مجدداً، أثار نقاش سلسلة الرتب والرواتب للأساتذة والمعلمين والموظفين الإداريين والعسكريين في المجلس النيابي، موصولاً بالحديث عن زيادة الضرائب نقمة المواطنين، على المستفيدين منها، باعتبار أنّ «موظفي القطاع العام يأخذون الزيادات على رواتبهم ومعاشاتهم التقاعدية، ونحن في المقابل ندفع الضرائب التي لا ناقة لنا فيها أو جمل». لا ينتبه الناقمون إلى أنهم ضحية حملة منظّمة تزيّف الحقائق. إذ لا بد بداية من التوضيح أن هناك واقعاً قانونياً مختلفاً بين العاملين في القطاع الخاص والعاملين في القطاع، فالأجر في القطاع العام لا يتحرك إلا بموجب قانون، بمعنى أن الموظف (سواء كان في الإدارة العامة أو أسلاك التعليم والقضاء والأمن والعسكر) يتقاضى أجوره وفق تصنيف جامد محدد في القانون، هو سلاسل الرتب والرواتب التي تحدد موقع الموظف وأساس راتبه ودرجته... إلخ.


انطلاقاً من ذلك، تجدر معرفة أن هذه السلاسل مجمّدة منذ عام 1996، أي منذ 21 عاماً، ولم يطرأ عليها أي تعديل طوال هذه الفترة، إلا بما يخص سلاسل القضاة وأساتذة الجامعة اللبنانية، وهم غير مشمولين حالياً بمشروع قانون تعديل السلاسل المطروح للنقاش منذ عام 2012 ولم يقرّ.

المعلمون: قضم تعويضات

في شهر آب من عام 1996، أحالت الحكومة على مجلس النواب مشروع قانون تحويل سلاسل كل الموظفين، بمن فيهم القضاة وأساتذة الجامعة اللبنانية، إلّا أن المجلس لم يقر في ذاك التاريخ سوى مشروع سلاسل المعلمين تحت ضغط الإضراب ومقاطعة الامتحانات الرسمية. هكذا أقر القانون 588 بتاريخ 26 /8/ 1996، وتبعه قانون آخر حمل الرقم 593 بتاريخ 1996/12/28 الذي تضمن مادة صريحة بإلغاء تعويضات الأساتذة والمعلمين، وهي: 60% لأساتذة التعليم الثانوي الرسمي لقاء الزيادة في ساعات العمل بموجب القانون 53/66 وتعديلاته، و40% علاوة تعليم لمدرسي التعليم الابتدائي وتعويضات خاصة بالتعليم المهني والتقني. بعد فصل رواتب المعلمين عن سائر الموظفين بموجب القانون 593/96، صدر قانون جديد، حمل الرقم 661 بتاريخ 24 /7/ 1997، دمج الجداول الأربعة لرواتب المعلمين الواردة في القانون السابق بجدول واحد يضم 41 درجة.


نصت سلاسل 1998 على إعادة النظر بمؤشر التضخم سنوياً

أما سلاسل رواتب باقي موظفي القطاع العام، بمن فيهم الموظفون الإداريون والعسكريون، فقد صدرت بالقوانين 716 و717 و718 بتاريخ 5/11/1998. يومها، نصت المادة 7 من القانون 717/1998 على الآتي: «اعتباراً من 1/1/1999، يلغى اعتماد الحد الأدنى للأجور كمؤشر في جميع النصوص القانونية والتنظيمية ويستعاض عنه أينما ورد بالمؤشر المؤلف كما يأتي: مبلغ 300 ألف ليرة لبنانية (الحد الأدنى للأجور آنذاك)، مضافاً إليه ما يعادل نصف نسبة التضخم السنوية التي يعتمدها مصرف لبنان، وتُقَرّ هذه النسبة بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بناءً على اقتراح وزير المال. ويعاد النظر سنوياً في المؤشر». لكن ذلك لم يحصل رغم أنّ نسبة التضخم بلغت 121% بين عام 1996 وآخر عام 2011، ووصلت بين كانون الثاني 2012 وحزيران 2016، إلى 7.086%، بحسب أرقام إدارة الإحصاء المركزي.
بعد عام 1998، تحرك الأساتذة والمعلمون مجدداً لاستعادة التعويضات التي خسروها نتيجة دمجها في أساسات الرواتب، وما الدرجات العشر والنصف التي نالها الأساتذة الثانويون في عامي 1999 و2010، والأربع درجات والنصف التي أخذها المدرسون في التعليم الأساسي، سوى تعويض عن الخسارة ولم تكن يومها غلاء معيشة أو زيادة إضافية على الرواتب.
منذ عام 1999، ورغم المادة 7، لم يجرِ أي تصحيح للأجور إلى حين إصدار القانون الرقم 63 بتاريخ 31/12/2008 الذي رفع الحد الأدنى للأجور إلى 500 ألف ليرة وأعطى زيادات لموظفي القطاع العام، ومن ضمنهم المعلمون، وقد راوحت الزيادة بين 200 ألف ليرة و376 ألف ليرة. أما لدى المعلمين، فقد راوحت الزيادة بين 200 ألف ليرة و313 ألف ليرة.
على خطٍّ موازٍ، صححت رواتب القضاة بموجب القانون الرقم 173 بتاريخ 29/8/2011 (تحويل سلاسل رواتب القضاة)، كذلك صححت رواتب أساتذة الجامعة اللبنانية بموجب القانون الرقم 206 تاريخ 5/3/2012 (تحويل سلسلة رواتب أفراد الهيئة التعليمية في الجامعة اللبنانية ومعاشات المتقاعدين لديها)، بما يتناسب مع نسبة التضخم آنذاك أي 121%. وحُرم التصحيح الأساتذة والمعلمون وموظفو الإدارة العامة.
وفي 11/10 /2011، صدر قرار مجحف في مجلس الوزراء بتصحيح الأجور في القطاع الخاص قضى برفع الحد الأدنى للأجور بـ675 ألف ليرة. يومها، نال موظفو القطاع العام زيادة غلاء معيشة أو ما يسمى سلفة على تعديل سلاسل الرتب والرواتب، في انتظار صدور قانون السلسلة الذي لم يصدر حتى اليوم.

