إذا كانت النقاشات حول مستقبل قانون الانتخاب وهويته باءت بالفشل حتى الآن، إلا أن ثمة نقاشاً أساسياً فتح في الأيام الأخيرة، وخصوصاً في الأوساط المسيحية، روحية وسياسية، حول النسبية الكاملة في لبنان دائرة واحدة أو دوائر متوسطة، ومدى أهليته وتأمين الحقوق التي طالبت بها القيادات المسيحية.


فعلى خلفية التعثر في تقديم صيغة مشروع مختلط بين النسبية والأكثري، وخصوصاً المشروع الأخير الذي تقدم به الوزير جبران باسيل، أُعيد تسليط الضوء مجدداً على مشروع النسبية الكاملة الذي لم يكن بعيداً عن أجواء المفاوضات منذ سنة حتى الآن، لكنه لم يتقدم يوماً كما تقدم للبحث الجدي منذ أيام.
المفارقة أنَّ هذا المشروع الذي يلاقي استحسان فئات سياسية، وبدأ يبحثه تيار المستقبل منذ مدة وجيزة، بدأ يواجه برفض القيادات المسيحية، التي كانت إلى حين لا تمانع في وضعه على طاولة النقاش الجدي. علماً أنه كان أحد العناوين التي طرحت في اجتماعات القيادات المسيحية، ولا سيما تلك التي عقدت عام 2011 في بكركي، وضمت حينها القيادات المارونية الأربع، ولجاناً متفرعة منها.
والجديد في النقاشات هو أن رفض النسبية الكاملة تحول قبل أيام كرة ثلج متسارعة، ولا سيما في الأوساط الروحية، أي بين عدد من الأساقفة والرهبانيات الذين يتولون عادة البحث في هذه الملفات مع القوى السياسية والاختصاصيين. وتعززت هذه الأجواء أخيراً في ضوء النقاشات العلمية والأرقام التي تتحدث بواقعية عن عدد المقاعد التي يمكن أن يؤمنها أي قانون نسبي للمسيحيين، ولا سيما بعدما «ثبت» لرافضي النسبية أن العدد لن يتعدى ما بين 40 إلى 43 مقعداً، في وقت كانت فيه القيادات المسيحية تتحدث عن رغبة في الفوز بما بين 56 و57 مقعداً. وهذا يعني أن القوى المسيحية ستخسر بين عشرة و13 مقعداً على الأقل.
ويدور البحث الجدي في هذه الأوساط الروحية، منذ أيام، عن المغزى من تحويل النقاش حول قانون الانتخاب وحصره بالنسبية، والترويج لها، في وقت لا تحقق للمسيحيين الذين يطالبون بتغيير قانون الانتخاب ما يطمحون إليه من عودة سليمة إلى المجلس النيابي. وتطرح هذه الأوساط أسئلة محددة عن هذا المشروع وتأثيراته، سواء في لبنان دائرة واحدة أو دوائر متوسطة.


رفض النسبية الكاملة تحول كرة ثلج متسارعة، ولا سيما في الأوساط الروحية

واللافت أن هذا الرفض، في طريقه إلى التحول إجماعاً مسيحياً، بعدما برز بوضوح رفض التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية للنسبية الكاملة، التي خشيت قيادات مسيحية أن ترتفع حدة التلويح بها، تحت ضغط التهديد بالمهل ورفض التمديد للمجلس. وسرعة هذا التحول، سببها تشريح النسبية على طاولة البحث الجدي، ما أفضى إلى توسع النقاشات في دوائر التيار الوطني الحر والقوات تحديداً، وجعل من رفض النسبية الكاملة سلاح المواجهة الجديد. وهذا الأمر ستكون تداعياته مباشرة على خط النقاشات السياسية حول قانون الانتخاب وغيره، علماً أنها مرشحة للجمود حالياً، خصوصاً في ضوء سفر رئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل في جولة اغترابية. علماً أن أي خرق لموقف الحزبين المسيحيين من رفض النسبية، لن يصب في مصلحة أحد من المشاركين في نقاش قانون الانتخاب، بعد التوسع في درس الجدوى منه.
من هنا كان لافتاً عدم دخول بكركي التي كانت أول من رعت الاجتماعات حول قانون الانتخاب وتدرج البحث فيها حول مختلف القوانين، ولا سيما الأرثوذكسي، على خط النقاش الحالي. فيما يكتفي البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي في عظاته بالمطالبة بقانون عادل وشامل وإعطاء قيمة لقانون الانتخاب.
وقد سألت «الأخبار» مصادر بكركي الرسمية عن موقف الراعي فعلياً من النسبية الكاملة وما هو مطروح للبحث حالياً، فأجابت: «إن البطريرك لا يدخل في تقنيات قانون الانتخاب، وهو يطالب بقانون شامل وعادل وأن يعطى لكل ناخب صوته، وأي قانون يؤمن هذه الشروط فهو سيؤيده».
وعما إذا كانت النسبية الكاملة تؤمن هذه الشروط، أجابت المصادر: «بكركي لن تدخل في التفاصيل التقنية، وهي ليست لديها لجان تقنية مختصة للبحث في هذا المشروع، ولديها ثقة بالقيادات المسيحية خصوصاً واللبنانية عموماً، وما تؤيده هذه القيادات وتجمع عليه ستؤيده بكركي».
وحول الاجتماعات السابقة التي رعتها بكركي حول قانون الانتخاب أكدت المصادر الرسمية أن بكركي «فتحت المجال لعقد الاجتماعات لديها، وكانت راعية لها لتقريب وجهات النظر. لكنها لم تتدخل في التفاصيل، وهذا من شأن السياسيين، وما يتفقون عليه ستؤيده بكركي».