رغم وجود القوات اللبنانية والكتائب والوطنيين الأحرار وعشرات البيوتات السياسية المسيحية الوازنة ضمن الائتلاف الانتخابي عام 2005، قال العونيون إنه تحالف رباعي بين القوى المسلمة لمواصلة إقصاء المسيحيين، فصفّق الجمهور وأيّدهم. التحالف مع ميشال المر الذي كان عيباً وعاراً في مفردات العونيين صار ضرورياً لما تقتضيه مصلحة المسيحيين، فصفّق الجمهور أيضاً وأيّد.


وحين حوّل العماد ميشال عون من زعيم وطني إلى زعيم للمسيحيين بحسب البطريرك صفير، صفّق الجمهور وأيّد. الخلط بين الحزب والطائفة جعل الحزب في نظر مؤيديه طائفة، حين يتمثل تتمثل وحين يُقصى تُقصى. ولدى العودة من الدوحة نُظّمت حملة عونية كبيرة للقول إن العماد عون تنازل عن الرئاسة الأولى ليؤمّن للمسيحيين قانون انتخابات عادلاً، وابتدأ التهليل لقانون الستين بوصفه قانون استرجاع حقوق المسيحيين. ولمن نسي، خاض العونيون انتخابات 2009 على أساس أنهم حققوا إنجازاً عظيماً يتمثل في قانون الانتخابات الجديد الذي ما كادت تقفل الصناديق حتى بدأوا بشتمه. بعدها، قيل إن إقصاء الوزير جبران باسيل، عملاً برفض العونيين سابقاً توزير الخاسرين، إنما هو إقصاء للمسيحيين، وابتدأ قرع الأجراس، فصفّق الجمهور وأيّد. ولا بدّ هنا من التذكير بأن التيار الذي كان يتحدث عن فصل الدين عن الدولة، وعن الدولة المدنية والعلمانية في شبابه، وضع هذا كله جانباً لينهل من القاموس اللبناني التقليدي، مستعيضاً عن تشكيل جبهة عريضة لمواجهة الفساد بتأسيس اللقاء المسيحيّ الفاشل تلو الآخر. وفي النتيجة تفاعل الرأي العام على نحو إيجابي مع التعبئة العونية في أكثر من عشرة استحقاقات أتاحت للعونيين أن يصلوا إلى المجلس النيابي والحكومة والإدارات العامة ورئاسة الجمهورية، لكنّ شيئاً لم يتغيّر في حياة المواطنين، وخصوصاً «المواطن المسيحي» الذي طالما يضعونه في فوهة مدافعهم، لا بل ازدادت الأوضاع المعيشية سوءاً.
يفتح العونيون هواء تلفزيونهم مثلاً للدفاع عن أصحاب المرامل والكسارات في وجه ناخبيهم في كفرذبيان وحراجل وعين دارة، وفي الانتخابات البلدية يتركون الهيئات المحلية تقلع الشوك بأياديها. ولا يكاد يراجعهم أحد بظلم يتعرض له في إحدى الإدارات حتى يرشدونه بكل أناقة إلى الطريق القانوني الذي يفترض به أن يسلكه، علماً بأن الأرقام في الميزانية المخصصة للمناطق في وزارة الأشغال العامة والنقل مثلاً تحسّنت كثيراً في أقضية جبل لبنان وبعض الأقضية الأخرى من دون مرور وزير عونيّ بهذه الوزارة. وهو ما يدفع إلى التأكيد أن ما يمكن وصفه بالحقوق السياسية التمثيلية للتيار الوطني الحر لا علاقة له من قريب أو بعيد بحقوق المسيحيين. حقوق المسيحيين، كما حقوق السنّة والشيعة والدروز، تتعلق بالحق في التعليم، والحق في الاستشفاء، والحق في إيجاد فرص عمل، والحق في الترفيه، والحق في سلسلة مرنة للرتب والرواتب، وعشرات الحقوق الأخرى التي أظهر التيار الوطني الحر لامبالاته بها.
