قرّر وزير الشؤون الاجتماعيّة، بيار بو عاصي، في مؤتمر صحافي عقده أمس، وقف «البرنامج الوطني لرصد التحرّكات السكانيّة الطارئة»، والاستغناء عن 370 موظفاً يعملون في هذا البرنامج منذ أكثر من سنتين، وتالياً تشريد عائلاتهم. أمّا الحجّة التي تحوّلت إلى شعار «بييع» في الآونة الأخيرة، فهي «الحفاظ على المال العامّ»، وكأن بضع عشرات من الموظّفين الذين تحوّلوا أسرى لقمة العيش هم وراء الهدر المالي الحاصل.


فبعد إعادة تقويم بو عاصي لهذا المشروع، اتضح له أنه «غير قادر على تلبية الخدمة التي أُنشئ من أجلها، فمدّته انتهت، ولم يعد صالحاً»، متوجهاً إلى أولئك الموظّفين بكلمة «يعطيكم العافية»، واعداً بصرف رواتبهم العالقة منذ أربعة أشهر «دفعة واحدة وقريباً». لم تمرّ دقائق على إعلان القرار، حتى أقفل الموظّفون المتضرّرون مدخل الوزارة، ولم يفضّوا الاعتصام إلّا بلقاء الوزير، الذي أكّد لهم أن قراره «غير قابل للنقاش»، رافضاً تمديد عقودهم حتى كانون الأوّل المقبل.

إلى ماذا استند الوزير؟

أُنشئ «برنامج رصد التحرّكات السكانيّة الطارئة» بداية عام 2015، في عهد الوزير رشيد درباس، بهدف جمع قاعدة بيانات عن النازحين السوريين، وكان من المُفترض توظيف نحو 200 موظف ليملأ كلّ منهم 10 استمارات يوميّة لعائلات سوريّة، إلّا أنه انتهى بتوظيف نحو 370 موظفاً وفق منطق الزبائنيّة السياسيّة، أغلبهم من الشمال وعكار. يشير مكتب وزير الشؤون الاجتماعيّة إلى أن «المشروع استحدث لمدّة سنتين فقط، وهو منتهي الصلاحيّة منذ 31/12/2016، أي قبل ثلاثة أيّام من تسلّم بو عاصي لمهماته، وهو ما دفعه إلى تجديد العقد لدراسة جدواه، قبل أن يتخذ أي قرار بالإبقاء عليه أو إلغائه، وتالياً فإن الموظفين المتعاقدين مع الوزارة على دراية بأن عقدهم انتهى في كانون الأول الماضي».


هؤلاء الموظّفون مظلومون وضحية تشفٍّ وصرف تعسفي

إلّا أن ما يعرضه الموظّفون ينقض رواية الوزارة. يؤكّد عضو لجنة متابعة «برنامج رصد التحرّكات السكانيّة الطارئة»، محمد حميّد، أن «المشروع انطلق بداية عام 2015، وجدّد بعد سنة لمدّة ستة أشهر، ثمّ جدّد تلقائياً لستة أشهر أخرى انتهت في كانون الأول 2016، قبل أن يجدّده الوزير الحالي مطلع هذا العام لمدّة أربعة أشهر تنتهي في نيسان الحالي، أي إن استخدامنا ليس بموجب عقد لسنتين كما يزعم الوزير»، ويتابع حميّد: «ما يقوم به الوزير هو طرد تعسفي لموظّفين يعملون في وزارته، فنحن لم نتسلّم أي إنذار لترك العمل، بعكس ما يزعم. وهو (أي بو عاصي) كان واضحاً بأنه لن يجدّد المشروع حتى لو تأمنت الأموال له، بحجّة أنه لم يكن فعّالاً، مع الإشارة إلى أننا قمنا بكلّ ما طلب منا». لكن ماذا عن الخطوات التالية؟ يردّ حميّد: «بداية سنجتمع مع الأحزاب، وتحديداً تيار المستقبل وحركة أمل، لعرض تمديد المشروع في مجلس الوزراء. وإن لم نصل إلى نتيجة سيكون التصعيد بالشارع».

