لم يكن من لُقِّبوا بـ»الآباء المؤسسين» للولايات المتحدة الأميركية قديسين. فضائحهم كانت كبيرة وكثيرة. لم يُغرَم بعضهم ببعض، ولم يمتلكوا رؤية موحَّدة لبناء الدولة. ثم إنَّ معظمهم لم يصل إلى السلطة، ومن وصل لم يطل فيها. لكنهم أجمعوا على الحاجة إلى بناء الدولة، وتوافقوا على أن للمواطنين حقوقاً وواجبات، وعلى أنهم يصنعون التاريخ الذي لن يرحمهم إن أساؤوا.


ولم يكن توماس جيفرسون، على سبيل المثال، يُؤْمِن بالدولة المركزية القوية، بينما كان جون آدامز يصرّ عليها. تبادلا الصداقة والعداوة، لكنهما تبادلا ما هو أهم: رسائل راقية وهادئة تحكي في الدين والفلسفة والسياسة. كره الواحد منهما الآخر، لكنهما أحبا أميركا، حتى نقل عن آدامز لحظة وفاته: أنا أموت وجيفرسون لا يزال حيّاً! لكن جيفرسون تبعه بعد ساعات، ربما ليُكملا حوارهما وكرههما، ولا شك في أنهما خدما بلدهما.
تُرى على ماذا يختلف زعماؤنا اليوم؟
على كيفية بناء الدولة، أم على تشخيص الأسباب والحالات التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه. أم على إرساء أنظمة انتخابية وضريبية وقضائية تعالج أوضاعنا المهترئة؟
طبعاً لا، فالخلاف كما أصبح معلوماً، يتمحور حصراً حول أي أنظمة تنتج العدد الأكثر من النواب والموظفين لكل من القوى السياسية.
لا خلاف على أنَّ الأسباب الموجبة لأي قانون انتخاب، هي أن تكون لجميع المواطنين فرص متساوية للمشاركة في العملية السياسية بالتساوي. وأي قانون لا يعتمد هذه القاعدة لا يكون عصرياً ولا ممثلاً ولا منصفاً، بل لا ينطبق عليه التعريف المعتمد عالمياً لما نسميه قانون انتخاب.
لكن، ماذا فعلنا منذ عام ١٩٩٣ حتى الآن؟
- هدرنا إهمالاً، جهلاً أو ارتكاباً، عشرات بل مئات مليارات الدولارات.
- هاجر نحو مليون مواطن ومواطنة.
- دمرنا تراث لبنان وبيئته، والجامعة اللبنانية والتعليم الرسمي والصحة والقضاء، ولم نصلح الكهرباء ولا الطرقات ولا شبكات المياه. بينما تتراكم النفايات والمياه الآسنة في بحرنا وودياننا.
ألا يستوجب هذا حصول التغيير، وبالتالي إقرار قانون انتخاب ينتج سلطة ونوعية غير الموجودة الآن؟
ألا يحق لنا أن نسأل مجالس النواب والوزراء المتعاقبة، والأحزاب الطائفية منها وغير الطائفية لماذا لم يُطبَّق دستورالطائف بعد، سواء في وجوب إجراء التعيينات في الفئة الأولى على أساس غير طائفي، أو في إنشاء مجلس الشيوخ على أساس طائفي وانتخاب مجلس النواب على أسس غير طائفية؟
ألم نتعلم من دروس الحرب الأهلية أن «المكونات» الطائفية التي تحاربت بين»مكوّن مسلم» و»مكوّن مسيحي» رسمت خطوط تماس بين «شرقية» و»غربية»، ثم دخلت في حروب «ذاتية» أكلتها وقضت على بقية البلاد؟ ألم نتعلم أن الحرب، التي تخيل الناس أنها بين طوائف، انتقلت إلى داخل العائلة، وصارت نزاعات بين مصالح محلية وإقليمية ودولية؟
لماذا لا نستفتي اللبنانيين بحرية كاملة إذا كانوا يفضلون أن يصنفوا كمواطنين أو كطوائف؟
لماذا لا يؤخذ باقتراح شربل نحاس، الأمين العام لـ»حركة مواطنون ومواطنات في دولة»، أن يختار الناس، كمرشحين وكناخبين، الانتخاب على أساس طائفي وغير طائفي؟ إذا اختار الناس جميعهم أن ينتخبوا على أساس طائفي، فليكن، ولنعترف بأنّ «الطائفية ثابتة في النفوس»، وإن اختارت نسبة منهم، صغيرة أو كبيرة، العكس، يمكننا العمل على منع بقاء «الطائفية في النصوص»، ونترك لهؤلاء المواطنين والمواطنات ممارسة حريتهم؟
اللحظة التاريخية
ولكن ماذا عن هذه المرحلة من تاريخنا، التي نشهد فيها دمار سوريا والعراق، وهل «سننأى» بنفسنا سالمين؟ ألا تتشكل أمامنا فرصة ليكون لبنان مميزاً في إرساء قوانين تبني دولة مدنية تكون نموذجاً بديلاً «لمكونات طائفية، أو مذهبية سنية أو شيعية»، وتكون الرد الحضاري على نموذج الدولة اليهودية؟
إنها لحظة تاريخية لرئيس الجمهورية أولاً، ليعلن أنه رئيس للبنان الواحد الموحَّد، وليس مجرد زعيم ماروني، وأنه سيحمي المسيحيين من أنفسهم، فيقدم على ما لم يقدم عليه أي رئيس ماروني سابق، ويعلن لبنان دولة مدنية.
هي لحظة تاريخية لرئيس مجلس النواب، الذي غالباً ما نادى بـ»إلغاء الطائفية السياسية»، ليلاقي فيها رئيس الجمهورية.
هي لحظة تاريخية لرئيس مجلس الوزراء، الذي سبق له أن أعلن تأييده للزواج المدني، لأن يكمل هذه الخطوة بقانون انتخاب غير طائفي.
إنها لحظة تاريخية لنا، الناس غير المغلوبين مادياً ونفسياً، وغير الساعين إلى مال أو مركز، أن نرفض أي قانون طائفي، سواء أكان نسبياً، أكثرياً أم مختلطاً. فليطبق دستور الطائف بمجلس شيوخ طائفي، ومجلس نواب غير طائفي، وليُعطَ اللبنانيون فرصة الترشح والانتخاب على أساس غير طائفي.
لقد أمضينا نصف عمرنا، ونحن نقول لأنفسنا، إننا ننتظر اللحظة المناسبة لنظهر الذات الحقيقية. ثم تأتي هذه اللحظة، لكنها تذهب ونظهر الذات. ثم علينا استهلاك النصف الباقي من العمر، نردد أنها لم تكن اللحظة، ولم تكن الذات. وغداً عندما يصل الحريق إلى لبنان، نتذكر أننا قد أظهرنا ضعف الذات فقط، لكننا فشلنا كزعماء وكمواطنين.
لقد وجدنا العدو، إنه نحن!
آباء مؤسسون في لحظة تاريخية، أم مجرد سياسيين يقبضون على السلطة؟
ليسأل زعماؤنا بعضهم البعض، وليتساءل كل مع ذاته: أين كانت الذات، وأيَّ بلد يتركون لأبنائهم وأحفادهم؟
* رئيس تحرير مجلة «الشهرية»