أيام قليلة تفتح الباب إما أمام حلول شاملة لملفات أساسية عالقة، أو تفتح الباب أمام مشكلات سياسية ودستورية، قد تدخل البلاد في نفق مظلم لوقت غير قصير. والخلافات هذه المرة ليست محصورة بين جبهتين كما كانت عليه الامور قبل انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، بل هي خلافات ترتب خطوط التماس بطريقة مختلفة بين جميع القوى المحلية.

في القصر الجمهوري، يكثف الرئيس عون متابعاته لكل النقاشات والمفاوضات الجارية بشأن الملفين الأبرز: قانون الانتخابات، وملف الموازنة العامة. يستمع الرئيس الى كل ما تقوله الاطراف علناً أو سراً، ويطّلع على نتائج الاتصالات الجانبية القائمة. ولكنه قرر البقاء صامتاً لوقت ليس بطويل هذه المرة. وهو ينتظر انتهاء أعمال القمة العربية في الاردن نهاية هذا الشهر، حتى يعود ليفتح الملفات الداخلية بزخم كبير. وهو قرر أن يكون له موقفه الواضح والحازم، والذي سيقوله داخل المؤسسات أو في لقاءات مع المعنيين، قبل أن يخرج به الى العلن، مقفلاً الباب أمام عملية تأويل لموقفه من الازمة القائمة اليوم.
ومع أن الاهتمام يتركز على قانون الانتخابات، إلا أن الرئيس عون يهتم بالوضع الاقتصادي والمالي بصورة موازية. وهو بخلاف كل ما أشيع، لا يبدو متضايقاً أو محتجاً على التحركات الشعبية الرافضة لفرض ضرائب جديدة على الفقراء، بل يرى فيها فرصة لإفهام جميع القوى ضرورة التوصل الى حلول سريعة للأزمات القائمة. حتى إن الرئيس عون يريد الذهاب أبعد من ذلك. وهو مقتنع بأن الفترة التي مضت، والتي شهدت المناقشات حول الموازنة وسلسلة الرتب والسياسة الضريبية، أكدت له مرة جديدة أن لبنان يحتاج الى سياسات اقتصادية ومالية بديلة، وأن مشروع الموازنة يحتاج الى إعادة نظر في بنيته الرئيسية.

ويراجع رئيس الجمهورية دراسات علمية موثقة، تفيده بإمكانية حصول الدولة على واردات جدية تقارب أربعة مليارات دولار، من ضرائب واقعية لا تصيب الفقراء من الناس. وهو معنيّ بأن تكون السياسات القائمة مبنية على وجهة تستهدف رفع مستوى النمو وبالتالي الناتج الوطني، وتقليص نسبة الدين العام الى الناتج الوطني، خصوصاً أن الدين وصلت نسبته الى أكثر من 138 في المئة من قيمة الناتج الوطني للبنان، وأن العجز الناجم عن اختلال الميزان التجاري خلال السنوات الست الماضية بات كبيراً جداً.
قانون الانتخابات
في ملف قانون الانتخابات، ينتظر الرئيس عون نتائج المفاوضات الجارية حول مشروع القانون المقدم من قبل الوزير جبران باسيل، وسوف يبني على الشيء مقتضاه. وهو يرفض أن يزجّ به أحد في المواقف المتبادلة. هو لم يتبنَّ أيّ طرح أو موقف نهائي. ومنذ قرر أخذ المسافة كرئيس للبلاد، لم يعد يقبل أن ينسب اليه أحد موقفاً أو قولاً، بمن في ذلك الوزراء أو النواب أو القيادات القريبة منه. وهو في ملف الانتخابات النيابية متمسّك بلاءاته:
لا مجال، تحت أي ظرف من الظروف، لإجراء الانتخابات وفق القانون الساري مفعوله اليوم، والمعروف بقانون الستين.


