أقرّ مجلس الوزراء، أمس، مشروع قانون موازنة عام 2017. بحسب المعلومات، جاءت التعديلات على المشروع الأساسي لتترجم «المقايضة» التي طرحتها جمعية المصارف منذ فترة، ولكن مع تعديل قيمة المبلغ الذي سيجري اقتطاعه من أرباحها من الهندسة المالية.


إذ وافق المجلس على فرض ضريبة استثنائية بقيمة 1000 مليار ليرة على الأرباح الاستثنائية التي حققتها المصارف في العام الماضي من جرّاء «الهندسة المالية»، والبالغة نحو 5.6 مليارات دولار. هذه الضريبة الاستثنائية ستضاف على ضريبة الدخل العادية المفروضة على هذه الأرباح، وهي بقيمة 1275 مليار ليرة، التي لم تكن ملحوظة في المشروع الأساسي، ما يعني أنَّ مجموع الضريبة التي ستقتطع من أرباح الهندسة المالية سيؤمن نحو 2275 مليار ليرة كزيادة «استثنائية»، أي لسنة واحدة، على إيرادات الموازنة لهذا العام.
إذاً، المشروع بصيغته الأخيرة، التي ستُحال على مجلس النواب، لا يتضمن التعديلات الضريبية المقترحة في المشروع الأساسي، والتي كانت تفرض ضريبة بمعدّل 15% على البيوعات العقارية وترفع الضريبة على أرباح شركات الأموال من 15% إلى 17% وترفع الضريبة على الفوائد من 5% إلى 7% وتلغي إعفاء المصارف منها... هذه الضرائب، بالإضافة إلى مجموعة من الضرائب غير المباشرة والرسوم، كانت ستزيد الإيرادات العامة بقيمة 2436 مليار ليرة، إلا أن «الهيئات الاقتصادية»، ولا سيما «جمعية المصارف»، بذلت كل ما في وسعها لإسقاط هذه الاقتراحات، وعرضت دفع مبالغ مقطوعة للإسهام في خفض عجز الموازنة لتفادي أي تعديل ضريبي، ولو محدوداً، يمكن أن يصيب الأرباح المصرفية والعقارية وأرباح المستوردين الفاحشة. وهو ما سبق أن فعلته بالضغط على مجلس النواب لمنع إقرار الاقتراحات نفسها في مناسبة مناقشة مشروع قانون تعديل سلسلة الرتب والرواتب.
بالاستناد إلى الصيغة الأخيرة، بلغت النفقات العامّة نحو 24 ألف مليار ليرة والإيرادات نحو 17 ألف مليار ليرة، وبالتالي بلغ العجز نحو 7 آلاف مليار ليرة.
إلا أنَّ ما أُقرَّ في مجلس الوزراء يشبه بيع السمك في البحر، إذ إنَّ المصارف لديها مهلة حتى شهر أيار المقبل للتصريح عن أرباحها المحققة في العام الماضي، وبالتالي لا يسمح النظام القانوني اللبناني بفرض ضرائب بمفعول رجعي، في حين أنَّ مسار مشروع قانون موازنة 2017 لا يزال طويلاً نحو نشره في الجريدة الرسمية ليصبح نافذاً.


ينص الدستور
على إقرار مشروع الموازنة في تشرين الأول الماضي


هناك عقبة قانونية أمام إقرار الموازنة، وهي عقبة دستورية تتعلق بنشر قانون الموازنة بعد إقرار قطع الحساب لعام 2015 بصورة نهائية من قبل مجلس النواب، وإقرار الحسابات المالية لعام 2015 هو بمثابة براءة ذمّة مالية عن كل الارتكابات السابقة في السنوات الاثنتي عشرة الماضية.
لتوضيح صيغة مشروع الموازنة، من المقرر أن يعقد وزير المال، علي حسن خليل، مؤتمراً صحافياً، في السرايا الحكومية، يوم الخميس المقبل، وكان لافتاً إعلان عقد لقاء سيجمعه برئيس الحكومة سعد الحريري، الذي تردد أنه معترض على تحميل المصارف الضريبة الاستثنائية.
بحسب مصادر وزارية، فإن النقاش الذي دار أمس في مجلس الوزراء، تمحور حول بعض الإجراءات الضريبية المقترحة ضمن الموازنة، مثل اقتراح فرض رسم على استهلاك المازوت وزيادة رسوم كتاب العدل، وزيادة رسوم الميكانيك... «كلها بنود ألغيت من مشروع موازنة 2017 بعد نقاش بين الوزراء في هذا الموضوع، ولا سيما أنَّ هناك بعض الوزراء المعارضين لإلغاء هذه البنود». رغم ذلك، يشير المصدر إلى أنَّ الجلسة لم تشهد أي نقاشات حادة، ولم تكن هناك انقسامات، بل كانت هادئة نسبياً، بما يوحي أنَّ هناك تفاهمات مسبقة بين بعض الكتل الوزارية.
بعد الجلسة صرّح وزير الخارجية جبران باسيل: «سعيدون بأننا أنجزنا جملة من الإصلاحات الضريبية التي تؤمّن موارد كما تؤمِّن تصحيحاً وإصلاحاً ضريبياً في البلد. أضيف 1000 مليار للضريبة الطبيعية على أرباح المصارف التي جمعت أموالاً من الهندسة المالية، و300 مليار ليرة إلى مداخيل المرفأ، واتخذنا قراراً بزيادة وتفعيل مداخيل الجمارك وتحسينها».
دستورياً، يمكن ملاحظة أنَّ الموازنة أقرّت بنحو مخالف للدستور الذي يفرض الآتي: «كل سنة في بدء عقد تشرين الأول تقدم الحكومة لمجلس النواب موازنة شاملة نفقات الدولة ودخلها عن السنة القادمة، ويقترع على الموازنة بنداً بنداً». على أي حال، سلكت الموازنة طريقها نحو مجلس النواب. يقول الوزير السابق شربل نحاس، إن الخطوة الأولى هو أن تحيلها هيئة مكتب مجلس النواب على لجنة المال والموازنة لدرسها، ومن هناك تحال على الهيئة العامة للمجلس حيث تناقش وتقرّ. آليات الدرس والنقاش في لجنة المال والموازنة المنصوص عنها في الدستور تشير إلى الآتي: تقول المادة 84 من الدستور إنه لا يجوز للمجلس النيابي أن يزيد الاعتمادات المقترحة في مشروع الموازنة أو في بقية المشاريع المذكورة، سواء كان ذلك بصورة تعديل يدخله عليها أو بطريقة الاقتراح. كذلك تقول المادة 83 إنَّ التصويت على الموازنة يكون بنداً بنداً، فيما تنص المادة 87 على أن تعرض حسابات الإدارة المالية النهائية لكل سنة على المجلس النيابي ليوافق عليها قبل نشر موازنة السنة التالية التي تلي تلك السنة، أي إنَّ هناك شرطاً دستورياً يسبق نشر الموازنة من قبل رئيسي الجمهورية والحكومة، وهو أن تكون الحسابات المالية التي أعدها ديوان المحاسبة عن عام 2015 قد عرضت على مجلس النواب ووافق عليها بصورة نهائية «وهناك يكمن الفخّ الذي قد يتحوّل إلى عقبة تمنع إقرار الموازنة» وفق نحاس. لكنه يشير إلى أنه لم يعد لدى هذه السلطة «أي حجّة حتى لا تقوم كل جهة بواجباتها، سواء ديوان المحاسبة في إعداد الحسابات المالية، أو مجلس النواب في إقرار هذه الحسابات».