نحن في عام 2017، لكن ما زال هناك رجال دين يعيشون في القرون الوسطى، تلك الحقبة التي كانت شاهدة على استعباد القائمين على المؤسّسة الكنسيّة للرعايا، باسم الله، واستغلال ما لهم من سلطة روحيّة ومعنويّة على العباد لتطويع العقول.


ما قام به كاهن رعية «مار الياس» للروم الملكيين الكاثوليك في بلدة «خربة قنفار» في البقاع الغربي، الأب طوني فحل، مثال على ذلك، فيما القضاء اللبناني يمعن في صمّ أذنيه، نائياً بنفسه عن التدخّل في أي قضية يكون رجل دين أو مؤسّسة دينيّة أحد أطرافها، وكأن حقوق المواطنين وسلامتهم وأمنهم في دولة، ارتضاها الدستور مدنيّة، لا تندرج ضمن اختصاصه عندما يتعلق الامر برجل دين.

بالجرم المشهود

في 14 نيسان الحالي، وفي خلال رتبة دفن المسيح بمناسبة «الجمعة العظيمة»، استغل الأب فحل، المنبر الكنسي لتهديد المديرة العامّة للتعاونيات في وزارة الزراعة، غلوريا أبو زيد، وكأنه أحد القوّامين على «محاكم التفتيش» في القرون الوسطى، يُنزل أحكامه المُبرمة غير القابلة للدحض. لم يتردّد فحل بكيل جملة من العبارات التحريضيّة، قائلاً: «هيدي الإنسانة إسمها غلوريا أبو زيد، وهي مسيحيّة يمسح إترها، (أي يُمحى أثرها من الوجود) يا عيب الشوم عليها، عم تتهجّم على الكنيسة وعلى رأس الكنيسة!»، وتابع عظته: «قريباً سيصدر قرار من روما، يُسقط عليها الحُرم، لأنها عملت ضدّ ضميرها وضدّ الكنيسة». ولم يكتفِ الفحل بذلك، بل أكمل التحريض، مشيراً إلى أنها (أي أبو زيد) مُشاركة «في مؤامرة مُفبركة ضد الكنيسة» وأنها بقرار إداري اتخذته في إطار عملها «أوقفت بناء شقق سكنيّة في صغبين والفرزل وأبلح، وساهمت في رمي عائلات مسيحيّة من بيوتها»، وتابع الفحل التحريض قائلاً: «بدها تجيب جماعة ليقعدوا بالشقق تبعنا، بس طويلة ع رقبتها ورقبة الزعيم اللي حاميها، وبدنا ندعسلها رقبتها».

خلفيّة القصّة!

تعود القضية إلى شهر مضى، عندما أوقفت أبو زيد مشروع «تعاونية سيّدة النجاة» السكني، بحجّة «تضمّنه مجموعة من المخالفات القانونيّة، وهو مشروع يشرف عليه مطران زحلة والفرزل والبقاع للروم الملكيين الكاثوليك، عصام يوحنا درويش، في كلّ من صغبين والفرزل وأبلح، بهدف «إعادة المسيحيين وتمكينهم في ضيعهم البقاعيّة». ردّ وزير الزراعة غازي زعيتر على قرار أبو زيد بعزلها عن منصبها! متذرعاً بأن قرار تعيينها مُخالف للقانون، وهو ما حوّلته الرابطة المارونيّة إلى قضية «حقوق مسيحيين» لتأليب رأي عامّ طائفي داعم لأبو زيد باعتبارها «مسيحيّة يضطهدها وزير مسلم»، أي إن الرابطة ذهبت بعكس ما ذهب إليه فحل من اتهامات، واعتبرت أن قضيتها تجسد «حقوق المسيحيين»، لا «التعدّي على كنيستهم»!.
أبطل «مجلس شورى الدولة» قرار زعيتر، وأعاد أبو زيد إلى وظيفتها بكامل صلاحياتها. إلا أن زعيتر أمعن في قرارها ورفض التسليم بحكم القضاء.
إلا أن للقصة خلفيّات سياسيّة انتخابيّة، يتسابق طرفاها (آل سكاف في زحلة ومن معهم من جهة، والمطران دوريش ومن يقف خلفه من مرجعيّات سياسيّة من جهة أخرى) على استغلال الدين والتحريض الطائفي، على أكتاف المسيحيين المهمّشين كما غيرهم من مواطني الدولة اللبنانيّة، وذلك عبر حمل شعار «صون حقوقهم»، وكأنها حقوق محصورة بتوظيف أحد أتباع الأحزاب والمرجعيّات الطائفيّة أو بناء شقق تستفيد منها مؤسّسة دينيّة.

