لم تكن العلاقة بين النائب وليد جنبلاط والرئيس سعد الحريري يوماً بهذا السوء. مع أن جنبلاط مرّةً، وتحت تأثير «القمصان السود»، سار خلف حكومة يرأسها نجيب ميقاتي ومنح ثقته لها، إلّا أن «البيك» كان دائماً السند للحريرية السياسية، في مرحلة الرئيس الراحل رفيق الحريري، ومن بعده ابنه سعد، كرأس حربة لقوى 14 آذار.


كيف وصلت الحال بوليد جنبلاط ليقول إنه لا حليف له سوى الرئيس نبيه بري؟ لا يهمّ، المهمّ أن الحريري نفسه اختار التخلّي عن تحالف استراتيجي مع جنبلاط، مستعيضاً عنه بانسياق خلف الرئيس ميشال عون، وانسياق مستشاره نادر الحريري مع الوزير جبران باسيل، حتى كاد الاشتراكيون وآخرون في عين التينة يخطئون باسمه، معتقدين أنه الرئيس شفيق الوزّان في زمانه.
وربّما كانت الرسالة الاشتراكية الواضحة للحريري قبل باسيل، أن «لا أحد يفاوض عنّا ولا أحد يفاوض علينا»، وراء اللقاء بين باسيل والوزير غازي العريضي، ثمّ زيارة باسيل لكليمنصو، قبل أن ينضمّ العريضي إلى لقاء في وزارة الخارجية أمس (ضم إليه باسيل والنائبين ألان عون وجورج عدوان، والحاج حسين الخليل ونادر الحريري). ولم يلمس الاشتراكيون خلال لقاء أمس أيّ تحوّل في موقف الحريري، سوى وقوفه أكثر فأكثر خلف باسيل وتشدّده حيال «القانون التأهيلي»، ومساهمته في محاولة انتزاع ما يعتبره الاشتراكيون حقّاً مكتسباً لطائفة الموحّدين الدروز برئاسة مجلس الشيوخ المفترض. بالنسبة إلى الاشتراكيين وغيرهم، موقف الحريري «غير مفهوم وغير مبرّر» تجاه الحزب التقدمي الاشتراكي، حتى وإن كانت غاية الحريري تحييد نفسه عن المواجهة مع باسيل، علّ المواجهة تستعر بين عون وبرّي وحزب الله وجنبلاط، فيبقى تيار المستقبل محيّداً. إلّا أن هؤلاء لا يذكرون سوى حكاية «أُكلت يوم أكل الثور الأبيض». ولم ينسَ العريضي أمس تذكير المجتمعين بأن الاشتراكي، في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الثانية، تحفّظ على طرح النسبية لأن تيار المستقبل غير موافق عليه، فيما يترك الحريري الاشتراكيين وحدهم في مواجهة باسيل.


يتّهم الاشتراكيون الحريري بالتخلّي عن تحالفه مع جنبلاط والانسياق خلف عون




ومع أن برّي، الحليف الوحيد لجنبلاط الآن، هو صاحب طرح تشكيل مجلس الشيوخ بالتوازي مع قانون الانتخاب، إلّا أن ما يثير اعتراض الاشتراكيين هو «التحريف الدائم» لطروحات بري من قبل باسيل. فمثلاً، عندما طرح برّي «القانون التأهيلي» ووضع عتبة ترشّح نسبية لتخفيف قلق التيار الوطني الحرّ من وصول مرشّحين لا يحظون بأي تأييد داخل طوائفهم، عمل باسيل على تحريف القانون، محوّلاً إيّاه إلى قانون يحصر المرشّحين باثنين، أي الذين يمثّلون عصب الطوائف. وكذلك الأمر بالنسبة إلى طرح مجلس الشيوخ، الذي طرحه رئيس المجلس من زاوية تخفيف سموم العصبية الطائفية والمذهبية في قانون الانتخاب وحصرها في مجلس الشيوخ. وبدل ذلك، «حوّل باسيل ومعه الحريري طرح مجلس الشيوخ من «سجن» للطائفية، إلى مادة للمزايدة والتفاوض، تستهدف في المقام الأول الوجدان الذي نشأ عند الدروز منذ اتفاق الطائف، بعد أن جرى التوصّل خلال مداولات اتفاق ما بعد الحرب على منح رئاسة المجلس لطائفة الموحدين الدروز، كدليل على إشراكهم في رئاسات النظام السياسي، الموزّعة بين المسيحيين والسنّة والشيعة»، فيما تؤكد مصادر التيار الوطني الحر أن القوى التي تفاوضه على قانون للانتخاب وافقت على أن يكون رئيس مجلس الشيوخ مسيحياً.
وبقدر ما هو تحوّل الحريري مستفزّاً، تستنفر الجنبلاطيين محاولات باسيل فرض قانون انتخاب من خارج التوافق. فهؤلاء لا يجدون مبرّراً لمحاولات التصويب الدائمة عليهم من قبل التيار الوطني الحر، و«كأن هناك من يظنّ أن باستطاعته أن يستثني طائفة بعينها، أو الحزب التقدمي الاشتراكي تحديداً». نسي باسيل أن جنبلاط منح أصواته لعون (في انتخابات رئاسة الجمهورية) من دون مقابل، خلافاً لرغبته وهرباً من القول إن جنبلاط يقف في وجه خيارات المسيحيين، وأن رئيس الاشتراكي أوعز إلى مسؤوليه، منذ ما قبل انتخاب عون، بفتح صفحة جديدة مع التيار، طالباً منهم التعاون الكامل مع العونيين في الشوف وعاليه. حتى في مرحلة ما قبل تولّي عون الرئاسة، كان جنبلاط أكثر الداعمين لوصول العميد شامل روكز إلى قيادة الجيش، وهو عاتب الحريري مراراً على رفضه وصول صهر عون إلى قيادة الجيش. أمّا في مرحلة الإعداد لذكرى اغتيال كمال جنبلاط الأخيرة، فحرص جنبلاط على العمل خلال الأسبوعين السابقين للاحتفال على التأكد شخصيّاً من أن سير المواكب والتجمّعات الاشتراكية لن تستفزّ المسيحيين في الشوف، كما عمل في مرحلة الانتخابات البلدية على منح المسيحيين ما يطلبونه في البلديات، في الشوف وعاليه، لا سيّما في بلديات الغرب الأعلى، التي تابع ملفّها العريضي شخصيّاً. حتى في الخدمات في الوزارات التي تسلّمها الاشتراكيون، نال العونيون ما طلبوه وأكثر، إن في وزارة الأشغال أو في وزارة الصحة. ومن المؤكّد أن عون لم ينسَ حين طلب من الوزير وائل أبو فاعور أن يخالف القانون لحلّ أزمة مستشفى البوار الحكومي، ونفّذ أبو فاعور إكراماً له. ويسأل الاشتراكيون: «لماذا استفزازنا بما هو حقٌ لنا؟»، علماً بأن مصادر نيابية اشتراكية أكّدت لـ«الأخبار» أن «الحزب الاشتراكي لا يريد فتح ملفّ مجلس الشيوخ الآن، وأبلغنا حتى حليفنا الرئيس بري بذلك، لأن هذه المسألة مرتبطة بسلّة واحدة هي تطبيق الطائف وإلغاء الطائفية السياسية وتشكيل مجلس نواب وطني»، معتبرةً أن «الطرح الآن بهذه الصيغة هدفه التوتير ووضع المسيحيين في مواجهة الدروز من دون سبب».

