في كل مرة يتولى فيها شخص ما الإدارة العامة لقوى الأمن الداخلي أو وحدة من وحداتها أو شعبة أو فرع أو قسم، يجري التداول بانحيازه الطائفي والمذهبي والسياسي. يعود ذلك إلى دخول التعيينات والتشكيلات في هذه المؤسسة، كما في غيرها من مؤسسات الدولة، في بازار المحاصصة بين مختلف القوى الفئوية في لبنان.


لكن السجال في التأثيرات السلبية لذلك بعمل أكبر مؤسسات الضابطة العدلية في لبنان قد يختلف عن السجال في باقي المؤسسات. إذ إنه يتناول التدخلات البوليسية في العمل السياسي.
جرت العادة أن ينتهي السجال بالاتفاق على تسوية تضمن عدالة المحاصصة وتكفل الاستقرار الأمني والسياسي. لكن، بينما يبدو ذلك مخرجاً مناسباً في إطار تثبيت الوفاق الوطني، يُعدّ أيضاً تراجعاً في حسن إدارة المؤسسات وتطوير عملها لخدمة الناس والدولة.
كيف تصبح قوى الأمن مؤسسة غير قابلة للمحاصصة؟ وهل يمكن أن تلعب التشريعات دوراً مفصلياً في تحصينها من التدخلات السياسية؟
استمعت لجنة الدفاع والداخلية والبلديات في البرلمان، في جلسة عقدت يوم 3 نيسان الجاري، إلى رأي ممثل المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي الرافض لاقتراح تعديل القانون رقم 17 (قانون تنظيم قوى الأمن الداخلي)، بحجة أن المديرية في صدد وضع «مشروع قانون متكامل لتعديل القانون بمجمله، وهو في طور المناقشة في مجلس قيادة قوى الأمن، وستحيله على وزارة الداخلية». القانون 17 صدر منذ 27 عاماً (عام 1990)، وقد لا يختلف اثنان على وجوب تحديثه. لكن، هل يمكن أن يحصن القانون جديد المؤسسة من أي تدخلات سياسية وطائفية في تشكيلات ضباطها وفي سير عملها؟
الجواب على هذا السؤال يستدعي مراجعة مفهوم العمل المؤسساتي لقوى إنفاذ القانون في لبنان، وإعادة تحديد منهجيات تنفيذ المهمات وتنظيم العلاقة بين الرئيس والمرؤوس، وتطوير هوية رجال ونساء الضابطة العدلية بهدف إعادة ثقة الناس بعملهم. لن ندخل في بحث فلسفي حول أهمية ذلك في إطار العقد الاجتماعي بين المواطنين والدولة، لكن لا بد من الإشارة إلى أن مصدر سلطة الدولة ينتج من جودة الخدمات التي تقدمها للناس لا من استعراضات العسكر والقوى «الضاربة» التي لا تقوى على البعض وتتمادى أحياناً في محاولات ترهيب آخرين.
السبيل الوحيد لتحصين قوى الأمن الداخلي من التدخلات السياسية والطائفية والمذهبية هو تحويلها إلى مؤسسة تعمل وفق قانون حديث يكفل عدم انحياز ضباطها، ويحرمهم التواصل مع القوى الفئوية على تنوعها، ويجعل مقتضيات القانون أساساً لتنفيذ المهمات، ولا يمكن تجاوزه مهما تعاظم الضغط وأياً يكن مصدره.
قد يتحقق ذلك من خلال تعديل قانون تنظيم قوى الأمن الداخلي استناداً إلى سبعة مبادئ أساسية:
أولاً، تعديل المواد التي «تُخضع» المؤسسة لشخص واحد مهما علا شأنه وأياً يكن منصبه. المؤسسة لا «تخضع» إلأا لمقتضيات الدستور والقانون، ولا يجوز أن «تخضع» لتوجهات الوزير السياسية وانحيازه إلى جهة على حساب أخرى. أما الإدارة العامة فتعود إلى المدير وإلى مجلس قيادة المؤسسة بموجب قواعد يحددها القانون في إطار دواعي تنفيذ المهمات. وبما أنها مؤسسة إجرائية فهي تتبع من خلال ممثلها، وزير الداخلية، لسلطة مجلس الوزراء مجتمعاً.
ثانياً، تغيير تنظيم المؤسسة وهيكليتها من تنظيم تطغى عليه القواعد العسكرية في الإمرة والترقية والأداء إلى تنظيم مدني خدماتي تحكمه التخصصية والمهنية والاحتراف. تلغى بالتالي الترقية بناءً على الأقدمية ويُعتمد نظام ترقية بحسب الكفاءة والإنجازات.
ثالثاً، انتقال قوى الأمن من الأداء السلطوي الذي يعتمد قوة السلاح وسطوة الترهيب الحربي إلى الأداء المدني المحترف والمتخصص الذي يعتمد فن التخاطب وتكنولوجيا المعلومات وقوة المعرفة على حساب العضلات والسلاح اللذين يبقيان من اختصاص مجموعات تدخل تُستدعى استثنائياً وحيث يلزم الأمر.
رابعاً، تحديد عقوبة التسريح من المؤسسة تتبعها الملاحقة القضائية بحق كل ضابط أو رتيب أو عنصر يتجاوز المحظورات المذكورة في القانون 17، خصوصاً لناحية «تعاطي السياسة» و»حضور الاجتماعات الحزبية والسياسية والنقابية والانتخابية»، والتشدد في مراقبة جميع الضباط.
خامساً، إخضاع «المصاريف السرية» التي توضع في تصرّف المدير العام لمراقبة ديوان المحاسبة أو لتدقيق لجنة نيابية خاصة كما هو معمول في الدول المتقدمة. إذ إن أموال الخزينة لا يجوز أن يكون لشخص واحد حق التصرف بها في أي نظام ديمقراطي، وينبغي التدقيق في كيفية صرفها.
سادساً، التركيز على التطوير المهني والتجهيز الإلكتروني لمختلف الوحدات وربطها بشبكة آمنة لتبادل المعلومات. وتحويل معهد التدريب في قوى الأمن الداخلي إلى جامعة للعلوم الأمنية، والتخلي عن التدريب العسكري لضباط قوى الأمن في المدرسة الحربية. فالحروب ليست من وظائف الضابطة العدلية ولا من اختصاصها أصلاً.
سابعاً، فصل المفتشية العامة لقوى الأمن الداخلي عن مجلس قيادتها. فلا يمكن المفتش العام أن يقوم بمهماته من دون أن يكون مستقلاً عن إدارة المؤسسة.
أخيراً، لا بد من التنويه بالجهود التي يبذلها العديد من ضباط قوى الأمن الداخلي ورتبائها وعناصرها في تحسين الخدمة وتطوير الأداء. ويعود الفضل إلى المبادرات الفردية التي لا بد من وضعها في إطار الإصلاح المؤسساتي المطلوب.