«إن المهاجرين واللاجئين هم ليسوا حجارة شطرنج للعالم»

البابا فرنسيس

كما توقعت سابقاً بدأ لبنان بتكثيف عملية استغلال وجود اللاجئين السوريين في لبنان (الأخبار ،"عبقرية" اليمين الاقتصادي)، من أجل استجداء الدول الغربية أو المجتمع الدولي للحصول على مساعدات مالية بمليارات الدولارات، بحجّة الكلفة الكبيرة للوجود السوري والعبء الاقتصادي الذي يحدثه لناحية استهلاك البنى التحتية، التي تكاد لا تكفي اللبنانيين، وغيرها من الحجج في أجزاء المعزوفة الجديدة - القديمة التي نسمعها منذ سنوات.

وترداد هذه المعزوفة، حتى نكون منصفين تجاه الرئيس الحريري، لم تقتصر عليه، بل في السنوات القليلة الماضية، أصبحت وللأسف وللعار أيضاً، لسان حال الكثير من اللبنانيين وحتى بعض اليساريين والنقابيين الذين تأثروا بالدعايات التي بدأت تشاع مع صدور تقرير البنك الدولي السيئ الذكر في عام 2013، والذي ساهم في تعميم المغالطات الاقتصادية حول تأثير اللجوء السوري على البطالة والفقر واستعمال البنى التحتية وعلى مالية الدولة اللبنانية. فمنذ ذلك الوقت بدأ التهويل بوصول البطالة إلى أكثر من 20 أو 30 في المئة، وهبوط مئات الآلاف من اللبنانيين إلى ما دون مستوى خط الفقر، واهتراء البنى التحتية، وازدياد التكلفة على المالية العامة بمليارات الدولارات، حتى أصبحت كل أزمة لبنان الاقتصادية سببها اللجوء السوري! وكلّنا نعرف أن هذا ليس صحيحاً.
فالأزمة الاقتصادية اللبنانية هي ناتجة عن استنفاذ النموذج الاقتصادي الذي بُني بعد الحرب لذاته وانتهاء الفورة العقارية - المالية التي بدأت بعد حرب تموز 2006. وكان للربيع العربي والأزمة السورية (وليس اللجوء السوري؛ وهنا من المهم التفريق بين الاثنين الذي يتناساه الكثيرون)، الأثر السلبي المساعد في تعميق الأزمة، فانتفى الطلب الخارجي على السلع والخدمات والسياحة اللبنانية وتراجعت التحويلات المالية فوقع الاقتصاد اللبناني بين كماشة الأزمات الداخلية والخارجية في آن.
وهنا لا بدّ من ذكر الأثر الإيجابي للجوء السوري في تحفيز الطلب الكلي في الاقتصاد اللبناني، الذي كان له الأثر التخفيفي في وقع الأزمة عكس ما يُشاع. فالتدفق المالي الخارجي للمساعدات الدولية، والتي بلغ معدلها في بعض السنوات مليار دولار في السنة، دخلت في الدورة الاقتصادية اللبنانية عبر الإنفاق على اللاجئين ومن قبل اللاجئين، مما ساعد في النمو الاقتصادي اللبناني لا العكس. ففي دراسة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تبيّن أن الأثر المضاعف يبلغ 1.6، أي أن كل دولار من المساعدات الدولية يزيد الناتج الوطني اللبناني ب 1.6 دولار، كما بيّنت دراسة للجنة الإنقاذ العالمي أن المضاعف أكبر من ذلك ويبلغ 2.13. وهذه الآثار التوسعية لهذا الإنفاق مهمة مقارنةً مع تجارب دول أخرى وتأثيرات مضاعفة أخرى عموماً، وساهمت في نمو الاقتصاد اللبناني على الرغم من الأزمة الذي دخل بها منذ 2011. كما تمّ إنشاء أعمال ومؤسسات جديدة أسسها لبنانيون وسوريون بغية تلبية الطلب الجديد، وهذا يعني أن ارتفاع الطلب على السلع والخدمات في المناطق التي تشهد تركيزاً عالياً للاجئين أدّى إلى استحداث فرص عمل جديدة ما يعني أن عمالة السوريين لم تكن، جزئياً على الأقل، على حساب العمال اللبنانيين. فلماذا لا تُذكر هذه التأثيرات الإيجابية عند الحديث عن اللاجئين السوريين؟