اجتماع الخارجية «عقيم»

على الرغم من الرفض الكلّي من قبل بري وجنبلاط للقانون «التأهيلي»، إلّا أن القانون كان حاضراً في اجتماع أمس، مع تصدّر مشروع النسبية الذي طرحه برّي، إلى جانب النقاش حول ما إذا كان البحث في تشكيل مجلس شيوخ يسير بالتوازي مع قانون الانتخاب أو يتمّ الفصل بين المسألتين. وأسهم غياب الوزير علي حسن خليل عن الاجتماع، الذي ربّما كان مشغولاً أو «تَشَاغل»، في تظهير موقف الرئيس بري المعترض، بعد أن كان بريّ قد تلقّى أول من أمس إشارات إيجابية بعد لقاء الحريري مع عون. لكنّ الإيجابية سرعان ما تلاشت مع تصريحات لباسيل اعتبرها رئيس المجلس سلبية.

اجتماع الخارجية أمس لم
يحقّق أيّ اختراق بعد عودة النقاش إلى «التأهيلي»


غياب وزير المال عن الاجتماع عوّضه حضور العريضي الذي زار عين التينة أمس، واضعاً برّي في أجواء الاجتماع. وأكّد أكثر من مصدر شارك في اجتماع الخارجية أمس أنه لم يتمّ التوصّل إلى أي اتفاق ولم يحدّد اجتماع مقبل. ففي حين كان هدف برّي من طرح تشكيل مجلس الشيوخ المساعدة للوصول إلى قانون انتخاب على أساس نسبي وتخفيف حدّة الطائفية فيه، لا يزال باسيل ومعه الحريري يطالبان بالقانون «التأهيلي»، ومعه تشكيل مجلس الشيوخ، بما يفرّغ الخطوة من معناها. وقالت المصادر إن «العريضي سأل الحاضرين إن كان خيار التصويت على قانون الانتخاب لا يزال مطروحاً أم أن الأمر سيتمّ بالتوافق»، فردّ النائب ألان عون بأن «الأمر يجب أن يتمّ بالتوافق لكن التصويت خيار مطروح». وبعد أن ذكّر العريضي بأن قانون الانتخاب أمر مصيري ويجب أن يتمّ بالتوافق، قال عون: «كنتم ذاهبون إلى التمديد من دون توافق»، وتدخّل بعدها المعاون السياسي للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الحاج حسين الخليل، مؤكّداً أن «قانون الانتخاب أمر كبير لا يجوز أن يحصل عليه شرخ وطني».
ولخّصت مصادر مشاركة نتيجة المشاورات بأن «أول نتيجة هي سقوط جلسة التمديد، أما النتيجة الثانية فهي أن الجميع باتوا أمام حتمية التوصل إلى قانون انتخاب، لأن الفرص بدأت تضيق». هذا في ما يُرتجى من الاجتماع. أما في الوقائع، فبعد الإيجابية التي ظهرت نتيجة قبول جميع القوى بمشروع الرئيس بري القائم على إنشاء مجلس شيوخ وإقرار قانون اانتخابات النيابية وفق النظام النسبي، عاد «التأهيلي» من بوابة التيارين، المستقبل والوطني الحر، لتعود الازمة إلى مربعها الأول، ولتصبح البلاد أمام أربعة خيارات: الاتفاق على مشروع بري، إقرار «التأهيل الطائفي»، التمديد (بقانون أو بالعودة إلى «الستين»)، أو الفراغ. وفي الخيارات الثلاثة الأخيرة، أزمة وطنية كبرى.