هيدا زمن «جماعتنا»

لا تستبعد مصادر متابعة للملف تحكّم منطق «الدكاكين الحزبيّة» بالقرار الصادر، لكون التجارب السابقة تؤكّد أنه «لا يوجد أي استمراريّة أو مهنيّة للعمل في إدارات الدولة ومؤسّساتها»، أي إن كلّ وزير يأتي ليطبّق مشاريع وفقاً لأجندته الخاصّة. وتتابع المصادر: «طبعاً ليس الهدف من هذه المشاريع تحقيق أهداف استراتيجيّة ضمن اختصاص الوزارة، بل توظيف الجماعات المحسوبة على السياسيين»، وهو ما لا ينفيه أو يؤكّده مكتب الوزير، بل يكتفي بالإشارة إلى أن «هناك مشاريع خاصّة وأكثر فعاليّة يريد الوزير العمل عليها».
وتتابع المصادر نفسها بأنه «كان من الممكن تأمين قاعدة بيانات كاملة عن حركة وأعداد توزّع النازحين، وتاريخ دخولهم، ومستواهم العلمي وغيرها من الخصائص، فيما لو استمرّ العمل به لشهرين، مع ما يتبع ذلك من تقديم تقرير واضح عن مدى استهلاكهم للبنية التحتيّة اللبنانيّة، وتوفير معلومات واضحة لضبط المساعدات، ما يعني عملياً رمي عمل وأموال صُرفت لأكثر من سنتين دون نتيجة (تقدّر بـ5 مليارات ليرة لبنانيّة اقتطعت من الموازنة العامّة)، ودحض حجّة الوزير بالحفاظ على المال العامّ دون فتحه أي تحقيق لمعرفة كيفيّة صرف هذه الأموال».

ما هي الخيارات المُتاحة؟

من الواضح، أن الموظّفين المتعاقدين الذين أنهيت خدماتهم تعسفاً هم الحلقة الأضعف، ففضلاً عن أن الدولة اعتزلت مسؤوليّة حماية حقوق مواطنيها وخلق فرص عمل لهم، ودفعتهم نحو أحضان الزعامات الطائفيّة ليصبحوا أسرى «الزبائنيّة السياسيّة»، كذلك حوّلهم نظام التعاقد المعمول به منذ سنوات إلى ضحايا اللااستقرار الوظيفي، وإلى عاملين بـ«السخرة» لعدم حصولهم على أي تعويضات وضمانات صحيّة واجتماعيّة.
يقول رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمّال والمستخدمين كاسترو عبدالله، إن هؤلاء الموظّفين مظلومون في كلّ الحالات القانونيّة، باعتبار أن «العقد ولو كان محدّد المدّة، يصبح عملاً دائماً عند تجديده لأكثر من مرّة، وتالياً تسري على أطرافه أحكام قانون العمل اللبناني، ما يستوجب التصريح عن المستخدمين لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وتالياً إنذارهم بالرغبة بإنهاء عملهم قبل الفترة المحدّدة قانوناً»، وهو ما لم يحصل في هذه الحالة، ما يعني أنهم «ضحية تشفٍّ وصرف تعسفي».
ويتابع عبدالله: «يمكنهم، إذا قرّروا عدم الرجوع إلى مرجعياتهم السياسيّة، اللجوء إلى وزارة العمل فيما لو اعتبروا أنهم موظفون يسري عليهم قانون العمل للحصول على تعويضات الصرف التعسفي، أو اللجوء إلى مجلس شورى الدولة لتقديم مراجعة إداريّة والطعن بقرار الوزير»، لكن دون أن يعني ذلك «تحرير الدولة من مسؤوليّة البحث عن حلول لكلّ المتعاقدين والمياومين والأجراء ومقدّمي الخدمات والعاملين بالفاتورة، وإجراء امتحانات ومباريات لإدخالهم إلى الملاك، خصوصاً أن هناك شغوراً في القطاع العام بنسبة تتجاوز 60%، تُملأ بالتعاقد، بسبب وجود قرار بوقف التوظيف، وفَسحاً في المجال للتوظيف السياسي والانتخابي».