أطلق البنك الدولي، أول من أمس، نشرته الفصلية لمرصد لبنان الاقتصادي بعنوان "نداؤنا لكم" بحضور خبراء ناقشوا هذا التقرير. كان هناك إجماع من الخبراء على أن النشرة تضمنت انتقادات غير مسبوقة للنموذج الاقتصادي لجهة توصيف أزمته وصياغة العبارات بشكل غير ملتبس، لا بل تبيّن أن المعطيات التي وردت في النشرة لا تترك أي مجال للالتباس في الشكوك المثارة عن قدرة النموذج على الاستمرار، في ضوء المعطيات الاقتصادية والسياسية والأمنية محلياً وإقليمياً. الوزير السابق، الأمين العام لحركة مواطنون ومواطنات، شربل نحاس، قرأ في معطيات هذه النشرة أن "النموذج يدفع المجتمع نحو تحوّل سريع وخطير"، فيما يقول رئيس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في لبنان حسن كريم، إنه تم "تحديد أماكن العقم في هذا النظام وعدم إمكانية النموّ في ظل النموذج الحالي".

شربل نحاس: الأولوية لكسر النمط القائم

"لا يمكن تقديم وصفة شاملة وجاهزة لمعالجة أزمة الاقتصاد في لبنان". هذه العبارة التي استعملها الوزير السابق شربل نحاس، تعليقاً على أولويات البنك الدولي للإصلاح، كافية للدلالة على أن هذه الأولويات أو ما يسمّيه البنك الدولي إصلاحات، ليست إلا تفصيلاً صغيراً في مقاربة أزمة النموذج اللبناني التي جرى توصيفها في مختلف المعطيات الواردة في النشرة الفصلية للبنك.

يقول نحاس: هذه النشرة تتحدث بصراحة عن النموذج الاقتصادي والسياسي في لبنان، وكان فيها حرص شديد على الصياغة وإدراج قضايا لم تكن تدرج في تقارير أو نشرات سابقة. من الواضح أن قدرة هذا النموذج على الاستمرار باتت محل شكوك واسعة وهي تولّد مخاطر كبيرة على المجتمع، إذ إننا نشهد تحولاً سريعاً لمجتمعنا الذي يسير نحو التماثل مع المجتمعات الخليجية، وهذا مكمن الخطر الفعلي. النشرة تشير بشجاعة ودقّة إلى هذه المخاطر".
إذاً، هل تشكّل أولويات البنك الدولي مدخلاً للتخفيف من هذه المخاطر؟ يشير نحاس إلى أن الأولوية يجب أن تعطى اليوم للخروج من هذا النمط الاقتصادي والسياسي وليس إطالة عمره، وليس ذلك فقط، بل يجب أن يكون هذا الخروج آمناً ولا تكون له مفاعيل سلبية على الناس. إزاء التعامل مع هذه القضية، تتحدّد الإجراءات، وبالتالي فإن الأولويات اليوم هي لاتخاذ إجراءات احتياطية كي نكون أكثر استعداداً لعملية الانتقال إلى نموذج مختلف أو لعملية الصدمة التي ستنتج من تغيير النمط أو لعملية التصحيح المطلوبة.


يريد النموذج أن يبقى القطاع العقاري ناشطاً على طول الطرقات والأوتوسترادات

هذا النظام أو النموذج يمنع عن الناس أبسط الخدمات العامة ليس لأنه غير قادر أو لأن القيمين عليه أغبياء ولا يمكنهم التوصل إلى حلول، بل لأنهم لا يريدون. على سبيل المثال، هناك عشرات آلاف الأوراق من الدراسات لإنشاء نقل عام، لكن النموذج يريد أن يبقى القطاع العقاري ناشطاً على طول الطرقات والأوتوسترادات، فيما وجود النقل العام "المحترم" الذي يتوقف عند محطات معيّنة، ومنتظم في مواعيد الرحلات وسواها من العملية التنظيمية، لا يخدم فكرة وجود مولات ومطاعم ومحالّ وأبنية على طول الطريق السريع. وجود هذه المنشآت يرفع أسعار العقارات، فيما النقل العام يدفعها نزولاً أو يمنعها من الارتفاع على الأقل. هم لا يريدون نقل عام لأنهم مهتمون بالعقارات التي تدرّ على المضاربين من أصحاب المصالح والنفوذ الكثير من الأرباح.

حسن كريم: عقم النموذج

"البنك الدولي أصاب بتحديد مكمن العقم في النظام اللبناني". بهذه العبارة، يعلّق مدير برنامج الحوكمة التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، حسن كريم، على ما ورد في النشرة الفصلية للبنك الدولي. يقول كريم إن النظام السياسي في لبنان يعيش تطوّر أزمته منذ فترة طويلة، فهناك تعطّل كامل للمؤسسات وعدم قدرة على اتخاذ القرار وعدم قدرة على التطوير، فضلاً عن غياب الرؤية الشاملة لدى مقاربة الجزئيات. في رأيه، أنه منذ أن تأسّس هذا النظام في اتفاق الطائف، حمل بذور انهياره ولم يكن قابلاً للعلاج. ففي عام 2005، وصل هذا النظام إلى أزمة في ظل غياب المسيّر الخارجي، فيما الداخل عاجز، واليوم نشهد تطوّر هذه الحالة التي يتحدث عنها البنك الدولي، محدداً مكامن العقم في النظام، إذ "لا يمكن الحديث عن نموّ اقتصادي بمعزل عن قدرة النموذج القائم على الاستمرار. اليوم، يثير هذا التقرير الشكوك حول إمكانية استمرار النموذج ويتحدّث عن قضايا وحلول مطروحة في البلاد منذ سنوات عديدة، لكن الأجدى أن تكون هناك عودة لإقرار صيغة مستقرّة للحكم وانتظام لعمل المؤسسات.