بعدما كان الكلام عن تمديد ولاية مجلس النواب محتشماً بعبارة «تقني» لا يتعدى أشهراً قليلة لا تزيد عن ثلاثة، هي المهلة الكافية لإجراء الانتخابات وفق القانون الجديد للانتخاب المفترض ان الاتفاق استقر عليه، بات الكلام على التمديد الآن بمرور الوقت طبيعياً وحتمياً، وقد تطول مدته الى سنة، ولا ينتظر بالضرورة وضع القانون الجديد للانتخاب. كلما أزفت نهاية الولاية يصبح التمديد أقرب لتعويم البرلمان الحالي.


في الايام الاخيرة، عادت الى واجهة المداولات فكرة تدور في رؤوس، تتحدث عن استمرار السلطة الاشتراعية متى تعذر ــ في آن ــ إجراء انتخابات نيابية عامة وقاربت الولاية الحالية على الأفول من دون التمكن ربما من تمديد الولاية حتى، آخذة في الحسبان ما نصت عليه المادة 55 في الدستور، وفقرتها الثالثة تحديداً. اذ تجيز للمجلس الاستمرار متى تعذر إجراء انتخابات نيابية بناءً على مرسوم حله. يقول المنادون بهذا الرأي إن القياس يصح أيضاً على نهاية الولاية في حال أوشكت، من دون التمكن من انتخاب برلمان خَلَف للقائم. على أن هؤلاء يجزمون كذلك بأن البديل من خياري التمديد أو الاستمرار الحكمي وفق المادة 55 ــ والأصح وفق تفسيرهم لها ــ هو الفراغ الحقيقي والكامل.


