يسوّق صندوق النقد الدولي نفسه على أنه مؤسسة دولية «شفّافة»، تحرص على الاستقرار المالي والنقدي للدول، عبر استخدام أدوات تقنية وعلمية تستقي منها التشخيص، وتقترح على أساسه التوصيات أو تفرضها على الدول الأعضاء. وغالباً ما تأتي تدخّلات الصندوق على شكل برامج مختلفة أو تقارير دورية وغير دورية.


ولكن ما ينشره الصندوق علانية من هذه البرامج والتقارير (يكون النشر مشروطاً غالباً بموافقة مسبقة من سلطات الدول المعنية) يخفي الكثير من المعطيات المهمّة والمقلقة، وهو لا يتيح للعموم الاطلاع على الوقائع التي تتجمّع لدى بعثاته وتضعها في تقاريرها الأساسية، أي التقارير «الخام» التي يعدّها الخبراء وتُرفع إلى إدارات الصندوق ومجلس مديريه لاتخاذ القرار في شأنها.
تخضع التقارير المعدّة للنشر لعملية تفاوض سياسي، وتتعرض للتشذيب من أجل التخفيف من حدّتها أو تغيير وجهتها، بما يراعي مصالح الطبقة المسيطرة والمتنفذين، لا سيما في الدوائر المالية والمصرفية. لقد سبق لـ«الأخبار» أن فضحت هذه الآلية ونشرت تقارير أساسية تتعلق بلبنان تختلف عن التقارير العلنية التي نشرها الصندوق (بعد التنقيح) على موقعه الإلكتروني أو التي تولت السلطات المحليّة توزيعها للتباهي بدعم الصندوق لسياساتها وإجراءاتها. ومنها، على سبيل المثال، تقريرالمراجعة الدورية في إطار تطبيق المادة الرابعة من نظام الصندوق لعام 2015، الذي نشرته «الأخبار» تحت عنوان «صندوق النقد الدولي: ارتباط الدولة والمصارف مصدر الخطر الأول» (العدد ٢٦٢٨ الثلاثاء ٣٠ حزيران ٢٠١٥)، والذي جاء مضمونه مختلفاً عن التقرير النهائي المنشور، ولا سيما لجهة طمس الوقائع والمعطيات التي أفادت في حينه أن «النظام المالي اللبناني الذي تسيطر عليه المصارف هو عرضة لمجموعة من المخاطر، فأي هبوط مفاجئ في الثقة، قد يؤدي إلى تباطؤ تدفّق الودائع ويرفع معدل الدولرة، ما يُنتج خسارة في الاحتياطات الأجنبية ويضغط على قدرة الحكومة على تأمين التمويل الملائم». فبدلاً من هذا التحذير، عمد التقرير العلني، وكذلك التقرير الصادر عام 2016 كما التقارير عن السنوات السابقة، إلى الإشادة بدور وسياسات مصرف لبنان على مدى العقود الماضية، ولم تظهر الانتقادات في التقارير النهائية إلّا بصيغتها اللطيفة حين تصل الأمور إلى درجة من الفداحة التي يستحيل تجاهلها. وفي مثال آخر، انتقد صندوق النقد الدولي في تقريره الصادر أخيراً في إطار مشاورات المادّة الرابعة «هندسة مصرف لبنان» الأخيرة، واعتبرها «لا تشكّل حلّاً مستداماً لحاجات لبنان التمويلية»، لكنه في الوقت نفسه نوّه أنها ساعدت في التصدّي لانخفاض الاحتياط في العملة الأجنبية. وفي طبيعة الحال، كان يمكن لهذا الانتقاد أن يكون أقوى لولا تضارب المصالح بين الصندوق والسلطات اللبنانية والهاجس في عدم المسّ أو التشكيك بالنهج المالي المتّبع منذ انتهاء الحرب الأهلية، الذي كان الأداة الأساسية في هندسة الاقتصاد اللبناني وجعله على ما هو عليه.
لطالما كان التشكيك بمصداقية تقارير صندوق النقد الدولي وتوصياته وتشخيصه نابعاً من تجربته في مختلف دول العالم. ويوجد في التجربة اللبنانية أمثلة كثيرة على تدني هذه المصداقية، آخرها التقرير الذي نشره الصندوق في 24 كانون الثاني 2017 تحت اسم «تقييم استقرار النظام المالي للبنان»، فقد حصلت «الأخبار» على النسخة الأساسية الأصلية لهذا التقرير، قبل تعديله وتخفيف حدّته لطمس فداحة وهشاشة النظام المالي اللبناني، إرضاءً للقيّمين عليه. فالتقرير بنسخته المنشورة والمتاحة يخفي معطيّات مهمة ومقلقة عن تعثّر النظام المالي، حيث تروّج المصارف لنفسها على أنها درّة الاقتصاد ودعامة استقراره. إذ يكشف التقرير بنسخته الأصلية المخاطر التي تتهدد النظام المالي، ويُظهر كيف أن الاستقرار المالي مرهون بحفنة من المودعين الكبار وبقطاع عقاري متضخم بفضل دعم مصرف لبنان له. ويشير إلى أن «الاحتياطات (لدى مصرف لبنان) تتم استعارتها من النظام المصرفي، وهي وصلت إلى عجز بقيمة 4.7 مليار دولار أميركي في كانون الأول 2015»! وقد تبيّن قيام الجهات المعنية بحذف هذه الوقائع من التقرير العلني المنشور، وجرى تحوير الكثير من الوقائع كي لا تعطي الانطباع بوجود مأزق جدي.
فيما يلي 3 عيّنات من التعديلات التي طرأت على لغة التقرير بنسخته الأصلية وتلك التي نشرت علناً. (تجدر الإشارة إلى أن نسختي التقرير أُعدّتا باللغة الإنكليزية، والعينات المنشورة هنا تم تعريبها من قِبل «الأخبار»).

