لم يتأخّر النائب نقولا فتوش في صبّ الماء البارد على الخطاب الساخن الذي ألقاه أمس في مجلس النواب. بكلمات منمّقة، لكن حادة، أعدّ ما استطاع من تفسيرات دستورية، عرّى خلالها الكلمات «العنترية»، وحَجَّمَ «المغامرين» باستقرار البلاد.


وعلى عكس الغالبية من النواب، قال فتوش ما لا يعرفه زملاؤه، أو يعرفونه ويرفضونه ويتجاهلونه، بلا تقديم بدائل.
على مدى 35 دقيقة، قدّم فتّوش مرافعة برلمانية أشبه بحصة دستورية أطربت المعارض والمؤيد، فكانت اللمعة الوحيدة التي أعادت للنقاشات في جلسة مساءلة الحكومة أمس أهميتها، وجعلت أصحاب السعادة يعون أن المكابرة ليست ترفاً، مُلمحاً من خلف السطور إلى أن «لبنان سيكون على موعد مع زلزال سياسي»، في حال انتهاء مدة ولاية المجلس دون تمديدها، بما أن القانون النافذ قد دُفن، والقانون العتيد لا تزال ولادته متعثّرة.
ثلاث نقاط مهمّة وأساسية، ركّز عليها فتوش في مداخلته، بعد تأكيده أن رئيس مجلس النواب نبيه برّي هو «صمام الأمان ورجل الرؤية»، محملاً مسؤولية ما يحصل اليوم إلى من رفض الاتفاق على «سلّة برّي» المتكاملة قبل الذهاب إلى انتخاب رئيس للجمهورية. أولى النقاط، كانت في ضرب شرعية الصيغة الانتخابية المقدّمة من وزير الخارجية جبران باسيل، من دون أن يسمّيها. بالحجة والبرهان، رأى أن القانون المختلط «ليس سوى بدعة لغوية وتشريعية وقانونية». وعاد إلى قانون أنجز عام 1997، وطعن به المجلس الدستوري، بعدما تضمنت المادة الثانية منه تقسيماً للدوائر شبيهاً بما هو مطروح في صيغة باسيل. ومن هذه النقطة، استعار فتوش بعضاً من المقتطفات الدستورية باللغة الفرنسية، ليذَكِّر الحاضرين بأن قرارات المجلس الدستوري ملزمة لكل السلطات والمراجع القضائية والإدارية. وأكد فتوش أنه ضد التمديد، لكن «يجب أن نعلم إلى أين نحن ذاهبون». و«ما نحن ذاهبون» إليه بحسب المشرّع الزحلاوي هو «خطير جداً»، وإن كان التمديد ضرراً «فلا يجوز أن نعالجه بضرر أكبر منه». وقطع فتّوش الطريق أمام من يهوّن خطر الفراغ، على اعتبار أن السلطة التنفيذية يمكن أن تعوّضه، مطالباً برّي بـ«عدم تجيير صلاحيات المجلس إلى الحكومة»، فردّ بري «أنا رفضت أن أعطيها للعملاق رفيق الحريري عام 1992، فلن أفعل ذلك الآن».


