ليس السؤال عمّن حضر مهرجان «البيعة» لتيمور وليد كمال فؤاد... جنبلاط. السؤال عمّن غاب؟ الجواب: لا أحد. كلّ «القبائل» (السياسيّة ــ الطائفيّة) كانت ممثّلة. لا مكان للخلاف السياسي هنا. المناسبة أرفع. إنّها تحصل في لحظة سِلْم. إنّها في وعي «الجماعة اللبنانيّة» عميقاً، بل هي الصيغة الأعمق، منذ ما قبل «المتصرفيّة». إنّه نظام البيعة المتوافق عليه قبليّاً.


هذه هي، ودعك مِن طرائف تُسمّى الدستور، أو الديمقراطيّة، أو تداول السُلطة وما شاكل. هذه لوازم شكليّة مِن أجل إرضاء «الخواجة» الغربي. هذا هو لبنان. عند قبائل الماساي، المنتشرة في تنزانيا وكينيا، تنتقل الزعامة وراثة، ومِن طقوسهم أن يُقدِّم الزعيم الجديد للحاضرين اللحم المشوي مع شراب الدم المخلوط باللبن. هذا في أفريقيا. إنّهم مِن أكثر شعوب العالم انسجاماً مع أنفسهم. أكثرنا صدقاً. لن تجد أحدهم يتحدّث عن الديمقراطيّة. لم يسمعوا بها أصلاً. لن تجد لهم لسانين. لا يعيشون انفصاماً. ليسوا مسوخاً.
من هو تيمور جنبلاط؟ إنّه ابن وليد جنبلاط. هكذا فقط. لولا ذلك لما «قرأه» أحد. في لسان بلادنا الدارج يُقال، عادة، عن أحدهم، إنّه «ابن عيلة». تُقال هذه في معرض المدح. ذاك المدح الذي يستبطن، وإن بلا وعي، احتقاراً للذات. لم تأتِ هذه الكلمة مِن فراغ. إنّها مِن تاريخنا الاجتماعي الذي لم يُصبح تاريخاً. نحن في بلادنا الحاضر الدائم. ذات يوم كانت العائلة تحكم. كان «ابن العائلة» اقطاعيّاً، له كلّ شيء، الأرض ومَن وما عليها، فيما الآخرون، كلّهم، الذين يعملون في خدمته، ليسوا «أبناء عائلة». كيف حمل الناس هذه الكلمة لُتصبح مفردة مدح! ربّما الجواب في لسان أسلافنا الدارج، أيضاً، حيث «القط بحبّ خنّاقه».
أولئك الذين اجتمعوا في المختارة، قبل أيّام، بمختلف ألوانهم، هم «أهل الحلّ والعقد» بالمعنى الأوسع للكلمة. كلّهم بايعوا تيمور، وكلّ مِنهم بالمعنى الذي يناسبه، فأبناء «المِلّة» بايعوا على السمع والطاعة، أما «المِلل» الأخرى فبيعتها بالموافقة عليه وتكريسه كوريث شرعي، على أنّه «ابن العائلة» البكر في تلك «العائلة». بعض الذين حضروا ليس لهم تاريخ في التوريث السياسي، ولا حاضراً، إنّما مع ذلك لا يسعهم الخروج عن إرث «العائلة اللبنانيّة» الكبيرة. في أدبياتنا المحكيّة، يتلقّى أحدنا التهنئة عندما يُصبح أباً لطفل، ذكر تحديداً، ويُقال له: «مبروك وليّ العهد». أو هو الأب نفسه يُبادر الآخرين قائلاً: «وأخيراً إجانا وليّ العهد». يُمكن لهذا الأب أن يكون إسكافيّاً أو نجّاراً أو تاجراً، أو أيّ شيء، بمعنى أنّه لا يملك زعامة ليورّثها، لكنّه مع ذلك يفرح بمجيء «وليّ عهد» له. إنّ لم تكن السُلطة ممكنة، الآن، فما المانع مِن عيش الحلم؟ ربّما فيها شيء مِن «غلّ العبيد» (على الطريقة النيتشويّة). الكلّ يُريد سُلطة ما، أيّ سُلطة، ولو بمجرّد مُزاح الألفاظ.
تيمور جنبلاط هو، الآن، وليّ عهد وليد جنبلاط. أصبحت المسألة رسميّة. ربّما لهذا اختار أن تكون أولّ إطلالة إعلاميّة له، في مقابلة موسّعة، مع صحيفة سعوديّة (الشرق الأوسط). كان ذلك مطلع الشهر الجاري. هناك، في تلك البلاد، متيّمون بولاية العهد. مِن شدّة ولعهم بهذا المنصب اخترعوا، قبل سنوات، منصباً إضافيّاً اسمه «وليّ وليّ العهد». لاحقاَ ربما يُصبح لديهم وليّ وليّ وليّ... العهد. تحتاج المسألة فقط إلى طول عمر، وهذه مقدور عليها، هناك، في بلاد «طويل العمر». عندما سُئِل تميور كيف توائم بين مبادئ الإشتراكيّة والعائليّة والطائفيّة، أجاب: «الذين ينتقدون عمليّة التوريث فنقول لهم: ماشي الحال، فليسمحوا لنا، لأن لا أحد بيته مِن حجارة. كلّنا بيتنا مِن زجاج». صحيح أن الظاهرة عابرة للطوائف، لكن فاته أنّه بلى، يوجد هناك، في هذه المسألة تحديداً، مَن بيته مِن حجارة. السيّد حسن نصر الله أبرزهم. ابن حيّ الشرشبوك، في منطقة الكرنتينا، هو ابن بائع خضر. السيّد الذي قال لجنبلاط الأب ذات يوم: «أنا بيي ما كان بيك، وأنا مش بيك، ولا ابني رح يكون بيك». ابنه كان شهيداً. كلّ هذا ولم يستطع السيّد، قبل أيّام، إلا أن يُرسل مَن يمثّله إلى المختارة ليُشارك في مهرجان «البيعة». صحيح، تأخذ المسألة بُعد القضيّة الفلسطينية في الإعلام، التي ذكرها جنبلاط، لكن يبقى أنّ التاريخ لن يذكر ذاك المهرجان إلا بذكرى تيمور. مرّة أخرى، إنّه لبنان، هذه العبارة الهائلة. بالمناسبة، سمير جعجع، مِن «الملّة» المُقابلة، هو أيضاً ليس وريثاً سياسيّاً. ليس كذلك بمعنى رابطة الدم، صحيح، وإن كان لم يصل إلى الزعامة إلا بفعل الدم. في لبنان، وربّما هذه فرادة إضافيّة، تغيب الحدود الفاصلة في «التوريث السياسي» بين القبليّة والطائفيّة. الفصل بينهما أقرب إلى المستحيل. الخلاصة: أن تكون زعيماً في لبنان، أو شبه زعيم، يكفيك أن تنجب طفلاً، ذكراً، ليُصبح مشروع (أو محاولة) زعيم... والذي قد يأخذ أحياناً شكل ميشال معوّض.