1- مصرف لبنان يتكبّد الخسائر لدعم ربحية المصارف



يقول تقرير «تقييم استقرار النظام المالي للبنان» الأساسي (قبل التنقيح): «في حين أن مصرف لبنان كان فعّالاً في إدارة المخاطر النظامية عبر استخدام ميزانيته لامتصاص الصدمات والمحافظة على الثقة، كان هناك أكلاف لهذه السياسات.
لا تسمح البيانات الرسمية بعرض تحليل مفصل لها (حسابات مصرف لبنان لا تظهر دفع الفوائد المستحقة على شهادات الإيداع، إذ يتم توزيعها على 35 سنة)، ولكن يمكن أن تكون التكاليف كبيرة (...) مع غياب أي تخفيض ملحوظ لحاجات القطاع العام التمويلية، قد تكون هذه السياسات في نهاية المطاف غير منسجمة مع الحفاظ على سعر صرف الليرة» (ص.11 مقطع 6).
ولكن في التقرير المنشور (بعد التنقيح) جرت إعادة صياغة هذا المقطع على النحو الآتي: «يلعب مصرف لبنان دوراً حاسماً في المحافظة على الثقة، ولكن، من دون تعديلات مالية، سيكون هناك حدود لهذه السياسات (...)، ويصدر مصرف لبنان شهادات إيداع بآجال استحقاق طويلة الأمد، ما يكبده أكلافاً (...)، ومن دون تعديلات مالية وتخفيض في حاجات الاقتصاد التمويلية، ستقترب قدرة المصرف المركزي على لعب دوره كصانع السياسات في الملاذ الأخير (توسيع حساباته، الحفاظ على نسب الفوائد، الاحتياط، وسعر الصرف، والإدارة الفاعلة للاقتصاد) من حدودها» (ص. 10 مقطع 6).
يظهر بوضوح كيف خُفِّفَت المصطلحات بين التقرير الأساسي (قبل التنقيح) والتقرير المنشور (بعد التنقيح) وتحوير المضامين من «تكاليف كبيرة» إلى «تكاليف» واستبدال عبارة «سياسات غير منسجمة مع الحفاظ على سعر الصرف» بعبارة «ستقترب قدرة المصرف المركزي من حدودها»، فضلاً عن حذف الإشارة إلى غموض حساباته.
يتناول صندوق النقد الدولي الأكلاف التي يتحملها مصرف لبنان نتيجة حمله لسيولة المصارف عبر شهادات الإيداع. يذكر التقرير الأساسي (قبل التنقيح) أن «مع تباطؤ الاقتصاد وتدفق الودائع، مالَ نمو الأصول المصرفية بشكل ثابت نحو الاستثمارات في مصرف لبنان» (ص. 13 مقطع 11) وفي مقطع آخر يشير إلى أن «الاحتياطات يتم استعارتها من النظام المصرفي، وهذه الاحتياطات، من دون احتساب مستحقات المصارف لدى مصرف لبنان والذهب، وصلت إلى عجز بقيمة 4.7 مليارات دولار أميركي في كانون الأول 2015» (ص. 9 مقطع 4). اللافت أنه جرى حذف المقطع الأخير كلياً من التقرير المنشور (بعد التنقيح).