رئيس الجمهورية ترك النقاش
مفتوحاً ولاءاته ثابتة أهمها رفض التمديد للمجلس النيابي تحت أي حجة


لا مجال لأي تمديد للمجلس النيابي، حتى لو تعذر التفاهم على قانون جديد. وهو سيحمّل الجميع المسؤولية، بعدما يكون قد صارحهم بضرورة إنجاز القانون.
لا لقانون يكون على حساب فئة من اللبنانيين. وكل مراعاة أو حسابات يجب ألا تعني تجاوزاً للدستور، وقسمه بأن يكون القانون الجديد الأكثر تمثيلاً والأكثر عدالة.
وفي هذا الإطار، لا يبدو الرئيس عون مضطراً إلى العمل تحت أي تهديد. هو لا يريد حصول فراغ في البلاد، لكنه لن يقبل أن تهمل القوى السياسية كافة عملها، ولا تتوصل الى توافق على قانون جديد.
باسيل والحلفاء والشركاء
في هذا السياق، يواصل رئيس التيار الوطني الحر مساعيه لتحصيل موافقة القوى البارزة على مشروع القانون المقدم من قبله. وبخلاف ما أشاعته مصادر قريبة من باسيل، فإن نتائج المداولات الجارية مع الاطراف الاخرى لم تحسم الصورة بعد. وما حكي عن موافقة الاطراف على المشروع، هو كلام يقول نصف الحقيقة، لأن هذه الموافقة بدت مشروطة بتعديلات جوهرية على المقترح.
وبحسب مراجع سياسية، فإن الموافقة التي أبداها تيار «المستقبل» كما «القوات اللبنانية» عكست التفاهم المسبق بين باسيل والرئيس سعد الحريري والدكتور سمير جعجع على المشروع. ذلك أن الصيغة المقدمة للمشروع المختلط تحقق غايات الرئيس الحريري وفريقه، لجهة أن التصويت الاكثري على أساس طائفي وضمن دوائر متوسطة، يجعله متفوقاً على خصومه، خصوصاً بين السنّة، كذلك فإن الجزء المتعلق بالنسبية وفق دوائر غير كبيرة أيضاً، مع صوت تفضيلي مقيد، سوف يمنح الحريري فوزاً إضافياً، لا يعزز كتلته النيابية فحسب، بل يمنع على خصومه من السنّة الوصول الى المجلس النيابي.
كذلك فإن «القوات» ترتاح إلى كون المشروع يتيح لها ليس فقط الفوز بمقاعد إضافية نتيجة تحالفات مع التيار الوطني الحر أو مع تيار المستقبل، بل أيضاً محاصرة خصوم بارزين في الشارع المسيحي، ولا سيما حزب الكتائب وتيار المردة.
وتشرح المراجع أن المناقشات أظهرت وجود هذا التوافق بين باسيل والحريري وجعجع، فأثارت الخشية والحذر عند جميع الآخرين، بما في ذلك حزب الله وحركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي وتيار المردة.
وتضيف: في جلسات الحوار التي حصلت، قرر حزب الله وحركة أمل التعامل بإيجابية، تأكيداً للرغبة في إنجاز القانون سريعاً ومنع وقوع الفراغ. وبناءً عليه، تم إبلاغ الوزير باسيل بأنه لا اعتراض مبدئياً على المشروع، لكن يجب إجراء تعديلات أساسية عليه، وفق الآتي:
أولاً: إعادة النظر في الدوائر المخصصة للاقتراع الأكثري، وخصوصاً في الشمال، مع شرح مباشر برفض أي محاولة للنيل من النائب سليمان فرنجية وفريقه.
ثانياً: إلغاء التمايز القائم بين المسيحيين والمسلمين على صعيد التصويت الأكثري الطائفي، إذ يجب أن يصوّت المسلمون لكل المسلمين، كما يصوّت المسيحيون لكل المسيحيين.
ثالثاً: الاقتراع وفق النظام النسبي يجب أن يتم على أساس اعتماد لبنان دائرة واحدة، وليس وفق دوائر أصغر، ما يحقق تمثيل قوى كثيرة يعرف الجميع مسبقاً أنها لن تفوز بالتصويت الطائفي الأكثري.
رابعاً: تحرير الصوت التفضيلي وعدم حصره بالقضاء، ما يسمح بقيام تحالفات وطنية واسعة، ويجعل المواطن في أي منطقة من لبنان مشاركاً في انتخاب نصف نواب الأمة تقريباً.
وتقول المراجع، إن التنازل قدّم في البند الاول الخاص بالتصويت الأكثري الطائفي، مقابل أن يحصل تنازل من قبل الطرف الآخر في البند المتعلق بالتصويت وفق النسبية، وإن هذا التوازن أمر حاسم لا جدال فيه.

