الغريب أن تتصاعد الدعوات إلى تبني الدولة خيار الشراكة مع القطاع الخاص وتلزيم الشركات الخاصة إدارة مرافق خدماتية عامة، بحجة أن القطاع العام فاشل ومنخفض الإنتاجية ومفتوح للسرقة والنهب ومرتع للفساد، في حين أنّ التجارب الحية في الخصخصة، سواء في الكهرباء أو معالجة النفايات أو الاتصالات تثبت يوماً بعد يوم فشل هذا الخيار.


وما تلزيم أعمال الصيانة والتشغيل في مجمع الجامعة اللبنانية في الحدث سوى نموذج سيئ من نماذج هذا الخيار.
هنا في المجمع، تعطلت الحياة الجامعية مثلاً بعد انفجار قسطل مياه. فقد غادر طلاب السكن الجامعي إلى منازلهم وأجبروا قسرياً على مقاطعة محاضراتهم الدراسية، بعد انقطاع المياه والكهرباء عن الوحدات السكنية. قبل ذلك، سادت العتمة القاعات الدراسية، فلا كهرباء ولا مصاعد ولا إنترنت ولا خطوط هاتف.
ليس السبب حتماً الإضراب المفتوح الذي ينفذه موظفون يطالبون بحقهم البديهي بديمومة عملهم بعد انتهاء عقد شركة وتلزيم أخرى تريد الاستغناء عن خدمات نصفهم، بل الخلل يكمن في الضبابية التي تلف مثل هذه العقود مع الشركات الخاصة، إذ لا تأخذ الموجبات العقدية للشركة بعين الاعتبار مصالح هؤلاء الموظفين وحقوقهم منذ البداية ولا مصالح المرفق العام الذي تتولى إدارة تشغيله وصيانته.
حكاية تلزيم عقد الصيانة والتشغيل في المجمع طويلة ومحبطة، فقد فازت شركة خرافي ناشيونال الكويتية بالعقد في مناقصة عمومية، في أيلول 2005، ثم مدّد لها مرتين: الأولى 3 سنوات والثانية 10 أشهر، فيما المفارقة أن قيمة العقد ارتفعت من 27 مليون دولار إلى 34 مليوناً. ثم انتهت مدّة التلزيم في تموز 2012، لترسو مجدداً على الشركة نفسها بعد خطوة التفافية قامت بها مع متعهد لبناني هو «شركة حورية»، لكون لجنة المناقصات يومها اشترطت أن تكون الشركة المشاركة في المناقصة لبنانية. لكن هذا الشرط لم يحقق الاستقرار الاجتماعي للموظفين الذين كانوا مهددين بالصرف عند انتهاء عقد التلزيم. وفي كل مرة كان ينتهي فيه العقد، يقع نحو 600 موظف ونحو 30 ألف طالب ومئات الأساتذة في كليات المجمع تحت رحمة المتعهد، ويتعرضون للابتزاز ويجرى استخدامهم كوسيلة للضغط على الدولة اللبنانية، إذ هددت الشركة مراراً بعدم الاستمرار في تسيير المرفق العام والامتناع عن تسديد أجور الموظفين بسبب تأخير الدولة لمستحقاتها.
اليوم، لا تعرف إدارة الجامعة من يدير هذا المرفق رغم تسليمه شكلياً لـ«شركة «دنش للمقاولات» في 23 كانون الثاني الماضي. منذ ذلك التاريخ، أي منذ شهرين ونيف، تتوقف الصيانة في المجمع ما عدا تصليح الأعطال المركزية الكبيرة. الشركة الجديدة تسلمت الأعمال بعد 8 أشهر على فوزها بالمناقصة العمومية والتزامها المشروع بقيمة 18 مليون دولار لمدة 3 سنوات، بما فيه الضريبة على القيمة المضافة، أي بمعدل 6 ملايين دولار للسنة الواحدة.