0.1% من الحسابات تستحوذ على 20% من مجموع الودائع

في مقطع آخر يحذّر التقرير (قبل التنقيح) من هشاشة الاستقرار المالي بفعل الودائع القصيرة الأمد، التي يمكن بفعل صدمة معيّنة أن تهدد حجم الاحتياطات، والتي بدورها تدعم سعر الصرف. «تتصف حوالي 85% من الودائع المصرفية بآجال استحقاق أقل من 3 أشهر (ما يعني أنه يمكن المودع أن يسحب وديعته في خلال 3 أشهر أو أقل من دون كلفة الحسم). يمكن استخدام الودائع الكبيرة لدى مصرف لبنان وحيازات الأوراق المالية السيادية ككفالة لمصرف لبنان للقيام بعمليات إعادة شراء سندات من أجل تثبيت سيولة المصارف. ولكن يمكن لصدمة سيولة نظامية ناجمة من طلب على العملة الأجنبية أن تؤدي إلى تآكل الاحتياطات» (ص. 13 مقطع 13).
تحوّل هذا المقطع في التقرير المنشور (بعد التنقيح) إلى الآتي: «يمكن لاستخدام الودائع لدى مصرف لبنان كضمانة لحصول على قرض من مصرف لبنان، أو استخدام أوراق مصرف لبنان والحكومة المالية ككفالة لعمليات إعادة شراء أن يثبّت سيولة المصارف الفردية في الليرة اللبنانية. يمكن لصدمة منتشرة تصيب سيولة المصارف تؤدي إلى طلب على العملة الأجنبية أن تُنتج هبوطاً في الاحتياطات الأجنبية» (ص. 10 مقطع 5). حُذفَت (بعد التنقيح) المعلومة المتعلقة بالحجم المقلق للودائع القصيرة الأمد، كذلك جرى التخفيف من مخاطر تآكل الاحتياطات والاستعاضة عن ذلك بعبارة «هبوط»، التي لا تعبّر عن حجم المخاطر المحتملة التي قد تسبّب انهيار النظام المالي.
صورة الهشاشة المالية يوضحها التقرير الأساسي (قبل التنقيح) بذكره أن «60% من الودائع هي، إما تحت الطلب (أي يمكن سحبها بأي وقت) أو مدة استحقاقها تقلّ عن 30 يوماً. وتصل نسبة ودائع غير المقيمين إلى 23% من مجموع الودائع، ولكن يمكن لهذه النسبة أن تكون أعلى بكثير، إذ إن اللبنانيين خارج لبنان والأجانب الذين لديهم عناوين في لبنان يتم احتسابهم كمقيمين» (ص. 27 مقطع 43). وهذه الملاحظة حول المودعين المقيمين حُذفَت من التقرير المنشور (بعد التنقيح).
يتبيّن من التقرير أن استقرار الودائع والنظام المالي عموماً يمكن أن يكون معتمداً بنحو كبير على عدد محدود من المودعين، غير لبنانيين وغير مقيمين في لبنان، ما يعزز من إمكانية هروب ودائعهم في حال حصول أي صدمة خاصة. فالتقرير يشير بوضوح إلى وجود تركز كبير للودائع، إذ إن 1% من الحسابات تستحوذ على 50% من مجموع الودائع و0.1% من الحسابات تستحوذ على 20% من مجموع الودائع. بالإضافة إلى ذلك يشير التقرير الأساسي (قبل التنقيح) (ص. 28 جدول رقم 4) إلى أن حجم هروب الودائع القصيرة الأمد (أقل من 30 يوماً) قد يصل إلى 84.6 مليار دولار أميركي، 49.6 مليار دولار منها بالعملات الأجنبية و34.9 مليار دولار بالليرة اللبنانية. وهذا أيضاً حُذفَ من التقرير المنشور (بعد التنقيح).