شروط «أمل» و«حزب الله»: الأكثري
بدوائر جديدة والنسبي بدائرة واحدة
مع تحرير الصوت التفضيلي
وتشرح المراجع: إن الذي حصل عند إبلاغ الوزير باسيل بهذه الملاحظات، هو أنه أعرب عن رفضه لها، ورفضه خاصة للتعديلات على الجزء المتعلق بالنسبية، إذ اعتبر جعل لبنان دائرة واحدة وتحرير الصوت التفضيلي نسفاً لمقترحه.
وقالت المراجع إن حزب الله يتعامل بإيجابية وواقعية مع مشروع باسيل، وهو حاسم في شأن ضرورة ملازمة النسبية مع اعتبار لبنان دائرة واحدة، بما يسمح بتمثيل أكبر عدد من القوى السياسية في المجلس.
في هذه النقطة، تم توضيح الخلفية السياسية لواضع التعديلات، والتي تقول بوضوح إن هدف القانون الجديد تمثيل جميع القوى اللبنانية، وإن القانون ليس هدفه توفير الحصانة لهذه القوى الكبيرة أو تلك، وبالتالي فإن المشروع كما قدمه باسيل له نتائج الانتخابات وفق قانون الستين مع تعديلات طفيفة جداً تنتج من طبيعة التحالفات.
وفي توضيحات أكثر دقة، قيل لباسيل إن حزب الله على وجه الخصوص، وكما خاض معركة قاسية مع الجميع، وكاد يصطدم مع حليفه الأبرز الرئيس نبيه بري من أجل وصول العماد عون الى رئاسة الجمهورية، لا يمكنه مطلقاً الموافقة على قانون انتخابي هدفه منع حلفائه من الطوائف الاخرى من الوصول الى المجلس النيابي، مع إشارة واضحة الى حلفاء المقاومة بين السنّة والدروز، كذلك بالنسبة الى التيارات غير الطائفية في البلاد، وتسمية قوى كالحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الشيوعي.
وتقول المراجع إن التعديلات المطلوبة على مشروع باسيل لا تستهدف فريقاً دون آخر، ذلك أن نتيجتها ستكون وصول قوى الى البرلمان ليست حليفة لأصحاب التعديلات، سواء داخل الطائفة الشيعية نفسها، أو في مواقع أخرى، باعتبار أن التعديلات تتيح وصول قوى من 14 آذار الى المجلس بقوتها الذاتية وهذا حقها.
حتى مساء أمس، كانت الإشارة الجديدة الوحيدة من قبل باسيل إبداء المرونة، ونقلِه عن الرئيس الحريري أنه في حال تم حفظ الدوائر الصغيرة في التصويت النسبي وتقييد الصوت التفضيلي، فإنه – أي الحريري – سيضمن موافقة النائب وليد جنبلاط على القانون. لكن اللافت هنا أن ما نقل عن لسان الوزير باسيل، وعن نواب في التيار الوطني الحر، من كلام، لا يظهر اهتماماً بمصير حلفائهم بين السنّة والدروز.