العازار مع الرئيس السابق للحزب جبران عريجي سلباً على ترشيحه، في ظلّ الأزمة الداخلية التي يعاني منها «القومي»؟ يردّ بأنّ ذلك «عامل مساعد. فعريجي صديق حريص على وحدة القرار الحزبي، والأزمة في طريقها إلى الحلّ».
في انتخابات عام 2005، رشّح الحزب جورج برجي (أميون). نتيجة معارضة «السعاديين» (بسبب خلافات تعود إلى أيام انقسام القومي بين «مجلس أعلى» و«طوارئ»)، تراجعت القيادة عن خيارها ورشحت حنا العيناتي (كفرحزير). بعد أن أصبح برجي حالياً المنفذ العام في الكورة، تقدّم بطلب ترشحه مُستنداً إلى «انتظام العمل الحزبي، والنشاطات البيئية». يقول برجي إنّ العمل الانتخابي لم يبدأ بعد، ولا يعتقد أنّ ترشيح شخص من خارج أميون «يؤثر سلباًَ على الحزب القوي. ولكن الترشيح من أميون يُنتج تعاطفاً أكبر لما لهذه البلدة من خصوصية».
«الغريب» الوحيد هو صقر، أول المتقدمين بطلب ترشيحهم «وفق نموذج أعتقده مفيداً للعمل الحزبي». يتكتّم صقر على تفاصيل مشروعه، ولكنه بحسب معلومات «الأخبار» يقوم بشكل أساسي على التعهد بالالتزام بقرار الحزب والعمل لأي مرشح. إضافة إلى التفرغ للعمل السياسي وإنهاء مصالحه المادية في لبنان، والتبرع بمخصصات النيابة للحزب. أما في ما خصّ عدم جواز ترشيح شخص من خارج أميون، فيرى صقر أنّ «حزباً عصرياً ويحارب المناطقية والإقطاعية، يجب أن يكون معيار الترشيح فيه من يخدم مصلحة الحزب والمجتمع أكثر، علماً بأنّ المعنيين في أميون لا يُفكرون عشائرياً».