وزير الصحّة اللبناني لا يُعاني الكآبة. مدير عام الوزارة لا يُعانيها أيضاً. بدوره مدير البرنامج الوطني للصحّة النفسيّة، في الوزارة، ليس مكتئباً. دامت صحّتهم. لنُكمِل لائحة المجتمعين أخيراً في بيروت... فممثّلة منظّمة الصحّة العالميّة في لبنان، غبريال ريدنر، لديها صحّة نفسيّة سليمة. مدير المنظّمة (العالميّة ذاتها) لإقليم شرق المتوسّط، محمود فكري، ليس كئيباً.


النائب اللبناني قاسم عبد العزيز، لسببٍ ما، كان بين الحاضرين. اجتمع هؤلاء بمناسبة اليوم العالمي للصحّة، الذي، كما قرّرت المنظّمة، أن يَحمل لهذا العام شعار "الاكتئاب: دعونا نتحدّث عنه". حسناً، سنتحدّث عنه. المجتمعون أسهبوا في حديث النظريّات، حتّى أن الوزير في كلمته كشَف سرّاً، إذ قال: "الاضطرابات النفسيّة منتشرة أكثر بكثير ممّا يعتقد معظم الناس". لم نكن نعلم. شكراً للمعلومة. إطلاق الوعود جزء مِن طبيعة عمل الوزراء. لم يكسر وزيرنا القاعدة: "اعتباراً مِن عام 2018 ستبدأ الوزراة بتغطية الصحّة النفسيّة كجزء مِن مشروع التغطية الصحيّة الشاملة". يكفي أن تتحقّق هذه التغطية الشاملة، يا معالي الوزير، ولو مِن غير تغطية الصحّة النفسيّة، حتّى تنخفض تلقائيّاً نسبة الكآبة في لبنان. هل يَعلم المجتمعون مِن أجل الصحّة النفسيّة، أنّ توجّه المواطن إلى الإدارة في وزارة الصحّة، مثلاً، لإجراء معاملة تغطيّة عمليّة جراحيّة ما، يكفي وحده لأن يُصاب بالكآبة؟ البيروقراطيّة الإداريّة العامة، ومِنها التي في وزارة الصحّة، هي وحدها مرض نفسي. هل يَقبل الوزير، غسان حاصباني، أن يُشاهد تجربة واقعيّة؟ هل يُمكنه، لمرّة واحدة، أن يُموّه شخصيّته قليلاً، في لباسه ومظهره، ثمّ يُرافقنا كمواطنين "عاديين" في رحلة إنجاز "معاملة الوزارة" مِن الألف إلى الياء؟ يُمكن للسيّدة غبريال ريدنر أن تُرافقنا أيضاً. لا بأس. لكن، في إشارة شَرطيّة، نُحذّر وزارة الصحّة أنّنا غير مسؤولين عن أيّ ضرر نفسي يُمكن أن يُصيب الوزير بعد انتهاء الجولة. إنجاز المُعاملة "يؤدّي إلى أمراض خطيرة ومميتة".


يكفي أن تتحقّق هذه التغطية الصحية الشاملة، يا معالي الوزير، حتّى تنخفض تلقائيّاً نسبة الكآبة في لبنان

تحدّث حاصباني، في كلمته، عن "العامل الأساسي" لعدم وصول الذين يُعانون الاضطراب النفسي إلى الرعاية اللازمة، وهو: "الوصمة المُرتبطة بالصحّة النفسيّة". هذه ينقلها عن تقرير المنظّمة العالميّة السنوي. هذا تفصيل. فات الوزير أنّنا في بلادنا لا نملك، الآن، ترف الغوص في تحليلات سيكولوجيّة - سوسيولوجيّة، فالأولى أن نتمّكن، كمواطنين، مِن إنجاز معاملة إداريّة مِن غير أن نُهان ونُذلّ ونفقد كرامتنا الإنسانيّة. يُمكن للأولويّة، عليه كمسؤول، أن تبدأ مِن ألا نموت على أبواب المستشفيات، التي تطردنا، لأنّنا لا نملك ما يكفي مِن المال. هل نعدّ كلّ أسباب الكآبة المسؤولة عنها الحكومة (الحكومات) في لبنان؟ لسنا في السويد ولا النرويج، مثلاً، حتّى نتحدّث عن أسباب "وجوديّة" للكآبة. ليس "سؤال المعنى" هو ما يشغل عموم الناس، كمنطلق، في بلادنا. هذه، عندما توجد عندنا، فهي حالات فرديّة. ما لدينا ليس تلك "المالينخوليا" التي وصفها فيكتور هيغو يوماً بأنّها "حالة السعادة بأن تكون حزيناً". هنا نريد أن نحيا بأقلّ قدر مِن الذل الاجتماعي. هكذا فقط. منظّمة الصحّة العالميّة نفسها تنقل، في مقال مطلع العام الجاري، أنّ "الذين عانوا مِن أحداث حياتيّة صعبة، كالبطالة والفقر وأحداث الحياة، أكثر تعرّضاً للاكتئاب". وفي مقابلة مع الدكتور فيكرام باتل، أجرتها معه مجلّة المنظّمة العالميّة نفسها، والتي وصفته بالرائد في توفير الرعاية الصحيّة النفسيّة، يقول: "تُبيّن الأدبيّات العالميّة المتعلّقة بالاكتئاب، مِن خلال استقراء حالات مئات الملايين مِن الناس في جميع أنحاء العالم، أنّ عوامل الخطر الشائعة ترتبط بالتهميش الاجتماعي والحرمان، مثل انخفاض مستوى التعليم، وفقدان الوظيفة، والاستدانة، والاستبعاد الاجتماعي، أو التهميش والعنف". مَن يُسبب هذا للناس أكثر مِن الحكومات؟ ثم تأتي الحكومات لتعالجنا! خفّف مِن الفساد، اللامعقول، فتضاءل الحاجة إلى برامج رعاية نفسيّة. أليست بديهية!
مدير المنظمّة لإقليم شرق المتوسّط، محمود فكري، ذكر في كلمته أنّ اختيار لبنان للاحتفال الإقليمي بيوم الصحّة العالمي "يعود إلى أنّه مِن البلدان التي قطعت أشواطاً كبيرة في تعزيز خدمات الرعاية الصحيّة النفسيّة". غريب! أين يعيش فكري؟ في الإمارات العربيّة المتّحدة. هذه هي. يبدو أن علينا إشراكه في الجولة الميدانيّة إيّاها، بعيداً عن التقارير التي تُرسل إليه، أو نستخدم معه آلة الزمن لنعود إلى الوراء قليلاً فنجول سويّاً بين أكوام النفايات في شوارع بيروت. بالمناسبة، ربّما تكون النظرة "الكلاس" إلى اللبنانين، مِن الخارج، أحد أسباب زيادة كآبتهم، نظراً إلى معاناتهم في المجهود المبذول منهم لترقيع صورتهم. هذا الانفصام الرهيب. هذه وحدها آفة كآبة مرضيّة تحتاج إلى تحليل.