التفاعل خلال الأيام القليلة الماضية مع تغريدات باسيل ومقالاته والفيديوات كان خجولاً جداً في أكثر الأوصاف تلطيفاً. الدفاع عن حزب الإبراء المستحيل في وجه أغنية هشام حداد في برنامجه التلفزيوني، اقتصر على مواقع التواصل الاجتماعي على بعض المناصرين الذين لا يتجاوز عددهم العشرة. لماذا؟ لأن الحزبيين أنفسهم كانوا يتوقعون أداءً آخر. كانوا يعتقدون أن الفوز برئاسة الجمهورية سيؤمن لهم بعض الانتصارات الصغيرة التي تتيح لهم رفع رؤوسهم في مناطقهم، لكن رئيس التيار يخبرهم أن عليهم حمل الصليب مجدداً. هم اعتقدوا أنهم نزلوا عن هذا الصليب، إذا به يقول لهم إن الصلب متواصل. بعد معركة القانون هناك معركة الانتخابات، وبعد معركة الانتخابات معركة الوزارة، وبعد الوزارة معركة الرئاسة الأولى من جديد؛ متى سينتهي هذا المسلسل؟ جسم التيار كان موعوداً بسلسلة الرتب والرواتب. كان ينتظر إنجازاً سريعاً في الكهرباء لا تحوم حوله الشبهات. ولا شك في أن هذا الجمهور بالذات كان ينتظر زيارة الأبطال المرابطين في السلسلة الشرقية قبل زيارة رئيس الجمهورية للسعودية وغيرها من العواصم التي أمضت الرابية عمراً تقول لجمهورها إنها أصل البلاء كله. ولا شك في أن السؤال الشعبي مشروع عمّا عسى التيار الوطني الحر يريده أكثر من كل هذه الكتلة النيابية والوزارية والمديرين العامين ورئاسة الجمهورية وقيادة الجيش ودعم البطريركية المارونية والرهبانيات وغيره...
الأخطر أن تحالف التيار الوطني الحر الوطيد مع تيار المستقبل يجعل من وجود النائب، سواء في كتلتهم أو في كتلة المستقبل، الأمر نفسه. الناخب في فتوح كسروان لم ولن يرى أبداً أن النائب جيلبرت زوين مسيحية أكثر من النائب منصور البون، أو أنها تهتم لأموره ومستقبل أبنائه أكثر من البون الذي يركض أمام الناس «من الفجر إلى النجر». لكن الناخب كان يقترع للعونيين بوصفهم أصحاب مشروع إصلاحي يسعى لوضع حدّ لفساد تيار المستقبل في جميع المجالات، فيما البون حليف المستقبل. أما اليوم، فقد بات العونيون حلفاء المستقبل والبون هو الخصم. يفترض بباسيل التفكير جيداً في ما كانت ستكون عليه أوضاع التيار لو قال في التسعينيات، وقبل الخروج السوري من لبنان، إن هناك أمراً واقعاً عليه الرضوخ له والتعامل معه لتأمين حقوق المسيحيين؛ لو قالها يومها لكان تساوى في الميزان الشعبي مع من كانوا يقولون ذلك، علماً بأنه كان يقول قبل بضع سنوات إن هناك واقعاً اقتصادياً وفساداً إدارياً وغير ذلك لا يمكن السكوت عليها، إلا أنه عاد ليتصرّف منذ أكثر من عام على أن هناك أمراً واقعاً لا بد من التعايش معه وسقفاً يفترض العمل تحته. المشكلة أن التيار بذل جهداً هائلاً لإقناع الرأي العام بأن الطائف سيّئ، ولم يبذل أي جهد لإقناعهم بعكس ذلك حين اكتشف أن الطائف غير سيّئ، كما بذل جهداً هائلاً لإقناع الرأي العام بأن القوات اللبنانية المصدر الرئيسي لكل الضرر الذي لحق بالمسيحيين، ولم يبذل أيّ جهد لاحقاً لإقناعهم بعكس ذلك حين اكتشف أن مصلحة المسيحيين تقضي بتفاهمه مع القوات، وهو عمل ربع قرن على إقناع الرأي العام بأن تيار المستقبل مصدر كل البلاء والفساد الذي يتخبّطون به، ثم توقع أن يحتشد مئات الآلاف ترحيباً بشراكته المستجدة مع تيار المستقبل. يحتاج جبران باسيل اليوم إلى أكثر من «قانون الحرية» لإقناع الناخبين بأنه يستحق تجديد ثقتهم به تحديداً. ويفترض به أن ينشغل بكيفية إقناع الناخب بأن الاقتراع لإبراهيم كنعان وإدي أبي اللمع أفضل من الاقتراع لسامي الجميّل وميشال المر. لماذا؟ لأنهما أنقذاه من جبال النفايات مثلاً أم لأنهما حررا الأملاك البحرية ووفرا له شاطئاً، أم لأنهما أوقفا الفساد في البلديات والنافعة والدوائر الرسمية وأمّنا حدائق عامة ومتنزهات، وأقرّا سلسلة الرتب والرواتب وغيرها. لماذا يقترع الجبيلي للنائب سيمون أبي رميا أو زميله وليد خوري بعدما جرّبهم 12 عاماً، فيما في وسعه منح فرصة أكبر لرئيس بلدية جبيل زياد حواط مثلاً الذي لم يقف التيار ضده يوم ترشّح للانتخابات البلدية. كان يمكن القول إن التزام نواب كسروان، يوسف الخليل وجيلبرت زوين وفريد الياس الخازن ونعمة الله أبي نصر، سياسياً مع التيار الوطني الحر رغم كل الإغراءات يشفع لهم، أما وقد بات هؤلاء والحريريون في الموقع نفسه فما عاد شيء يشفع بهم. هل يمكن ضمان التأييد الشعبي بخطابات شعبوية عن حقوق المسيحيين؟
تولى التيار الوطني الحر وزارة أساسية في خدماتها مثل وزارة التربية، ولم يتصدّ له أحد في أي شيء أراد فعله في هذه الوزارة، لكن ماذا تغيّر فعلاً: كم مدرسة رسمية في جزين أو بعبدا أو المتن أو كسروان أو جبيل أو غيرها من مناطق النفوذ العوني باتت مجهزة على نحو يشجع الأهالي على إرسال أبنائهم إليها؟ أجري الكثير من المناقلات التي تشبه خدمات النواب التقليديين، وخيضت أكثر من معركة طاحنة من أجل موظفة رفيعة أو موظفين، لكن الأمور انتهت عند هذا الحد. كيف سيصدق المواطنون أن الإدارة العونية لم تقع على شبكة فساد واحدة في وزارة الطاقة أو الاتصالات أو الشؤون الاجتماعية أو العدل أو الدفاع أو البيئة أو الصناعة أو غيرها من الوزارات التي مرّ بها العونيون؟ في مرحلة التوتر مع النائب ميشال المر كان العونيون يسرّبون هنا وهناك قائمة بأسماء مرافقي المر الذين يقبضون أجورهم من دائرة البريد بوصفهم موظفين فيها، لكنهم تسلّموا وزارة الاتصالات لخمس سنوات، ورحلوا عنها من دون أن يلتفتوا إلى هذا الملف الذي أعدّوه بأنفسهم. وزير الطاقة سيزار أبو خليل كان مسؤولاً عن ملف المهجرين أولاً، وكان يصول ويجول بين الوزارة وصندوق المهجرين لإعداد ملف استثنائي في تفاصيله عن كيفية الدفع لمن تسبّبوا في التهجير قبل الدفع لمن هُجِّروا؛ فماذا حصل لهذا الملف؟ وهل تطرق إليه وزير الطاقة من قريب أو بعيد بعدما بات وزيراً؟ هنا معضلة العونيين؛ مشكلتهم أنهم لا يستطيعون مواصلة قول الشيء وعكسه أكثر بعد. معركة باسيل اليوم تتيح له تسلية جمهوره وتدخله «نادي غازي كنعان لإعداد قوانين الانتخاب»، لكنها لا تفيده بشيء أكثر من هذا؛ فلدى الاحتكام إلى الصناديق سينشغل ناخبون (بصرف النظر عن عددهم) عن اسم القانون بأسماء المرشحين وما أنجزوه، ليس خلال شهر أو شهرين، بل طوال 12 عاماً أمضوها يتوسلون الأعذار المختلفة للتهرب من تولّي مسؤولياتهم. الناخب لديه صوته، وقد منحه للعونيين منذ عام 2005، وصوته أوصلهم إلى المجلس النيابي والحكومة ورئاسة الجمهورية. لم يكن هذا كافياً بالنسبة إليهم؟ إنها مشكلتهم هم لا مشكلته هو.