«غاية القانون ليست منع الحرية أو تقييدها، بل حفظها وتوسيعها».

(جون لوك)

تدلّ جولة الرئيس سعد الحريري على المقرات الرئيسية للجيش والامن الداخلي والأمن العام، السبت الفائت، الى تركيز اهتمام الحكومة على الأمن في ظل تزايد الهجمات الإرهابية في دول عدة وتصاعد التوترات والصدامات العسكرية في دول الجوار.

«نحن إلى جانبكم وسنكون إلى جانبكم مع وزير الداخلية واللواء إبراهيم. أي شيء بحاجة إليه الأمن العام نحن مستعدون لتأمينه، ونحن نتوكل على الله وعليكم، فالمواطن بحاجة إلى أن يرى الدولة ساهرة على أمنه ولأجله» قال الحريري في المديرية العامة للأمن العام. وبدا ذلك وعداً بتأمين الموارد المادية والوسائل التكنولوجية والعتاد المتطوّر الذي تحتاج اليه المديرية.
وبما ان الوعد شمل «أي شيء» فمن بين «الأشياء» المطلوبة مشروع قانون جديد وعصري للأمن العام يتيح المزيد من التطوير في ادائه.
القانون يمنح الأمن العام حق التدخل في «كل ما يمتّ إلى لبنان بصلة» (بحسب المادة 5 من المرسوم رقم 2873 الصادر في 16 كانون الأول 1959). ولا يستثني ذلك أي عمل أو نشاط أو حركة تخص لبنان واللبنانيين. لكن جمع المعلومات يتطلب استخدام وسائل عدة، منها المراقبة والرصد والتنصت وجميع أنواع الاستقصاء والتحري والرصد الشامل، وهي غير متوافرة كفايةً في المديرية حالياً. ولن تتمكن المديرية أصلاً من مراقبة «كل ما يمتّ إلى لبنان بصلة» مهما بلغ عديدها، ومهما تطورت مواردها المادية والتكنولوجية. أضف إلى ذلك أن عدم تحديد صلاحية التدخل بدقة ووضوح يمنح الأمن العام عملياً حق تجاوز بعض حقوق الناس بحجة الحفاظ على الأمن. فمن صلاحيات هذا الجهاز، مثلاً، «استقصاء المعلومات عن نشاط الهيئات والجمعيات العائلية، والخيرية، والدينية، والرياضية، والثقافية، والكشفية، ونقابات العمال وأصحاب العمل ومراقبتها»، ومراقبة «المحطات اللاسلكية» المرخصة وغير المرخصة. وبالتالي، من حقه مراقبة بعض الجوانب الخاصة من حياة المواطنين والمقيمين في لبنان.