المشكلة ليست في إضراب
ينفذه موظفون يطالبون بديمومة عملهم

حتى الآن، لم توقّع الشركة الجديدة عقوداً مع أي من الموظفين الذين ينفذون إضراباً مفتوحاً. فهؤلاء لا يزالون يجهلون من سيغادر منهم ومن سيبقى، فيما الشركة المتعهدة تصر على صدور قرار عن مجلس الوزراء يبت الأمر. أما مجلس الوزراء فلم يضع الملف على جدول أعماله حتى الآن.
في هذا الوقت، يوكّل مجلس الإنماء والإعمار، ممثل الدولة اللبنانية في العقد، نفسه حارساً للشركة الخاصة، إذ أرسل رئيسه نبيل الجسر كتاباً إلى الأمانة العامة لمجلس الوزراء يطالبه بالتدخل الأمني لتأمين الأرضية والمناخ الملائم لقيام الملتزم «شركة دنش للمقاولات» بتنفيذ التزاماته المحددة في العقد، وكأنه يطلب من الأجهزة الأمنية قمع الموظفين الذين يتحركون للدفاع عن حقوقهم.
والخيار الثاني الذي يعرضه الجسر هو فسخ العقد مع الملتزم الحالي، إلا أنّه يحذر من إمكانية أن يرتب ذلك مطالبته بتعويضات بنتيجة الفسخ، وتكليف الجامعة اللبنانية اتخاذ إجراءات طارئة لتأمين استمرارية العمل. أما الخيار الثالث فيحمي أيضاً الشركة لجهة اشتراط زيادة قيمة العقد، مقابل إلزام المتعهد باستخدام جميع العاملين الذين كانوا مستخدمين مع المتعهد السابق «شركة الخرافي ناشيونال».
الأكثر غرابة أن تكرّس إدارة الجامعة اللبنانية أيديولوجيا «الدولة تاجر فاشل» وتروّج لها. فالجامعة تربط نفسها بالشركة الخاصة من خلال التأكيد الدائم أنها ليست طرفاً في العقد وليست مسؤولة عن كل ما يحصل، بل تعتبر نفسها ضحية نتائجه، وهي تكتفي بإرسال مراسلات رسمية، عبر وزير التربية مروان حمادة، إلى مجلس الوزراء تطالبه بالحلول لهذه الأزمة المستمرة.
لماذا لا تتولى الجامعة إدارة مرافقها بنفسها؟ ما الذي يمنعها؟ فهي قادرة على توفير نصف كلفة العقد مع الشركة الخاصة، وهي قادرة على وضع هيكلية تحدد فيها حاجاتها من العمال والموظفين للقيام بمهمات التشغيل والصيانة، فتطلب توظيفهم بمواصفات وشروط معينة عبر مجلس الخدمة المدنية مثلاً. ماذا لو اعتمدت نموذجاً يؤمن بعض الوظائف وفرص التدريب للطلاب والأساتذة كما يحصل في جامعات العالم.
يقر أساتذة في الجامعة بأنهم لا يعرفون تفاصيل كثيرة عن العقود. بل أكثر، يقول أحد المديرين السابقين "ما بيهمني إذا العقد غالي أو رخيص، ما بشغل بالي بتفاصيل تقنية عندما تكون هناك مرجعية متخصصة، فالأساتذة ليسوا المرجع الصالح لتقييم شركة، وهناك دفتر شروط مبكل يتضمن آلاف الصفحات ويكون جزءاً لا يتجزأ من العقد".
أحد أعضاء مجلس الجامعة يقول إن الأنظمة لا تسمح بابرام عقود مع الموظفين والطلاب، والأمر يحتاج إلى وضع قانون جديد يلحظ في هيكلية الجامعة إدارة هذا المرفق. ويقول: «إذا أرادت الجامعة أن تستعيد هذا القطاع فيجب أن تستحدث قسماً كاملاً باختصاصات متنوعة وليس توظيف أشخاص فحسب، وسندخل عندها في معمعة كبيرة ولا أحد يضمن أن لا يفتح مزراب الهدر على مصراعيه ويحصل تدخل سياسي بيفركش كل العملية».
هكذا يجري الاستسلام للمصالح التي تفرض تلزيم شركات خاصة مهمات، تمتلك الجامعة كل المقومات للقيام بها.




نموذج آخر

في وزارة الشؤون الاجتماعية، جرى أخيراً استدراج عروض لتلزيم أعمال النظافة، وقد رسا على شركة جديدة بسعر أقل من الشركة الملتزمة السابقة بـ 20 مليون دولار. إلا أنّ الوزير بيار أبو عاصي لم يصادق على النتائج وبقيت الشركة السابقة مستمرة في عملها. ويرى موظفون أن أداء الأخيرة لم يكن جيداً في فترة العقد السابق، في حين أنها تدفع أجوراً لمستخدميها تنخفض عن الحد الأدنى.