ثمة أسئلة كثيرة يطرحها مقرّبون من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون حول التطورات المتسارعة داخلياً، ومحاولات الضغط التي تحصل على العهد. تنطلق الاسئلة من واقعة جرت في مجلس الوزراء، أوحى فيها وزراء يفترض أنهم حلفاء العهد، بضرورة ربط ثلاثة ملفات أساسية معاً، الموازنة والسلسلة وقانون الانتخاب. هذا الإيحاء أثار «نقزة» المقرّبين من رئيس الجمهورية، وتأكدت مخاوفهم أكثر بعد ما جرى من تحريك للشارع والاتهامات التي سيقت، إضافة الى ما حصل في المجلس النيابي ووقف الجلسة والطابع التنسيقي الذي ظهر لاحقاً، في تعطيل مجريات الجلسة ووقف مسار السلسلة. في المبدأ، كان يمكن لهذا المسار أن يعالج بروية لو لم تسبقه محاولة ربط الموازنة والسلسلة بقانون الانتخاب الذي تواجهه العقبة تلو الأخرى. وهذا وحده ملف يحمل الكثير من التأويلات والاسئلة عن الخلفية التي تجعل محاولات الضغط المتمادية على رئاسة الجمهورية، في أشهرها الاولى، تبدو كأنها في نهاية الولاية وليس في بدايتها.


بالنسبة الى المقرّبين من رئيس الجمهورية، تكمن أولاً محاولات الضغط في قانون الانتخاب، ليس في رفض المشروع الذي تقدم به الوزير جبران باسيل، علماً بأن أي مشروع مطروح قابل للنقاش، بل في الضغط على التيار الوطني للقبول بالنسبية الكاملة. والعهد والتيار ليسا اليوم في وارد القبول بالنسبية الكاملة (النقاش العام لا يزال مفتوحاً حول النسبية في 14 دائرة) لأن النسبية الكاملة لن تأتي للمسيحيين، أو التحالف المسيحي، بأكثر من 43 مقعداً حداً أقصى، بقوة الناخبين المسيحيين، وفقاً لحسابات التيار. فهل يمكن للتيار والعهد أن يرضيا بخسارة عشرة مقاعد على الاقل وربما أكثر يحققها لهما المشروع المختلط؟ وكيف سيبرران ذلك أمام جمهورهما المسيحي الذي وعداه باستعادة «حقوق المسحيين» في المجلس وفي السلطة؟ وهل هناك نية لعدم حصول المسيحيين على الحصة الوازنة في المجلس النيابي مقابل إعطائها للقوى السياسية الاخرى؟ وهل محور اللعبة الحصول على الثلث المعطل، وتحصين حصة القوى السياسية الاخرى من خلال تمتين موقع حلفائها المسيحيين ولو كانوا على خصومة مع العهد؟ وهل يمكن أن يوازن شركاء العهد بينه وبين القوى السياسية الأخرى، فيغلّبون مصلحتها ويكبّرون حصتها فقط من أجل تسجيل نقطة على التيار؟ وماذا يضير «المستقبل» وحزب الله وأمل أن يحصل التيار على حصة مسيحية كبيرة، مع القوات اللبنانية، في المجلس النيابي، وهم شركاء في العهد والحكومة معاً؟