بالإضافة إلى أن كل التقديرات السلبية، وإن كانت موجودة، إلا أنها مضخّمة وكنت تناولتها في السابق، فإن هناك أمراً آخر يجب الإضاءة عليه. فيبدوا من خطاب أنجيلا ميركل بالأمس أنها تظن أن لبنان ينفق الكثير من مالية الدولة على السوريين (وهو ما يظنه أيضاً الكثير من اللبنانيين)، كما أن الرئيس الحريري قال إن لبنان قد فعل "جميلاً مع العالم" باستقباله اللاجئين السوريين (وكأن اللاجئين السوريين أوروبيون!). صحيح أن لبنان استقبل اللاجئين السوريين ولكنه لم يكن بمقدوره أن يفعل غير ذلك نسبة إلى العلاقات التاريخية بين الشعبين والبلدين والمعاهدات القانونية بينهما حول حركة المواطنين بين البلدين، وصحيح أيضاً أن اللبنانيين بشكل عام هم ودودون ومضيافون للسوريين، إلا أنهم بذلك يفعلون فعلاً فردياً ومدنياً ومحلياً لا علاقة للدولة اللبنانية به. فالدولة منذ رفعها لمسؤوليتها عن استحداث مخيمات خاصة للاجئين كما فعل غيرها من الدول، تركت المجتمعات المحلية لحالها وكانت المؤسسات الدولية لا الدولة اللبنانية هي السند التعاضدي للسوريين واللبنانيين على السواء. ففي قراءة سريعة لتقارير وزارة المالية اللبنانية عن الإنفاق الحكومي في السنوات من 2010 إلى 2015 نلحظ أن ليس هناك أي زيادة في الإنفاق الحكومي غير الزيادات التي حصلت عام 2012 على التحويل إلى كهرباء لبنان ورواتب الموظفين وغيرها التي بالطبع لا علاقة لها باللاجئين. واستقر الإنفاق في عزّ تدفق اللاجئين ووجودهم من 2013 إلى 2015 بل انخفض في 2015! كما من المفارقة أن كل التقارير من 2012 إلى 2015 لا تذكر اللاجئين السوريين إلا مرتين. الأولى في تقرير 2014 عندما تحدث عن زيادة 40 مليون دولار لإدارة النفايات الصلبة بسبب ضغط اللاجئين، والمرة الأخرى في عام 2013 عندما تحدث التقرير عن إنفاق حوالى 5 ملايين دولار على تسجيل وكتب التلامذة السوريين في المدارس الرسمية! وأترك بالتالي هذا الأمر من دون تعليق.
أن يسأل لبنان المجتمع الدولي عن المساعدات، من أجل رفع المستوى المعيشي للاجئين السوريين والمجتمعات اللبنانية المضيفة لهم، هو أمر مطلوب بل نبيل، ولكن أن يستغلّ لبنان وجودهم لطلب مساعدات، من أجل حلّ معضلاته وأزمته الاقتصادية، ولتغطية عجز ميزان المدفوعات، وبسبب عدم مقدرة وعدم رغبة الدولة بتدفيع الأغنياء والمصارف والريعيين على أنواعهم الضرائب لبناء البنى التحتية هو أمر آخر، ويكشف كيف أن هذه الطبقة الرأسمالية الريعية الحاكمة مستعدة أن تذهب إلى أقاصي الأرض مستغلة أزمة إنسانية لشعب شقيق لاستجداء المساعدات، كما فعلت في باريس 2 وباريس 3، لإنقاذ نظامها ونموذجها الاقتصادي من الانهيار وللإبقاء على سلطتها الاقتصادية وحصة الأرباح والفوائد والريوع بمنأى عن الضرائب، ولعدم إظهار الحاجة إلى تغيير النظام الضريبي من أجل بناء الدولة. لكن، ولربما الأسوأ من ذلك كله، هو أن هذه الطبقة نفسها، غير المستعدة أن تدفع شيئاً لإعمار لبنان، تنظر كطيور الموت إلى أرض الخراب في سوريا، منتظرة أن يكون لها حصة في إعادة الإعمار في سوريا، أي أنها تنتظر أن يتاح لها فرصة أن تستغل نتائج هذه الحرب ومآسيها لزيادة ثرواتها ولاستغلال الشعب السوري، وهو الأمر الذي أتيح لها سابقاً في لبنان ولا يجب أن يتاح لها في سوريا المستقبل، التي يجب أن تكون ديمقراطية وعادلة، لأن رفاه السوريين واللاجئين السوريين يكمن هنا وليس في أي "مساعدة" أو استغلال من هنا أو هناك.