2- المصارف اللبنانية تحت خطر شحّ الرساميل



أجرى صندوق النقد الدولي، في إطار تقرير «تقييم استقرار النظام المالي للبنان» اختباراً للأخطار التي تواجه ملاءة المصارف (أي قدرتها على سداد قروضها الطويلة الأمد والفوائد المرافقة، وقدرتها على الاستمرار في العمل)، واعتمد في ذلك سيناريوهات عدّة، وهي وفق التقرير (قبل التنقيح): «السيناريو الأساسي وفق توقعات بيانات تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي، أي أن يظلّ نمو الناتج المحلي 1% في عام 2016 ويزداد بشكل متواضع ليصل إلى 2.5% في عام 2019.
السيناريو المعاكس رقم 1 يعتبر أن الحرب السورية والمأزق السياسي الداخلي سيستمرّان لمدة طويلة؛ في حين أن السيناريو المعاكس 1+ يزيد عليهما أثر تخفيض التصنيف الائتماني لدين لبنان. السيناريو المعاكس رقم 2 يزيد إلى السيناريو المعاكس رقم 1 انخفاض أسعار العقارات بـ23.5% على سنتين. وأخيراً السيناريو المعاكس رقم 3 يفترض زيادة أكبر من المتوقع لنسب الفائدة على الدولار الأميركي، كذلك زيادة درجة تجنّب المخاطر بين المستثمرين في الأسواق العالمية الناشئة» (ص. 22 مقطع 30).
يستعيد التقرير المنشور (بعد التنقيح) هذه السيناريوهات، ولكنه يحذف السيناريو المعاكس رقم 1+. ليس هذا فحسب، بل إن النتائج ودرجة تفصيلها تختلف بنحو كبير ومقلق بين التقريرين (قبل التنقيح وبعده). فالتقرير الأساسي (قبل التنقيح) يشير إلى أنه «وفق السيناريو الأساسي، ستصبح 8 مصارف (أي ما يوازي 7.7% من مجموع أصول النظام المصرفي) دون رأس مال كافٍ (أي لن تكون قادرة على استكمال أعمالها الاعتيادية والتسديد للدائنين)، ومن بينها 3 مصارف كبيرة (هنالك 14 مصرفاً كبيراً تفوق قيمة ودائع زبائنها الملياري دولار أميركي).

النظام المالي يقع تحت رحمة المودعين الكبار
يوازي مجموع احتياجات الرساميل 0.7% من الناتج المحلي لعام 2015» (ص. 23 مقطع 31). ولكن في التقرير المنشور (بعد التنقيح) يُكتفى بذكر الآتي: «وفق السيناريو الأساسي يتأكد ثبات المصارف، بنسبة متانة رأس المال تصل إلى 13.8% ومجموع متواضع لاحتياجات الرساميل يصل إلى 0.9% من الناتج المحلي لعام 2015» (ص. 15 مقطع 12). إذاً، استُبدل التحذير (قبل التنقيح) من أن عدد من المصارف سيكون دون رأسمال كافٍ إلى حديث (بعد التنقيح) عن وجود ثبات ومرونة!
يشير التقرير الأساسي (قبل التنقيح) إلى أن «النتائج الأكثر قسوةً تكمن في السيناريو المعاكس رقم 1+ حيث يصبح 31 مصرفاً دون رأس مال كافٍ (من ضمنها 13 مصرفاً كبيراً) وتمثل 85% من مجموع أصول النظام المصرفي» (ص. 23 مقطع 31). ولكن في التقرير المنشور (بعد التنقيح) أصبحت هذه الفقرة كالآتي: «تحت السيناريو الأكثر قسوة، قد تتدنى نسبة متانة الرأس المال إلى 7.3% واحتياجات رساميل تصل إلى 9.4% من الناتج المحلّي» (ص. 15 مقطع 12). أما في ما خص السيناريوهات الأخرى، فيقول التقرير الأساسي (قبل التنقيح): «يشير السيناريو المعاكس رقم 1 إلى احتياجات الرساميل توازي 4.7% من الناتج المحلي وتؤثر على 21 مصرفاً (منهم 10 مصارف كبيرة) وتمثل 46% من مجموع أصول النظام المصرفي. ويؤدي السيناريو المعاكس رقم 2 إلى أن يصبح 27 مصرفاً (من بينها 12 مصرفاً كبيراً) دون رأسمال كافٍ، وتمثل 65% من مجموع أصول النظام، كما أن السيناريو المعاكس رقم 3 يؤدي إلى أن يصبح 25 مصرفاً دون رأس مال كافٍ وتمثل 64% من مجموع أصول النظام» (ص. 23 مقطع 31). أمام هذه الصورة القاتمة والمقلقة التي تنذر بخضّة كبيرة للنظام المصرفي بلبنان إذا استمر الوضع على ما هو عليه، يكتفي التقرير المنشور (بعد التنقيح) بالإشارة إلى أن «السيناريوهات المعاكسة تفترض أن المصارف ستواجه بعض الضغوطات التمويلية، وزيادة الفائدة على الودائع بـ0.5 نقاط مئوية بالتوازي مع تدهور البيئة الماكرواقتصادية الإقليمية وتراجع ثقة المودعين؛ تساهم هذه الصدمة بانخفاض يصل إلى نقطتين مئويتين لنسبة متانة الرأس المال الخاص بالنظام المصرفي» (ص. 15 مقطع 13).
يتبيّن من المقاطع أعلاه كيف جرى التلاعب بتقييم النظام المالي اللبناني عبر تلطيف المصطلحات وتمييعها ومحاولة التخفيف من وطأة المخاطر التي يواجهها النظام. وذلك من خلال شرذمة المعلومات بين مقاطع مختلفة من التقرير عوضاً عن عرضها بالوضوح والتفصيل الذي تميّز به التقرير الأساسي (قبل التنقيح)، فما يظهره هذا التقرير أن النظام المالي يقع تحت رحمة المودعين الكبار، وإن استمرار الوضع على ما هو عليه إقليمياً ومحلياً واستمرار السياسات المالية بشكلها الحالي يشكل تهديداً للاستقرار المالي وملاءة العديد من المصارف عكس ما يجري الترويج له.

