«إن الأفكار المسيطرة في كل عصر هي دوماً كانت أفكار الطبقة الحاكمة»

كارل ماركس

لمدة طويلة قبل يومنا هذا اعتقد البعض أن هناك علاقة أبدية أو لا تاريخية بين الرأسمالية والديمقراطية. ففي رؤية هؤلاء، تضمن الأسواق الحرة والمنافسة والملكية الخاصة أن تكون الديمقراطية نتاجاً ثانوياً للنظام الاقتصادي الرأسمالي. وقد اكتسبت النظرية هذه مكانة بارزة في الثمانينيات، وخصوصاً في فترة ما بعد عام 1989 لتصبح ليس فقط وجهة نظر القلة، بل المبدأ الذي يجب على المليارات حول العالم الالتزام به، من بريطانيا تاتشر حيث أضحت "الرأسمالية الشعبية" هي الرد على الاشتراكية، وصولاً الى اعتناق العالم نظريات فوكوياما حول نهاية التاريخ وانتصار الديمقراطية الليبرالية.

أما اليوم، فمن الشائع بين الاكثرية أن الرأسمالية في أزمة، بل إن الديمقراطية الليبرالية أو الديمقراطية الرأسمالية هي أيضاً في أزمة. يقول ريتشارد بوزنر، المنظر القانوني الاميركي المحافظ، في كتابه "أزمة الديمقراطية الرأسمالية"، إن "الديمقراطية تجعل من الصعب السيطرة على التقلبات الاقتصادية دون أن يؤدي ذلك الى أضرار اقتصادية طويلة الأجل"، ويضيف أن "هذه الأضرار تشمل الدين العام الهائل الناجم عن انخفاض الإيرادات الضريبية في مراحل الركود والنفقات الهائلة التي تتكبّدها الحكومات في مكافحة هذا الركود... وهذه التطورات تتفاعل مع عجز الدولة عن خفض برامج الإنفاق القائمة سابقاً، والإصرار على أن يتم تمويل برامج جديدة مكلفة، وتتفاعل أيضاً مع عدم مقدرة الدولة على الحدّ من نموّ برامج الإنفاق الاستحقاقية ومع عدم مقدرتها على رفع الضرائب. إذاً، كل هذه المعضلات تشكل أزمة الديمقراطية الرأسمالية على الطريقة الأميركية".