تعهد الحريري بعقد جلسة وزارية ترسل مشروع قانون انتخاب إلى مجلس النواب

واستكمل فتوش كلامه بالتحذير، مشيراً إلى أنه في «حال وصلنا إلى 20 نيسان الحالي من دون الاتفاق على القانون الجديد، أو الذهاب إلى انتخابات ولا استمرارية للمرفق العام، فهذا يعني نتيجة واحدة: الذهاب إلى مؤتمر تأسيسي». وقال: «المؤتمر التأسيسي في ظل وجود مليون ونصف مليون نازح سوري، يعني أن التكفيريين يمكن أن يجلسوا معكم على طاولة واحدة!».
لن يكون الامتحان الانتخابي الذي ستخوضه حكومة «استعادة الثقة» يومَ الاثنين سهلاً. ما يُعقد المهمّة، اختصره النائب ابراهيم كنعان في مداخلته بكلامه عن التلطي خلف مجلس النواب ومجلس الوزراء. فالأقطاب الرئيسية التي جهدت منذ أشهر في كواليس الاجتماعات الثنائية والثلاثية والرباعية وفشلت، هي نفسها من ستلتف حول طاولة رئيس الجمهورية في قصر بعبدا بداية الأسبوع. وهذا عملياً، يعني الدوران في الحلقة ذاتها، طالما أن الاتفاق السياسي غير مؤمّن. بكل الأحوال، سارع الرئيس سعد الحريري أمس إلى امتصاص «الهجوم» الذي كان معدّاً سلفاً على الحكومة قبل الدخول إلى قاعة الهيئة العامة، تحت عنوان مسؤولية الحكومة عن إنجاز القانون الجديد. ساعده التعهد بعقد الجلسة الوزارية بعرض قانون انتخاب تمهيداً لإرساله إلى مجلس النواب، إلى تحويل النقاش إلى مكان آخر. فبعدما كان متوقعاً أن يكون القانون هو نجم الجلسة، حلّت محله ملفات الفساد والهدر. حين بدأت الجلسة، سارع الحريري الى عرض إنجازات حكومته، قبل أن يبدأ دور النواب، لتتحول الجلسة إلى خطابات استعراضية، شدّدت على وجوب مكافحة الفساد «بشطف الدرج من الأعلى» كما قال النائب أنور الخليل.
واستهل النقاش النائب وائل أبو فاعور، متناولاً مسألة قانون الانتخاب، الذي يجب أن «يبقى التوافق بشأنه هو الأساس لأن التصويت سيعني الانقسام». ثم ركز النائب حسن فضل الله على ملف الفساد، مؤكداً أن «ما يؤرق اللبنانيين هو الوضع المالي والاقتصادي»، حيث «هناك كثير من الوظائف الوهمية في الدولة وأفراد يتقاضون رواتب من دون عمل. وهناك جيش من المستشارين يستنزفون الحكومة». وأشار إلى «قرار استثنائي أخذ من جهة رسمية أعطى المصارف أرباحاً بقيمة 5 مليارات دولار». وقال إن «ثمة وزراء تواقيعهم على المعاملات ليست بأقل من مليون دولار»! وللمفارقة، خرج النائب عقاب صقر متحدثاً عن الأخلاقيات ومحاربة الفساد وضرورة تسمية الأمور بأسمائها حتى لا يذهب «الصالح في عزا الطالح»، مطالباً بـ«رفع الحصانة السياسية عن الموظفين الفاسدين»، ودعا «الحكومة الى أن تعمل على مشروع المدن المنزوعة السلاح، على أن تبدأ من بيروت الكبرى»، منتقداً «سرايا المقاومة لأنها ضربت هيبة الدولة»! ولاحقاً، ردّ النائب نوّار الساحلي عليه من دون أن يسمّيه، فسأل إن كان من تحدّث عن السلاح نائباً، لـ«أننا نعرف أنه مشغول ببيع الحليب».
وتطرقت الكلمات في الجلسة إلى ملفات حيوية أخرى، إذ أكد الرئيس نجيب ميقاتي «أننا بحاجة إلى الشفافية في ملف النفط والغاز. وفي ملف الكهرباء، يمكن استبدال البواخر بحلول أكثر استدامة». وعن ملف النفايات، أشار النائب أكرم شهيب الى أن «ما أقرته الحكومة السابقة لم يكن الحل البيئي الصحيح، إنما هو حل الحاجة نتيجة الكارثة التي وقعنا فيها، ونحن ذاهبون إلى أزمة كارثية في عام 2018، وسنقع في المشكلة نفسها مرة أخرى». فيما تحدث النائب علي المقداد عن آثار الوضع البيئي في البقاع، مشيراً إلى «الأزمة الناجمة عن عدم وجود صرف صحي في عرسال التي بات يسكنها أكثر من 150 ألف شخص».