3- الاستقرار المالي مرهون بقطاع عقاري هشّ





الطامة الأكبر في تقرير «تقييم استقرار النظام المالي للبنان» المنشور (بعد التنقيح) تتمثل بحذف قسم كامل من التقرير الأساسي (قبل التنقيح). هذا الفصل يتناول خطر القطاع العقاري على استقرار النظام المالي، وقد استُبدل كله بمقطع من بضعة أسطر.
يشير التقرير الأساسي (قبل التنقيح) إلى أن «الأسر منكشفة على مخاطر نسب الفائدة، إذ إن معظم القروض السكنية تعطى على أساس نسب فائدة عائمة (أي متحركة)» (ص. 18 مقطع 19)، وبالفعل فإن هذه النسب مركبة على النحو الآتي: 2.5% زائد 25% من مردود سندات الخزينة لمدّة سنة. أي إنه في حال رفع الفوائد على سندات الخزينة لتأمين الحاجات التمويلية للقطاع العام (ويأتي هذا الإجراء حين تنخفض الثقة بقدرات لبنان الائتمانية، فتضطر السلطات المالية إلى رفع الفائدة لتأمين حوافز مهمة للمقرضين كما حصل في التسعينيات)، ستضطر الأسر إلى تحمل الكلفة عبر ازدياد نسبة الفائدة على القروض السكنية، وبالتالي تزيد احتمالات التخلّف عن سداد القروض. هذه المخاطر لا تنحصر بازدياد مديونية الأسر وأعبائها، بل تنسحب على القطاع المصرفي بأكمله. إذ يشير التقرير الأساسي (قبل التنقيح) إلى الآتي: «إن النظام المصرفي منكشف بشكل مهم على القطاع العقاري، حيث إن أكثر من 90% من جميع القروض إلى القطاع المصرفي هي بدورها منكشفة بشكل مباشر (عبر القروض السكنية والقروض إلى المطورين العقاريين، المقاولين والمهنيين العقاريين الآخرين) أو بشكل غير مباشر (عبر جميع القروض الأخرى للشركات المكفولة بضمانات عقارية). ويمثل المكونان الحجم نفسه (31.6 مليار دولار للمكون الأول و31.5 مليار دولار للمكون الثاني).
وارتفع الانكشاف المباشر نسبة لمجموع أصول المصارف بـ75% في خلال 6 سنوات. نمت القروض السكنية بـ278% وقروض البناء بـ112% في خلال الفترة نفسها. وهدأت فورة القروض السكنية نسبياً بعد عام 2010، لكن «رصيدها ينمو بشكل ثابت بمساعدة رزمات التحفيز» (أي التي يقدمها مصرف لبنان) (ص. 19 مقطع 21). وحول أسعار العقارات يشير التقرير الأساسي (قبل التنقيح) في مقطع آخر إلى أن «الأطراف ذات الصلة في القطاع (العقاري) تتوقع تعافي سريع للقطاع بناءً على فرضيات متفائلة (نهاية النزاع السوري، انتخاب رئيس جمهورية، إلخ...) ينتج منها حلقة تعزز نفسها، حيث يرفض المطورون العقاريون تخفيض أسعارهم، إذ يتوقعون أن الأسواق ستشهد انطلاقاً، ما يُسهم في تخفيض متزايد للطلب» (ص. 19 مقطع 22). ويشدد التقرير (قبل التنقيح) على هشاشة الاستقرار المالي التي يسببها القطاع العقاري، حيث إن «بفعل الخطر الكامن بتدهور القطاع العقاري، وانطلاقاً من الهدف المتمثل بتعزيز إنفاذ الأسر المتوسطة الدخل إلى تمويل الإسكان، دفع المصرف المركزي إلى تكريس معظم برنامجه التحفيزي (70% حتى الآن) في الإسكان عبر معدلات فائدة منخفضة من أجل دعم الطلب المحلي على الإسكان» (ص. 20 مقطع 23).