أزمة الديمقراطية
الليبرالية نتاج أزمة التنظيم الكينزي للرأسمالية

سأستخلص من هذا الاقتباس بعض الاستنتاجات الأولية، التي بالمناسبة قد يوافق أو لا يوافق بوزنر عليها، وهي برأيي تحدد أزمة هذا "النمط الأميركي الرأسمالي":
أولاً، إن الكينزية، في حين أنها تشكل حلاً من خلال تدخل الدولة في أوضاع الركود والكساد في الاقتصاد الرأسمالي، إلا أنها ليست حلاً "دائماً"، لأنها تخلق أضراراً جانبية، كمشاكل الديون والعجز التي قد تتراكم على مرّ السنين.
ثانياً، هناك مطالب متنافسة مزمنة في الاقتصاد من مختلف الفئات حول الضرائب، والاستحقاقات للمجموعات المختلفة مثل المتقاعدين والعاطلين من العمل وغيرهم، وحول الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، وكل هذه المطالب لا تجد لها حلولاً مثلى ودائمة وتتعارض مع الكفاءة الاقتصادية للرأسمالية.
ثالثاً، إن الديمقراطية على النمط الأميركي التي تشوبها الضغوطات الانتخابية المستمرة، وآفاق السياسيين القصيرة الأجل، وتأثير جماعات الضغط السياسية، لا يمكن أن تحل هذه المشاكل بطريقة فعالة. وبالتالي، فإن هذه المشاكل تميل إلى التراكم.
ومع كل ذلك، ففي الوقت الذي كان يكتب فيه بوزنر في عام 2010، لم تكن قد اتّضحت بعد ما هي الأشكال السياسية التي ستتخذها أزمة الديمقراطية الرأسمالية وما الذي ستتطور إليه؟ واتفق معظم المراقبين على أنها ستكون فقط أزمة نظام سياسي متصلب لن يكون قادراً على تقديم "حلول تقنية" للمشاكل التي تواجهها الاقتصادات الرأسمالية، وتلك الناجمة عن عجز النظام السياسي الليبرالي عن اختيار الخيارات الصحيحة، أو تلك من بين الخيارات المتاحة المتنازع عليها لحل هذه المشاكل، كما يمكن أن يفهم من تشخيص بوزنر نفسه.
في المقابل، لربما رأى عدد قليل من الناس أن الأزمة ستتخذ أشكالاً أكثر شراسة، مثل صعود الشعبوية اليمينية، كالتي أدت في نهاية المطاف إلى انتخاب دونالد ترامب في عام 2016، مستنداً الى برنامح شعبوي محدد تجاوب معه الشعب الاميركي. وعند ظهور هذا التهديد الشعبوي للديمقراطية الليبرالية، بدأت النظريات حول أسباب ظهوره تتضاعف بشكل كبير. واتخذ البعض منها شكل جمع مؤشرات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو نفسية بسيطة. وللمفارقة، حتى المصرفيون أتوا بتفسير خاص بهم! فقد نشر بنك دويتشه مؤخراً دراسة تأخذ أربعة مؤشرات تدّعي تفسير ارتفاع منسوب الشعبوية كمنتج ثانوي لتغير المشاعر العامة منذ الثمانينيات. وهي: مقارنة الرأي العام في بلد ما لحالة بلدهم إزاء البلدان الأخرى؛ مستوى الشعور الشخصي بالخسارة والتراجع؛ ارتفاع الدعم للأحزاب اليمينية واليسارية "الاستبدادية"؛ وتطور عدم اليقين في السياسات الحكومية. وبطبيعة الحال، فإن مثل هذه المؤشرات مفيدة إلى حد ما، ولكنها لا تخدش إلا سطح هذه الظاهرة. فعلى الرغم من أن التفسيرات كتلك المشتقة من بوزنر ومن مؤشرات بنك دويتشه، تحمل عناصر من الاقتصاد أو السياسة التي تفسر الأزمة أو حلها الشعبوي، إلا أنه برأيي فقط في سياق تطور البنى الاقتصادية للرأسمالية وفي صعود وهبوط الكينزية يمكننا أن نفهم بشكل معمّق الأزمة و"حلها".
هنا أريد أن أتقدم بفرضية: ان الأزمة الحالية للديمقراطية الليبرالية ما هي إلا نتاج تاريخي لأزمة التنظيم الكينزي للرأسمالية، وهو التنظيم الذي حول عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي شهدته سنوات ما بين الحربين العالميتين الاولى والثانية الى استقرار ما بعد الحرب؛ وهي الفترة التي أطلق عليها اسم: العصر الذهبي للرأسمالية.
هذا النظام المستقر والعصر الذهبي انتهيا معاً في السبعينيات. فأتى النظام النيوليبرالي كبديل من التنظيم الكينزي، فحوّل "الاقتصاد الرأسمالي" إلى نظام غير مستقر، فانفجرت الازمات وتوالت منذ ذلك الوقت، وهنا أذكر أكثرها: أزمة ديون أميركا اللاتينية، وأزمة مؤسسات الإقراض والادخار في الولايات المتحدة في الثمانينيات، والأزمة الآسيوية، وأزمة "التكيلا" في المكسيك في التسعينيات، والأزمة في الأرجنتين، وانهيار أسهم التكنولوجيا وشركة إنرون في الولايات المتحدة في بداية القرن الواحد والعشرين. وأخيراً، بلغت فترة عدم الاستقرار ذروتها في الأزمة المالية والاقتصادية لعام 2008، وهي كما تعلمون أعمق الازمات في الاقتصادات الرأسمالية منذ الكساد الكبير في 1929. ولم يكن عدم الاستقرار هذا، على الرغم من أهميته الكبرى، هو التغيير الوحيد في البنية الاقتصادية الرأسمالية الذي نجم عن أزمة الكينزية. وهنا سأذكر هذه المتغيرات الأربعة الكبرى:
1. ارتفاع منسوب عدم المساواة. فوفقاً لتوماس بيكيتي في كتابه "رأس المال في القرن الحادي والعشرين"، كان هناك عكس لما يعرف بـ"منحنى كوزنيتس" (أي إن المساواة تزيد مع التقدم الاقتصادي) في الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة منذ الثمانينيات والعودة إلى ديناميات عدم المساواة في الثروة والدخل التي طبعت الرأسمالية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. ويتفق العديد من الاقتصاديين مع تشخيص بيكيتي هذا، بما في ذلك أنتوني أتكينسون وجوزيف ستيغليتز. وهذه الزيادة الكبيرة في التفاوت الاجتماعي كان لها تأثير سلبي كبير. ويعدد جوزيف ستيغليتز في كتابه "كلفة عدم المساواة" هذه التكاليف الاقتصادية والسياسية في الاقتصاد الأميركي. وتشمل التكاليف انخفاض الإنتاجية وانخفاض النمو وانخفاض الكفاءة وعدم الاستقرار الاقتصادي، إضافة إلى تآكل الهوية وتقويض المؤسسات الديمقراطية وسيادة القانون في هذه الدولة الديمقراطية الاولى في العالم.
2. التغيّر في البنية الطبقية. إن ازدياد التفاوت كان له تأثير على البنى الطبقية ومكاسب وخسائر الطبقات المختلفة في الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة. فكان هناك صعود نخبة رأسمالية ومالية أو بلوتوقراطية جديدة، حيث إن 1٪ في الولايات المتحدة تأخذ أكثر من 20٪ من الدخل (قبل 1980s أخذوا 9-10٪)، والرؤساء التنفيذيين الأميركيين يكسبون 200 ضعف متوسط ​​الأجر في الولايات المتحدة. وإضافة إلى كل ذلك، فإن الوظائف المستقرة ذات الأجور العالية في الفترة الكينزية قد انتهت. وينقسم سوق العمل الآن بين الوظائف ذات المهارات العالية وذات الأجور المرتفعة مقابل الوظائف المتوسطة إلى المنخفضة المهارة التي تعاني من تدني الدخل وعدم الأمان الوظيفي. وأدى كل ذلك إلى نهاية الحلم الأميركي للكثيرين في الولايات المتحدة وفي أماكن أخرى: نهاية الحلم بالانتماء إلى الطبقة المتوسطة ذات القدرة على العيش برفاهية كتلك التي عاشتها في فترة العصر الذهبي للرأسمالية، ولا يمكن لأيّ جرعات من وعود "الرأسمالية الشعبية" ولا"مجتمع الملكية" أن تغير من ذلك الواقع المرير.
3. عودة الاقتصاد السياسي. إن التخلي عن الحل التقني"الكينزي" أدى إلى عودة "الاقتصاد السياسي" كما قال روبرت رايش، وزير العمل في إدارة كلينتون، في كتابه "إنقاذ الرأسمالية"، مع تعريفه للاقتصاد السياسي بأنه "دراسة كيف ترتبط قوانين المجتمع والمؤسسات السياسية بمجموعة من المثل الأخلاقية، التي يكون التوزيع العادل للدخل والثروة موضوعاً محورياً فيها". ومع أهمية ذلك التعريف، إلا أن ما لم يقله رايش هو أن عودة "الاقتصاد السياسي" وانتهاء الكينزية يعيدان معهما عودة الصراع الطبقي الى المقدمة وظهور التطرف السياسي اللذين طبعا فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية. فالكينزية "التقنية" ترافقت أيضاً مع تغييرات عميقة اقتصادية واجتماعية وسياسية تمثلت بـ: الفوردية أو ربط الاجور بالإنتاجية الذي سمح بزيادتها بشكل كبير، وقيام دولة الرعاية الاجتماعية، وصعود الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية التي وفّرت للطبقة العاملة منافع اقتصادية واجتماعية وسياسية، ما دفعها إلى التخلي عن الحلول الثورية للمشاكل الرأسمالية. أما اليوم، في هذه الحقبة الجديدة، فقد ضربت هذه المتغيرات بشكل كبير، وإن متفاوت، ففككت علاقات الأجر الفوردية وضعفت دولة الرعاية الاجتماعية. أما الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية، التي أصبحت سياساتها مبنية على أسس إدارية وتقنية وتحولت الى الوسط وبررت السياسات النيوليبرالية، بدلاً من وضع سياساتها على الاسس الطبقية، أصبحت غير قادرة على التكيف الايجابي مع هذه التغييرات كما ذكر بوضوح تقرير منتدى دافوس هذا العام!
4. العولمة والتغيّر التكنولوجي. كانت العولمة جيدة لرأس المال والبلوتوقراطيين، ولكنها كانت سيّئة بالنسبة إلى العمال في الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة. وأدى ذلك، مثالاً، إلى التحولات السياسية في تصويت مناطق تركز الطبقة العاملة في الولايات المتحدة وبريطانيا لترامب ولخروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي. وإضافة إلى ذلك، بدأت التغيرات التكنولوجية المتجسّدة في صعود الذكاء الاصطناعي والروبوتات لتحلّ مكان العمال بوتيرة سريعة، تهدد الآن ليس فقط الوظائف ذات المهارات المتدنية، ولكن في هذا العصر الثاني من الآلة، العمل الماهر. وهذا أيضاً ما يعمّق من الازمة البنيوية للرأسمالية.
ختاماً، أريد أن أؤكد أن تراجع الكينزية أدى الى كسر العصر الذهبي كله. كذلك فإن التغيرات في البنى الاقتصادية والاجتماعية التي رافقت هذا التفكك أدت إلى التغيرات السياسية الراهنة والى أزمة الديمقراطية الليبرالية وصعود الشعبوية اليمينية. لكن هذا لم يقتصر فقط على المستويات الوطنية، ولكن أيضاً على الصعيد الدولي بأشكال مختلفة. ولذلك نشهد اليوم أيضاً صعود الإرهاب العالمي وتدمير الدولة القومية كما يحدث في العالم العربي، وظهور الحركات القومية المتطرفة، وأخيراً تزايد وتيرة النزعة العسكرية الإمبريالية في أنحاء العالم كله.

* مداخلة ألقيت في منتدى وانشو في بكين في 24 آذار 2017