من يستفيد من
الضغط على العهد
ورئيس الجمهورية؟

ثانياً، ما هو غير مفهوم، حتى الآن، من يستفيد من الضغط على العهد ورئيس الجمهورية؟ وهل هناك من يرفض الرئيس المسيحي القوي، وتالياً أن يؤمن هذا الرئيس مع التيار الوطني الحر وحلفائه قاعدة انطلاقة صلبة تبدأ من استعادة المقاعد المسيحية من مختلف التيارات السياسية التي حصلت عليها في السنوات الطويلة الماضية؟ وهذا السؤال يؤدي إلى آخر، بحسب مقرّبين من رئيس الجمهورية: هل ملامح التحالف الرباعي تنبثق مجدداً، وما هي المصلحة مثلاً في أن يُطوّق العهد في بدايته، وهو يواجه استحقاقات داخلية وإقليمية جمّة؟ ولماذا يُستفرد العهد، وهو في بدايته، ويقوم بخطوات فاعلة في الملفات الداخلية وفي التعيينات، لا سيما الامنية منها، فهل يمكن أن يستهدف مجدداً بقانون الانتخاب ويحشر في الزاوية، تحت طائلة إبقاء سيف التمديد أو الستين فوق رأسه؟ ومن الذي يستفيد من تحريك الشارع والناس وبعض القوى السياسية ضد العهد، وضد الحكومة، والجميع مشاركون فيها؟ علماً بأن اللعب بالوضع لن يطال فريقاً واحداً، بل سيطال الجميع، والجميع سيستهدف، سواء بتحريك ملفات قضائية أو مصرفية أو شعبية أو مالية.
ثالثاً، ثمة محاولات لتصوير انتخاب المجلس النيابي الحالي وكأنه مجلس مفصلي كونه سينتخب رئيس الجمهورية المقبل. وعدا عن كون هذا الامر خاطئاً من الناحية السياسية، إلا أن مجرد الإيحاء به «ليس أمراً أخلاقياً». فرئيس الجمهورية انتخب منذ أشهر قليلة وهو باق في منصبه حتى انتهاء ولايته، والمجلس الجديد لن ينتخب رئيس الجمهورية. وكل كلام خارج هذا السياق لا يمتّ الى السياسة بشيء. فهل يعقل أن يُناقش قانون الانتخاب من أجل الاستعداد لمجلس ينتخب رئيساً للجمهورية والرئيس المنتخب لا يزال في أول عهده؟
رابعاً، ثمة رهان على الوقت والضغط على رئيس الجمهورية. لكن هناك ثابتتان رئيسيتان لن يحيد عنهما عون. وهناك سلاح في يده مقابل كل ما يتعرض له العهد، وهو مرسوم دعوة الهيئات الناخبة الذي لن يوقّعه. لن يقبل عون فرض أمر واقع عليه، ولن يقبل التمديد التقني للمجلس النيابي قبل صدور القانون الجديد، لأن ذلك يجعله في موقع مماثل للتمديدين السابقين، اللذين رفضهما، ومن الطبيعي ألا يقبل به اليوم، إلا في حال ورد ذلك في قانون الانتخاب الذي سيقرّ. وهذا أمر لن يتراجع عنه، ويخطئ من يعتقد أن عون لن يستخدم هذا السلاح الذي يواجه فيه محاولات التعطيل.
خامساً، في الوقت الذي نشهد فيه مرحلة شدّ حبال إقليمية، هناك من يراهن على المتغيرات في سوريا، سواء الذين يراهنون على خسارة حزب الله فيها وحرب إسرائيلية ضده وتدخل الاميركيين ضد إيران، أو الذين يراهنون على رسم جديد للمنطقة وتمتين قواعد وجود الحزب في سوريا ولبنان. هذا المنظار الإقليمي، لكلا الطرفين، يجعل الاستقرار الداخلي ضرورة، لا العكس، وهذا يعني ضرورة عودة الجميع الى قواعد اللعبة الداخلية، لأن الجميع في حاجة الى انتظام العمل الداخلي، والحدّ من الخسائر وعدم تجميد الساعة المحلية وربطها بالإقليمي. والمسارعة الى فكفكة الملفات وعدم ربطها سيكونان أول الغيث، ومن ثم العمل الجدي على قانون الانتخاب الجديد. فرئيس الجمهورية لن يخضع للضغوط، وسينتظر حتى يدرك الجميع ذلك. ولا ننسى أنه انتظر طويلاً للوصول الى بعبدا، وهذا أمر بات من صلب روتينه السياسي.