المشهد الذي يرسمه التقرير (قبل التنقيح) هو على النحو الآتي: عملياً، جميع القروض المصرفية (للقطاع الخاص) إما موظفة في القطاع العقاري أو مكفولة عبره، وبدوره القطاع العقاري يحافظ على نشاطه وأسعاره بشكل اصطناعي عبر افتراض قرب نهاية النزاع السوري وتخصيص المصرف المركزي معظم محفزاته للقروض السكنية. إذاً، تماسك القطاع ليس نتيجة حركة السوق العادية، بل نتيجة دعم السلطات المالية له عبر المال العام. لا يمكن أسعار العقارات وقيمتها أن تحافظ على مستوياتها الحالية، إذا استمر الوضع على ما هو عليه. فهذه الحلقة أو الفقاعة ستؤول إلى الانفجار، كما حصل في مناطق أخرى من العالم. ومعها سيُضرب الاستقرار المالي والقطاع المصرفي. وهذه الحالة ليست إلا نتيجة السياسات المالية والاقتصادية منذ انتهاء الحرب الأهلية ودعم مصرف لبنان للقطاع العقاري، إذ وصلت في عام 2010 نسبة الاستثمارات في القطاع العقاري إلى 70% من الاستثمارات الخارجية المباشرة. فقد وُضع الاقتصاد اللبناني والأسر رهائن لهذا القطاع يوصلنا إلى حالة الابتزاز الدائمة التي نخضع لها: إما إنقاذ القطاع العقاري عبر المال العام وازدياد قروض السكن للأسر واستمرار الأمور كما هي عليه، وأما الانهيار المالي والاقتصادي.
أمام هذه المعطيات المقلقة، عمد التقرير المنشور (بعد التقنيح) إلى إخفاء ما ورد في التقرير الأساسي (قبل التنقيح)، فحُذفَت صفحتان عن القطاع العقاري واستُبدل بهما المقطع الآتي: «إن حوالي 90% من محفظة القطاع المصرفي الإقراضية منكشفة على العقارات، مباشرة عبر القروض السكنية وإقراض المطورين العقاريين، وبشكل غير مباشر عبر الكفالات. بعد نمو قوي خلال عام 2011، دخل القطاع في فترة جمود مع تباطؤ النشاطات العقارية، كما أن الاستبيانات تشير إلى هبوط معتدل لأسعار الشقق الفخمة والعقارات التجارية. إن نسبة القروض السكنية المتعثر تسديدها تبقى منخفضة بمستوى 1.6%، ويعود ذلك بشكل جزئي إلى دعم المصرف المركزي لفوائد القروض السكنية عبر برنامجه للتحفيز الاقتصادي» (ص. 11 مقطع 8).




المصارف تراقب نفسها

فيما يوصي التقرير الأساسي (قبل التنقيح) بأنه «يجب وقف الممارسة التي تقضي بأن تقترح جمعية المصارف في لبنان أحد أعضاء لجنة الرقابة المصرفية، إذ إنه يمكن أن تؤدي إلى تصوّر مفاده أن القطاع (المصرفي) يؤثر على القرارات الإشرافية والتنفيذية» (ص. 31 مقطع 56)، يقول التقرير المنشور (بعد التنقيح): «لا يجب أن يكون لجمعية المصارف ووزارة المالية السلطة لترشيح عضو للجنة الرقابة المصرفية» (ص. 20 مقطع 22).