الرقابة المسبقة للنشر مجحفة حقوقياً وغير مجدية عملياً ولا ممكنة تكنولوجياً

لكن بينما يثق البعض (وأنا منهم) بأخلاقيات القيادة الحالية للأمن العام، ويعدّونها نوعاً من ضمانة لحماية حقوق الناس، إلا أن تعديل القانون لناحية تحديد صلاحيات هذا الجهاز بنحو دقيق وانتداب هيئة قضائية للإشراف على كل أعمال المراقبة والاستقصاء، أمر قد يكون ضرورياً للحفاظ على المسار الحقوقي الصحيح. فبقدر ما يكون القانون دقيقاً، وبقدر ما تكون هناك مشاركة قضائية في العمل الأمني، تكون المساءلة والمحاسبة مؤمّنتين. ولا يعني ذلك التشكيك في عمل محققي الأمن العام، بل إن الوظيفة الأساسية لتحديث القانون هي حمايتهم وحماية المؤسسة وتطوير الأداء وتحسينه.
القانون الحالي يكلف المديرية العامة للأمن العام بمهمات «جمع معلومات لصالح الحكومة وبنوع خاص المعلومات السياسية والاقتصادية والاجتماعية» (المادة الأولى من المرسوم الاشتراعي رقم 139 الصادر في 12 حزيران 1959). الخلل في صياغة نص هذا القانون لا يقتصر على استخدام المشرّع تعبير «نوع خاص» للإشارة إلى مجالات واسعة وغير محددة، بل يشمل العديد من التعبيرات الغامضة التي تستدعي تعديلات أساسية للقانون.
ان تحديد المشرع المهام واطار العمل بشكل واضح لا يعني الدخول في تفاصيل الخدمة، بل ان ما نقترحه هو منح صلاحيات واضحة للأمن العام في التدخل في ظروف محددة وبشروط واضحة. يؤمن ذلك الحماية القانونية لمفتّشي الامن العام ويمنح نتائج تحرياتهم مصداقية ويقطع الطريق على المشككين بعملهم في الداخل والخارج.
لكن في التعميم بعض الفوائد، خصوصاً في التشريعات الخاصة بأجهزة الاستقصاء والمراقبة والتعقب، إذ إنه يتيح للموظفين والمحققين مجالات واسعة لجمع المعلومات. ويبدو أن المشرِّع أراد عدم التحديد لإتاحة قيام الأمن العام بمهماته من دون أي معوِّقات. إذ إن التعميم أتاح لضباط الاستقصاء البحث عن المعلومات في كل مكان، بما في ذلك الأماكن الخاصة غير المحددة بشكل دقيق في نص القانون مثل الفضاء الإلكتروني والتخابر السلكي واللاسلكي وفي كل وسائل الإعلام والتواصل.
الهدف الأساس لاستقصائيات الأمن العام ومراقبته هو الحفاظ على أمن الناس وأمن الدولة من خلال جمع معلومات استباقية وتحديد مصادر الخطر وتوقيف المشتبه فيهم وتوفير الحماية من أي اعتداء. لكن القوة العسكرية الضاربة لم تعد رادعاً لمن يشكل خطراً على المجتمع والدولة كما كانت الحال قبل بداية عصر الإنترنت والاتصالات «الذكية». بل إن أساس العمل الأمني الصائب اليوم أصبح جمع المعلومات وتحليلها وتوظيفها في تحديد إجراءات التدخل والمعالجات.
وقد حققت المديرية العامة للأمن العام، وسائر أجهزة الدولة في لبنان، إنجازات استثنائية من خلال تمكنها من حماية الناس والدولة من هجمات إرهابية محتملة، وذلك بفضل الجهود التي تبذلها في مراقبة المجموعات الإرهابية واختراق بيئتها ورصد الاتصالات والتحركات والتحويلات المالية منها وإليها. وقد تطلّب ذلك جهوداً كبيرة وتنسيقاً ومتابعة مع مختلف القوى المحلية والأهلية في كل المحافظات. فلبنان بنحو خاص عرضة لاستهداف الإرهابيين بسبب قربه الجغرافي من معاقل الإرهاب في سوريا، وعدم وجود حدود مضبوطة بنحو كامل بين البلدين، وبسبب انتماء جزء كبير وأساسي من اللبنانيين إلى طوائف ومذاهب وتوجهات سياسية وعقائدية يعاديها الإرهابيون ويقودون حرباً مفتوحة ضدها.
أما بالنسبة إلى «الفيل في الغرفة»، أي رقابة الأمن العام على المطبوعات والسينما، فالمادة 9 من المرسوم رقم 2873 تشير إلى وجوب تأليف «لجنة مشتركة تضم ممثلين عن الإدارات المختصة مهمتها تنسيق أعمال المراقبة»، والمطلوب أن تكون مراقبة اللجنة لاحقة، وأن تضم قضاة ونقابيين وناشطين حقوقيين. فالرقابة السابقة للنشر والبث لم تعد مجدية عملياً ولا ممكنة تكنولوجياً، وهي في الأصل مجحفة حقوقياً.
أخيراً لا بد من الإشارة الى انه برغم قدم عهد المراسيم المتعلقة بالأمن العام، نجد في نصوصها بعض المصطلحات التي يمكن الاستفادة منها. ففي نص المادة السادسة من المرسوم رقم 2873، ورد تكليف الأمن العام «مراقبة اللاجئين السياسيين والمشرّدين الأجانب». فمصطلح «المشردين» قد يكون أفضل المصطلحات التي تنطبق على الإخوة والأخوات السوريين المقيمين في لبنان هرباً من الحرب في بلادهم. إذ إن لبنان، قانونياً، ليس بلد لجوء، ولم يوقع على الاتفاقية الدولية الخاصة باللاجئين.
منذ تولي اللواء عباس إبراهيم الإدارة العامة للأمن العام تشهد المؤسسة تطويراً في الأداء وتحسيناً في الخدمات التي تقدمها للمواطنين والمقيمين، فهل تصدق الحكومة ويواكب ذلك التحديث المطلوب للقوانين التي تحدد عملها وصلاحياتها؟