انتصار جاد ثابت في انتخابات نقابة المهندسين في بيروت هو «سياسي» بالدرجة الأولى، الى جانب كونه انتصاراً لتيار نقابي مستقل، يحاول أن يولد في غمرة المتغيرات والتطورات التي يمر بها لبنان. لم يكن الانتصار مفاجئاً، بقدر ما كان تعبيراً إضافياً عن توسّع قاعدة المتضررين من نظام المحاصصة الحزبية ونموذجه الاقتصادي ــــ الثقافي الريعي الذي أرساه منذ انتهاء الحرب الأهلية في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي.


كانت المعركة صعبة في وجه «تحالف» يريد أن يبقي قبضته محكمة على أطر التنظيم النقابي والمهني، كي يستمر في وأد أي تعبيرات مناوئة للمصالح التي يمثلها في السلطة. فالنقيب الجديد للمهندسين خاض المعركة على قاعدة مشروع سياسي معارض، وفاز على أساس برنامج يريد استعادة دور النقابة في الشأن العام، ويرمي على عاتق المهندسين مسؤولية المشاركة في «إرساء نموذج اقتصادي واجتماعي وثقافي يسمح ببناء الوطن ــــ الدولة». والفوز جاء عشية انعقاد مجلس الوزراء، اليوم، لمناقشة قانون الانتخابات، وفرض مشهداً يجدر التمعّن به كثيراً قبل اتخاذ القرار بين قانون يؤمن التمثيل العادل والصحيح، عبر اعتماد النسبية الكاملة، وبين قانون يُراد منه أن تكون نتائجه محسومة سلفاً، والمقاعد موزّعة على القوى النافذة بما يشبه التعيينات، وصيغه مغالية في ترسيخ الطائفية والتقوقع والانقسام.
وصل ثابت الى رئاسة النقابة بفارق 21 صوتاً فقط عن منافسه بول نجم (4079 صوتاً في مقابل 4058). وجاءت نتائج المرشحين الآخرين الى مركز النقيب على الشكل الآتي: بيار جعارة (1082 صوتاً)، ميشال الخوري (683)، جان مخايل (17)، نزيه بريدي (2) وجورج غانم (صوت واحد).
صبيحة الانتخابات، انسحب مرشح حزب القوات اللبنانية نبيل أبو جودة من السباق لمصلحة نجم، في مقابل منح القوات مقعدين على لائحة المرشحين الى مجلس النقابة. هكذا حصدت القوات المقعدين بفوز اللائحة من دون رئيسها، وخسر التيار الوطني الحر الذي راهن على الفوز بمركز النقيب عبر تحالف خماسي ضمه الى تيار المستقبل وحركة أمل وحزب الله والقوات اللبنانية.
كان رئيس الحكومة سعد الحريري الأكثر تدخلاً في العملية الانتخابية، إذ بقي حتى ساعات قليلة قبل بدء الانتخابات يسعى إلى إقناع التيار الوطني الحر بمنح القوات اللبنانية مقعدين بدلاً من واحد على اللائحة. وهو نجح في إعادة ضم القوات وسحب مرشحها الى مركز النقيب، لكنه خسر في النتيجة بانتصار ثابت، ولو أن المرشحين الآخرين على لائحة «نقابتي» غير المكتملة لم يربحوا.
حصد ثابت العدد الأكبر من أصوات المهندسين غير الحزبيين، إضافة الى أصوات اليساريين والمهندسين الناشطين في منظمات ومجموعات «المجتمع المدني» وجمعية متخرجي جامعات الاتحاد السوفياتي السابق، مدعوماً من الحزب الشيوعي، وهو يمثل كتلة كبيرة، والحزب التقدمي الاشتراكي بعد تردد، وحزب الكتائب الذي جيّر عدداً قليلاً من الأصوات لثابت رداً على رفض التحالف ضمّه الى لائحته.


كان الحريري الأكثر تدخلاً
في العملية الانتخابية
وأقنع التيار بمنح القوات
مقعدين في اللائحة