القضاء الساكت

بعيداً من القضية التي هي أساساً مسألة متصلة بأنظمة العمل في الإدارات العامّة، وأبدى مجلس شورى الدولة رأيه فيها، يبقى استغلال رجال الدين في لبنان لمواقعهم في شؤون غير دينيّة، غير محصور بهذه الواقعة فحسب، بل هو القاعدة، التي يُلجأ إليها للّعب على الغرائز الطائفيّة وتجييش الناس المُهيَّئين في الأساس لابتزاز مماثل، فيُستغل فيها الدين لترويض العقول، ويُستعمل فيه التوكيل الديني للتحريض الرخيص.


خلفيّات القصة سياسيّة
يُستغل فيها الدين والطائفة تحت شعار «حقوق المسيحيين»



ففي حزيران الماضي، انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو للرئيس الفخري لنادي «الحكمة»، الأب جان بول أبو غزالة، يبرّر فيه «همجيّة» الجمهور في خلال مباراة كرة السلة بين فريقي «الحكمة» و«الرياضي»، قائلاً إن زجاجات المياه التي رماها هؤلاء هي «مياه مصلاية» ترمى على «التانيين»، محوّلاً لعبة رياضيّة إلى خصام طائفي بين المسيحيين (من جمهور الحكمة) والمسلمين (من جمهور الرياضي). كذلك في خلال الانتخابات البلديّة في ربيع 2016 تعرّضت مرشّحة حركة «مواطنون ومواطنات في دولة» في جبيل، كلود مرجي، لحملة تحريض من داخل الكنيسة، عندما خصّها كاهن رعية «مار يوحنا» في جبيل الأب جان بول الحاج، بعظة شيطنها فيها، في محاولة للتأثير برأي الناخبين، وذلك فقط لأنها مارست حقّها السياسي وأعلنت ترشّحها ديمقراطياً، حارمة لائحة رئيس البلدية الحالي زياد حوّاط الفوز بالتزكيّة. هذه العظة، كما غيرها من فتاوى التحريم والتهديد والتحريض، شاهد عليها القضاء اللبناني، وهو لم يحرك ساكناً، على الرغم من القوانين التي تفرض عليها التحرّك من أجل حماية حقوق المواطنين وحرياتهم. كذلك صمتت الكنيسة إزاء هذه الأفعال الجرمية، وبدت غالباً في دور الغطاء لا المانع.
يشير المحامي وديع عقل، إلى أن «لا حصانة قضائيّة على رجل الدين»، وتالياً إن «ارتكابه لأي جرم، مثل التهديد بالقتل والتحريض وإثارة النعرات، علناً، يفترض تحرّك النيابة العامّة عفواً، دون إذن مرجعيته الدينيّة، لاستجوابه، ويكفي تقديم إخبار أو الادعاء عليه مباشرة، لكون الجرم قائماً بحسب التوصيف القانوني بغض النظر عن الحساسيّات والحسابات التي قد تعرقل تحرّكاً مماثلاً»، ويتابع عقل: «يندرج هذا الفعل ضمن خانة استغلال المنابر الدينيّة لغايات غير دينيّة، فرجل الدين وظيفته محدّدة، وتحديداً رجل الدين المسيحي، عملاً بنصّ الإنجيل القائل: اتركوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله».

غطاء كنسي

لكن ماذا عن موقف الكنيسة؟ اتصلت «الأخبار» بمطران زحلة والفرزل والبقاع للروم الكاثوليك، عصام يوحنا درويش، (يتبع له الأب فحل) الذي رفض الردّ، قائلاً: «ما بدي إحكي بالموضوع خصوصاً معكم، لأنكم مش أمينين باللي بتقولوا، بدكم تزبطوا وضعكم قبل لإحكي». كذلك رفضت مطرانيّة الروم الكاثوليك التعليق على الموضوع، واكتفت مصادر داخلها بالإشارة إلى أن «رجل الدين هو رجل محبّة وسلام ومسامحة، ويفترض به أن يعظ بما ينسجم مع هذه القيم، أمّا محاسبته على أي مخالفة لهذه القيم، فتبقى متعلّقة بالمسؤول عنه وفق الهرميّة الكنسيّة، الذي يقدّر العقوبة بحسب المعطيات المتوافرة والمتلازمة مع أي قضية».