لم يعد النظام السياسي اللبناني برمّته يمتلك «ترف» إضاعة الوقت، الذي اعتادت القوى السياسية اللبنانية الرّهان عليه، وكأن أحداً ما في الإقليم أو في العواصم الكبرى مستعدٌ دائماً للتدخل في الوقت الحرج لاجتراح الحلول، وإجلاس المتخاصمين حول طاولة مستديرة!

وفي غمرة انشغال الدول، الكبرى منها والإقليمية، الوقت لم يعد وقتاً للمزاح و«الشطارة». لبنان «تفصيل» في ما يحصل حوله. وكلّ يومٍ يمرّ من دون الاتفاق على قانون جديد للانتخابات، يعني اقتراب البلاد من هوّة المستقبل السياسي المجهول، في ظلّ تسارع العدّ العكسي للمهل الزمنية، واحتمالات الوصول إلى منتصف نيسان المقبل من دون قانون انتخاب، ومن دون نصّ دستوري يشرّح البديل عن الفراغ في السلطة التشريعية، وتالياً السلطات الدستورية الأخرى.

أسئلة كثرة ولا أجوبة عنها عند أحدٍ من القوى السياسية، عن المستقبل والاحتمالات الممكنة وتلك المفروضة في حال عدم التوصّل إلى اتفاق. التشاؤم بدأ ينخر جديّاً في رؤوس السياسيين، بسقوط الأمل بالوصول إلى اتفاق على القانون، وفي الوقت نفسه، هناك اقتناع كبير عند الرئيس نبيه برّي بأن فكرة الفراغ لن تكون احتمالاً أبداً، مفترضاً أن جميع المعنيين، أو الواعين منهم على الأقل، يدركون حتماً خطورة هذا الفراغ. ولذلك يترك برّي هامشاً للأمل بأن مسألة الاتفاق على القانون «رأسمالها» بين 10 و15 نيسان المقبل. ويضيف مقرّبون من رئيس المجلس النيابي أنه «لا يمكن رهن المجلس النيابي، وتالياً الدولة بعد 15 نيسان، باحتمالات الاتفاق على قانون من عدمه. ممنوع الوصول إلى هذه المرحلة. القوى السياسية الحيّة ستتحرّك قبل ذلك، ولن تقف متفرّجة على انهيار السلطة». التمديد بالنسبة إلى برّي ليس حتى «أبغض الحلال». إنّه الكابوس. رئيس المجلس النيابي يضمن من الآن إعادة انتخابه بعد الانتخابات وهو ليس بحاجة الى التمديد، بل الى انتخابات عادلة. لكن التمديد سيلقي بظلاله على برّي أوّلاً ومن ثم على الآخرين، وكأنه المستفيد الوحيد منه، وهو الخاسر الأكبر. والتمديد «التقني» حتى غير مضمون النتائج؛ فمن قال إن الرئيس ميشال عون سيوقّع على التمديد؟ أوَلن يوجّه نوّابه للطعن في المجلس الدستوري أو حتى إيقاف عمل المجلس؟ كلّها أسئلة من دون أجوبة.


«الوفاء للمقاومة»: المصلحة الوطنية تقتضي مقاربة
وطنية مترفعة عن الأعداد والأحجام

ومع أن قليلاً من الحياة ما زال ينبض في مشروع الوزير جبران باسيل، أو النسخة الأخيرة من مشاريع باسيل المختلطة والمعدّلة بعد النقاشات، والتي أخذت من القانون الأرثوذكسي أمقت ما فيه لناحية تكريس الطائفية والتمهيد للتقسيم الفعلي للبلاد، فضلاً عن إفراغ النسبية من محتواها، أتى بيان كتلة الوفاء للمقاومة أمس ليرسم خطّاً بين المسموح والممنوع، أو على الأقل، ليحدّد المعايير لأي قانون انتخاب يحظى بالأمل.
أوّلاً، ركّز بيان الكتلة على عامل الوقت ومستوى الخطورة من استنفاد المهل الزمنية، مؤكداً أن «القوى السياسية استنفدت الوقت الكافي في دراسة الصيغ المقترحة لقانون الانتخاب»، وأنه «بات لزاماً على الجميع التوافق خلال الأيام القليلة المقبلة على الصيغة النهائية» التي «تكرّس وتحمي العيش الواحد والمناصفة وتحقق صحة التمثيل وعدالته وفعاليته وشموليته»، وهو ما لا ينطبق على قاعدة انتخاب المسلمين للمسلمين والمسيحيين للمسيحيين، في القسم الأكثري من قانون باسيل.
ثانياً، تؤكّد الكتلة أن «المصلحة الوطنية لكل مكوّنات البلاد تقتضي مقاربة وطنية مترفّعة عن تفاصيل الأعداد والأحجام التي لم تكن يوماً تشكل ضماناً لأي مكوّن من المكوّنات»، فـ«المصلحة الوطنية» تتحقّق بالمقاربة الوطنية وليس بالمقاربات الطائفية القائمة على الأعداد والأحجام!
وختمت الكتلة بيانها بالتأكيد أن «النسبية الكاملة هي الصيغة التي تستجيب لمندرجات الدستور ووثيقة الوفاق الوطني وتمنح فرصاً متساوية أمام جميع المكوّنات، خصوصاً مع التزام المناصفة»، وهو ما يناقض الكلام عن موافقة الكتل السياسية على قانون مختلط يعاكس الوفاق الوطني.
والخشية من الفراغ أو من عدم التوصّل إلى اتفاق على قانون الانتخاب، لا تعني جرّ القوى السياسية إلى قانون «الأمر الواقع»، أي اقتراح باسيل الحالي، الذي بات واضحاً أنه يؤسّس لأزمات قادمة ولتمثيل غير عادل وتمثيل مذهبي وطائفي مكرّس في النص وليس في العرف فحسب. وهو كما يظهر، رهان في غير محلّه، إذ إن موقف حزب الله أساسي ومهمّ في الرفض أو الموافقة على أي قانون انتخابي، إلّا أن الكثير من القوى السياسية في قوى 8 آذار تحديداً ترفض مشروع باسيل، وهي على استعداد للرفض والمجاهرة به ورفض خوض الانتخابات، حتى لو كان موقف حزب الله مغايراً. ومع أن المعلومات تؤكّد موافقة الرئيس سعد الحريري على القانون المختلط الأخير، لا تزال مواقف المستقبل المعلنة متضاربة، بين من يرفض القانون المختلط ومن يؤكّد أن الحريري لا يمانع صيغة باسيل الأخيرة، لأنها «تؤمّن حصّة تيار المستقبل».