صناديق الاقتراع في نقابة المهندسين موزّعة بحسب تاريخ الانتماء للنقابة، ما يسمح بقراءة النتائج على أساس أعمار المقترعين. بحسب الماكينة الانتخابية لـ»نقابتي»، فإن غالبية الأصوات التي حازتها كانت من عنصر الشباب. ويوضح الناشط في الماكينة بيار خوري «أننا حزنا عدداً أكبر من الأصوات في الصناديق التي تتراوح بين 17 و25، أي تلك التي ينتخب فيها المهندسون الشباب»، وهم أكثر المتضررين ممن لا يجدون فرص عمل إلا في الهجرة أو الاستزلام. وأشار خوري الى أن المهندسين الذين تتراوح أعمارهم بين 40 و50 عاماً صوّتوا لنجم، فيما حظي ثابت في الصندوق رقم 1، الذي ينتخب فيه المهندسون من عمر ثابت (فوق الخمسين)، بـ 70 صوتاً زيادة على منافسه نجم. ومالت المنافسة مع اللائحة الأخرى الى نجم في الصناديق الخاصة بالمهندسين المتوسطي الأعمار، أي ممن لديهم مكاتب ومصالح مع قوى السلطة وينتفعون منها ولا يريدون خسارتها.
ورغم فوز ثابت بمركز النقيب، إلا أن أياً من أعضاء لائحته لم يخرق اللائحة المقابلة. إذ فاز المرشح القواتي إيلي كرم (عن الفرع الأول لعضوية مجلس النقابة) ونال 4470 صوتاً، فيما حصل المرشح المستقل جوزف مشيلح على 1361 صوتاً والمرشح الكتائبي كميل هاشم على 428 صوتاً ومرشح المستقبل على 263 صوتاً. وفازت المرشحة القواتية ميشلين وهبة (عن الفرع السابع لعضوية مجلس النقابة) بـ 5047 صوتاً، فيما نال المرشح الاشتراكي أيمن زين الدين 974 صوتاً ومرشحة حركة أمل ندى نعمة 260 صوتاً والمرشح العوني طوني بوزيدان 111 صوتاً ومرشح حزب الله قاسم حمود 97 صوتاً. وفاز كل من مرشح المستقبل باسم العويني (عن الهيئة العامة لعضوية مجلس النقابة) بعدما حاز 4427 صوتاً ومرشح «أمل» حيدر الأخرس (3937 صوتاً) ومرشح «حزب الله» عدنان عليان (3909)، فيما خسرت لائحة «نقابتي» التي كانت تضم كلاً من المرشحة رنا الشميطلي (3163 صوتاً) وعبد النور صليبا (3064) وفراس مرتضى (3045).
ورأى الأمين العام لحركة «مواطنون ومواطنات في دولة» الوزير السابق شربل نحاس أن «أهمية هذا الفوز أنه يأتي عشية انعقاد مجلس الوزراء لدرس مشروع قانون الانتخابات النيابية. بهذا المعنى، فوز ثابت يعبّر عن تيار يتبلور ويفرض نفسه على الحياة العامة في لبنان. هذا التيار يريد بناء دولة مدنية، والانخراط في الشأن العام بعيداً عن الزبائنية والمحاصصة وألاعيب الطوائف، وهو يستند إلى قاعدة واسعة من المهندسين الذين لا علاقة لهم مع الأحزاب وقوى السلطة وليس لديهم مصالح تجمعهم بها». أمّا الحزب الشيوعي اللبناني فرأى أن «هذا الفوز يشكل محطة مهمة في مسار الحركة الشعبية الاعتراضية، التي بدأت منذ سنوات في الحراكات الشعبية والمدنية، وفي نضالات هيئة التنسيق النقابية، وصولاً إلى الانتخابات البلدية الأخيرة، وعلى هذه المسيرة أن تستمر في صعودها في كل المعارك السياسية الآتية لمواجهة السلطة وتحقيق خرق نوعي في النظام القائم».
من جهتهم، تبادل أطراف التحالف الخماسي الاتهامات في شأن مسؤولية كل طرف عن الهزيمة، ووجهت أصابع الاتهام الى القوات اللبنانية بتشطيب المرشح العوني ونقض الاتفاق الذي تم برعاية الحريري. فيما اتهم تيار المستقبل التيار الوطني الحر بأنه ساهم في إضعاف فرص الفوز بتوتير الأجواء بينه وبين القوات اللبنانية وعدم الاستجابة لمطالبها إلا في ربع الساعة الأخير.




لقطات

● لم تتخطّ نسبة الاقتراع الـ 25%، بخلاف ما كانت تجهد إليه «نقابتي» التي كانت تراهن على استقطاب المهندسين الذين لا ينتخبون عادة.
● فريق عمل مجموعة «نقابتي للمهندس والمهندسة» كان كبيراً وشبابياً وانتشر بشكل لافت. وكذلك الحال بالنسبة إلى الماكينة التابعة لـ«التيار الوطني الحرّ».
● كان «المُستقبل» الحزب الأكثر وضوحاً في «عدائيته» لـ»نقابتي» ولثابت. في المقابل، كانت خيمة «الحزب الشيوعي اللبناني» الأكثر حماسة في دعم «نقابتي».
● عند الانتهاء من فرز الأصوات، عمد مناصرو «المستقبل» الى إثارة نوع من «البلبلة»، وطالبوا بإعادة الفرز مُرددين شعارات تأييداً لرئيس الحكومة سعد الحريري، وزعموا أن هناك 10 أوراق لم تُحتسب. هنا، قال ثابت إن الفارق بينه وبين نجم 21 صوتاً، ما يعني أنه لا يزال متفوقاً على منافسه بـ 11 صوتاً، فما كان من بول نجم إلا أن تدخّل وأعلن رفضه لإعادة الفرز.