لم تكد الحشود التي أمّت دار آل جنبلاط في المختارة الأحد الماضي تتفرّق، حتى اجتمع «أعيان» الحزب التقدمي الاشتراكي لتقييم احتفال الذكرى الـ40 لاغتيال مؤسّس الحزب كمال جنبلاط. «نحن أمام مرحلة جديدة»، تقول مصادر في الحزب.


هذه المرحلة لا تقتصر على «تطويق» عُنق تيمور جنبلاط بكوفية «فلسطين العربية المحتلة، كوفية المقاومين لإسرائيل أيّاً كانوا، كوفية المصالحة والحوار» كما جاء في كلمة النائب وليد جنبلاط. ولا تقف عند حدود الرسائل السياسية التي أراد زعيم المختارة توجيهها من الاحتفال، سواء في الشكل، لجهة حضور حزب الله الذي لم يسبق له المشاركة في إحياء هذه الذكرى، واكتمال النصاب السياسي بوجود مختلف القوى التي باركت عمليّة توريث الأب لابنه، أو في المضمون لجهة التموضع إلى جانب المحور المقاوم للعدو الإسرائيلي، مع التأكيد على الحلف القائم مع تيار المستقبل.
المرحلة الجديدة التي تريدها قيادة الاشتراكي، تنطلق من «أننا كحزب مدينون بالوفاء لجمهورنا، ويجب أن يكون التعامل معه على القدر نفسه من الأهمية». والدَّين الأكبر هو «للذين حافظوا على انتمائهم لنا رغم الجو الطائفي والمذهبي». تعني المصادر كلّ من حضر الاحتفال من خارج «البيئة الطائفية» التقليدية لآل جنبلاط.
التجييش لاحتفال المختارة تمّ على أساس تعرّض الطائفة الدرزية للغبن، ورغبة جنبلاط في التأكيد للجميع أن أحداً ليس قادراً على إلغائها. أما بالنسبة إلى المصادر الاشتراكية، فتبيّن بعد يوم الأحد «انبعاث زعامة المختارة الوطنية من جديد. المشاركة المتنوعة من المناطق كافة دفعتنا إلى وضع خطة لاستنهاض الحزب في المناطق التي لا تُعدّ تاريخياً ضمن نطاق نفوذنا». وتوضح أنه في الأساس «لم نتوقف عن العمل في هذه المناطق. ما حصل أنّ الواقع الطائفي كان أقوى وفرض قيوده على كلّ من حمل عناوين وطنية». سيترافق ذلك، مع توسيع بيكار الخطاب «فلا يبقى محصوراً بإطار درزي، ويكون خطاباً وطنياً، اجتماعياً واقتصادياً». خريطة الطريق للمرحلة المقبلة تأتي بعد مؤتمر الحزب «الذي انبثقت عنه وثيقة ستكون حجر ارتكاز لبلورة العمل الحزبي وفقاً للعناوين السياسية والاجتماعية التي تتضمنها الوثيقة».


حزب الله مقاومة ١٠٠٪ ولم تكن هناك يوماً إشكالية في هذه النظرة اليه




يُقال إنه قبل الاحتفال، تواصل الاشتراكيون هاتفياً، أو مباشرة، مع كل المناصرين لحثّهم على المشاركة، وأن التوقعات كانت بحشد أضخم. لا توافق المصادر على ذلك، «فقد فوجئنا بالوفود التي فاقت التوقعات». حتى في ما خصّ الحضور السياسي، «لم تُوجه الدعوات إلى أحد. ولكن، مثلاً، أرسل الرئيس سعد الحريري، عشية الذكرى، بأنه يرغب في أن يقف إلى جانب الرئيس (جنبلاط) في هذا اليوم». أما حزب الله، «فحضوره مُقدّر من قبلنا وكان هناك ترحيب من قبل القاعدة بوفده». الرسالة الجنبلاطية للمقاومة الإسلامية كانت واضحة: الحفاظ على المقاومين لإسرائيل أيّاً كانوا. تقول المصادر: «أساساً، نعتبر القضية الفلسطينية ومقاومة العدو قاسماً مشتركاً بيننا وبين حزب الله. هو مقاومة مئة بالمئة، ولم تكن هناك يوماً إشكالية في هذه النظرة إليه. الخلاف كان حول نقاط أخرى». في المحصلة، الحضور السياسي الشامل «دليل على أنّ لبنان لا يُبنى إلا بالتنوع. وهذه النقطة لا تنفصل عن تطوير عملنا الحزبي في الفترة المقبلة».
تحت عناوين «تقدمية»، يمضي الحزب الاشتراكي في مسار الرجعية السياسية. عائلة تاريخية افتتحت مسار التوريث السياسي مع كمال جنبلاط، الذي التقط المشعل بعد وفاة ابن عمه حكمت جنبلاط. فقال يومها إنّ «واجبي كان يقضي أن أبقى هنا. اقتنعت لكنني لست راضياً». مثله فعل تيمور جنبلاط في حديثه قبل أسابيع لصحيفة «الشرق الأوسط» السعودية، حين أشار إلى كرهه للسياسة. وكأنه يُجنّب نفسه، مسبقاً، أي محاسبة أو انتقاد، على أساس أنّ تاريخ آل جنبلاط يُحتّم عليه خوض هذه الطريق. ترفض المصادر وضع الأمر في إطار الإقطاع السياسي، «بعد أن تحولت الجنبلاطية السياسية إلى مدرسة. كما أنّ تيمور تسلّم مقاليد البيت وليس الحزب، ووليد جنبلاط قال إنّ على نجله أن يُثبت نفسه». وضع جنبلاط الكوفية حول رقبة تيمور، في حين أنّ عباءة «المُعلّم» عُلقت على المنبر. هذا دليل على «أنّ الأب لم يورث ابنه زعامة، بل قضية».
منذ أكثر من سنة، وتيمور يُحاول أن «يُثبت نفسه». على دفعات، يقوم جنبلاط بنقل «صكّ الملكية» إلى ولده. المرحلة الأولى كانت «الاهتمام بشؤون الناس والملفات الاجتماعية». أما المرحلة الثانية، فهي «التحضير للانتخابات النيابية». المفارقة أنّ تيمور جنبلاط الذي يُخطّط ليكون أحد نواب الأمّة اللبنانية، ما زال الجمهور اللبناني لا يعرف عنه سوى أنه وريث وليد جنبلاط. وعوض التوجه إلى هذا الجمهور، اختار أن تكون أول إطلالة له عبر صحيفة سعودية، وكأنّ الهدف توجيه رسالة سياسية إلى حكام المملكة قبل بداية عهده النيابي. تنفي مصادر الاشتراكي ذلك، «هي مجرد مقابلة مع صحيفة عربية واسعة الانتشار. وهو، كما عائلته، ليس ابن الزواريب اللبنانية(!)».