أحاديث متجدّدة عن استمرار المجلس بعد انتهاء الولاية

تدين الفقرة الثالثة في المادة 55 بوضعها للرئيس ميشال عون بالذات. وُضعت في مسودة اتفاق الطائف عام 1989، ثم أُدمِجت في الدستور المنبثق من إصلاحات الاتفاق عام 1990، ولم تكن في الاساس في أصل المادة 55 التي سبق أن عدلت بعد وضعها عام 1926 مرتين على التوالي، قبل الوصول الى الفقرة الثالثة المحدثة عام 1990. المبرر المباشر لوضعها في اتفاق الطائف، ما نجم عن قرار عون ــ وكان لا يزال رئيساً لحكومة عسكرية انتقالية (1988 ــ 1990) ــ عندما أقدم الرابعة فجر 5 تشرين الثاني 1989 على إصدار مرسوم حل مجلس النواب لمنعه من انتخاب النائب رينه معوض رئيساً للجمهورية قبل ظهر ذلك اليوم. بيد انه لم يدعُ الى انتخابات نيابية جديدة.
تفادياً لتكرار السابقة تلك بحل المجلس، والحؤول دون فراغ في السلطة الاجرائية ينجم عن تعذر إجراء انتخابات نيابية جديدة أو عدم الدعوة اليها، أتت الفقرة الثالثة المحدثة في المادة 55 تستدرك هذا الفراغ بالقول بعودة المجلس المنحل الى ممارسة مهماته، متى أخفق إجراء الانتخابات النيابية الجديدة في الموعد الدستوري المقرر لها في خلال ثلاثة اشهر.
على أن الفقرة الثالثة تحدثت عن مرسوم حل المجلس يصدره رئيس الجمهورية، بعد موافقة مجلس الوزراء، بغية إنهاء الولاية القانونية الحالية للمجلس قبل أوانها، ولا تتناول بالذات انتهاء الولاية القانونية للمجلس. كذلك تبطل الفقرة الثالثة إجراءً اتخذته السلطة الاجرائية بمرسوم أصدره رئيس الجمهورية بتقصير ولاية المجلس من دون أن يخلفه آخر، إلا أنها لا تطيل عمر ولاية انتهت بفعل القانون ولا يمكن تجديدها خارج إرادة الوكالة الشعبية، وخارج الآلية القانونية لتعديل قانون الانتخاب.
ومع أن الفقرة الثالثة في المادة 55 لم تكن في زمان الدكتور إدمون رباط، إلا أنه كتب وجهة نظره من حل مجلس النواب تبعاً للمادة 55 القديمة في كتابه الموسوعي بالفرنسية «الدستور اللبناني» الذي أصدره عام 1982، وشرّح فيه مواد الدستور النافذ حينذاك. في معرض مناقشته المادة 55، وسبل تحوط السلطة الاشتراعية من فراغ فيها يترتب على تعذر إجراء انتخابات نيابية بعد حل مجلس النواب، يقول رباط: «(...) لكن ثمة فرضية ليست أبداً بعيدة الاحتمال، حيث إن حل مجلس النواب قد يحدث من دون أن تكون الانتخابات التي سبق أن حُدّد موعدها في مرسوم الحل قد أمكن إجراؤها، لسبب قوة قاهرة، عدوان خارجي، ثورة داخلية، حرب أهلية، أو كارثة طبيعية حتى. إذ إن هناك خطر الوقوع في الديكتاتورية، ولا يمكن ترك الحياة العامة معلقة في الفراغ الذي يمكن أن يحدثه الاضمحلال المفاجئ للتمثيل الوطني. الحل في ظرف كهذا لا يمكن أن يظهر إلا بالعودة الى القبة البرلمانية للمجلس الذي جرى حله في وقت غير مناسب. من المؤكد أن هناك ميلاً الى اعتبار هذا التمثيل ليس سوى ضرب من الخيال، إلا أنه مطمئنٌ وصدقيته لا تكون في الغالب أقل من تلك المتعلقة بمجلس جرى تمديد ولايته بسبب عدم إجراء الانتخابات الجديدة كانتخابات 1972 التي استمر العمل بها حتى الآن» (ص: 387 ــ 388).
واقع الأمر أن القياس الفعلي لما بين المادة 55 القديمة وتفسير رباط لها، والفقرة الثالثة في المادة 55 الجديدة، يكمن في ملاحظتين على الاقل:
1 ــ لا تحول دون إجراء انتخابات نيابية عامة سوى القوة القاهرة، أو العدوان الخارجي، أو الثورة الداخلية، أو الحرب الاهلية، أو الكارثة الطبيعية حتى. وهو ما اقرنه رباط ببرلمان 1972 حينما صار، بسبب الحرب اللبنانية، الى تمديد ولايته ثماني مرات انتهت عام 1992. كان أفتى للرئيس كامل الاسعد عام 1976 بالتمديد بسبب اندلاع الاحداث حينذاك، وتعذر إجراء انتخابات نيابية عامة. ليست الحال كذلك الآن. لم يخطر في بال رباط وقتذاك الكلام الرائج الآن أن المانع الفعلي دون إجرائها هو قانون الانتخاب بالذات، لأن الافرقاء تارة لا يريدون التفاهم على قانون جديد للانتخاب، وطوراً لا يستسيغون القانون النافذ.
2 ــ لا يمكن تعويم ولاية مجلس قائم صدر مرسوم حله سوى في حال إخفاق السلطة الاجرائية في إجراء الانتخابات العامة في الاشهر الثلاثة التالية لمرسوم الحل. خشية حصول خلل في التوازن ما بين السلطات واستئثار تلك بالحكم ــ ما دعاه رباط في ظل الدستور السابق الديكتاتورية ــ يستعيد المجلس مهماته كي يكمل الولاية القانونية الى موعد انتهائها، فيبطل تلقائياً مرسوم حل توخى تقصير ولايته. بذلك ترتبط قانونية الولاية بالمدة المنصوص عليها في قانون الانتخاب، إلا إذا صار الى تعديلها.
وهو بيت القصيد في قلة الاحتشام الآن، في الكلام الدائر على تمديد الولاية، لا على «تمديد تقني» فحسب.