تمييز ضد الموظفين الإداريين

الفضيحة التي يتحدث عنها الموظفون هي الفوارق بينهم وبين موظفي المؤسسات العامة، مثل الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ومصرف لبنان ومؤسسة إيدال ومجلس الإنماء والإعمار والمؤسسات العامة الاستثمارية مثل مصالح المياه والريجي، فراتب الموظف فئة خامسة في مجلس الإنماء والإعمار أعلى من راتب الفئة الثالثة في الإدارة العامة.
تحرك الموظفون الإداريون بعد إصدار سلاسل جديدة للقضاة على قاعدة مساواتهم مع من يماثلهم فئة في القطاعات الوظيفية الأخرى وتصحيح الخلل بين الفئات الوظيفية داخل الإدارات العامة، إذ ليس منطقياً كما يقولون أن يكون أساس راتب موظف الفئة الثانية مليونين ونصف مليون ليرة لبنانية وأساس راتب موظف الفئة الثالثة مليون و30 ألف ليرة.
يومها، صدرت توصية لجنة الإدارة والعدل النيابية في 9/11/2011 «بإعداد مشروع قانون يتضمن سلاسل رتب ورواتب جديدة للموظفين الإداريين، تأخذ بالاعتبار جميع الزيادات الحاصلة مقارنة بنسبة التضخم، حفاظاً على المساواة بين مختلف السلاسل وخصوصية الوظائف، بغية وضع حد للزيادات الاستثنائية». ثم دخل المعلمون على خط التحرك كي لا تزيد الفوارق مع باقي القطاعات الوظيفية.

العسكريون: ضمائن الحرب غير ثابتة

لا يختلف وضع الضباط والعناصر العسكرية والأمنية عن سائر موظفي الأسلاك المدنية الأخرى، فأجورهم مجمدة أيضاً منذ 1996 باستثناء الزيادة المقطوعة في 2008 وسلفة غلاء المعيشة في عام 2012. إلّا أن العسكريين يرون أن مشروع السلسلة المُعد حالياً أتى دون التوقعات، باعتبار أن هناك فارقاً كبيراً مع من يماثلونهم فئة في القطاع الإداري، فالراتب الجديد للملازم هو مليون ونصف مليون ليرة، في حين أن راتب موظف الفئة الثالثة في الإدارة العامة هو مليونان و200 ألف ليرة، وراتب الرائد درجة أولى هو مليونان مقابل ثلاثة ملايين لموظف الفئة الثانية، وراتب العميد هو 3 ملايين و600 ألف ليرة مقابل 4 ملايين ونصف للمدير العام.
الرواتب لا تتناسب أيضاً، كما يقول العسكريون، مع طبيعة خدمتهم وعدد ساعات العمل التي يغطونها في الأسبوع، فأفضل خدمة هي 3 أيام عمل و3 أيام عطلة، ما يعني 72 ساعة، ما عدا أيام الحجز الناتج من وقوع أحداث أمنية أو تنظيم نشاطات أو تحركات ميدانية (وهنا يقول العسكريون إنهم يقابلون بعبارة: أنتم ارتضيتم لأنفسكم أن تكونوا عسكريين).
لكن ماذا عن الامتيازات المتعلقة بتعويضات الحرب، وهي ثلاثة أضعاف الراتب وبونات البنزين ووضع سيارات خاصة في خدمة الضباط؟ توضح مصادر أمنية أنّ ما يُسمى ضمائن الحرب، هو تعويضات غير ثابتة ويمكن إلغاؤها في أي لحظة، وقد ألغيت فعلاً من 2000 حتى 2005 إلا أنّه أعيد العمل بها بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تبع ذلك من أحداث أمنية، أما البونات فهي لا تتجاوز 20 بوناً، أو صفيحة، من أقل رتبة إلى أقصاها.