في خلال الدورات الانتخابية السابقة، شكّلت مجدل عنجر خزاناً أساسياً لتيار المستقبل. كان ذلك قبل أن يُقرّر التيار الأزرق «هجرة» إحدى أهمّ قرى البقاع الأوسط، في سياق انحداره في مختلف مناطق نفوذه، نتيجة أزماته السياسية والمالية منذ عام 2009. تردّت حالة «المستقبل»، الذي لا يملك مكتباً في المجدل، وعدد المنتمين إليه (حاملي البطاقات) لا يتعدّى 70 شخصاً، «ولم يحضر إلى أحد الاجتماعات أكثر من 7 أشخاص»، بحسب مصادر محلية.


غياب الخطاب السياسي لدى تيار المستقبل، وتقديم «التنازلات» مرّات عديدة إلى فريق 8 آذار، مهّدا الطريق أمام الوزير السابق أشرف ريفي. الأخير آتٍ إلى البقاع على صهوة فوزه البلدي في طرابلس. صوته عالٍ وخطابه يشدّ العصب، ولو أنّه لا يزال جعجعة بلا طحين. لو لم يجد ريفي موطئ قدمٍ له في البقاع، وارثاً إلى حدّ ما «الحالة الأسيرية»، لما تمكن قبل قرابة عشرة أيام من فتح مكتبٍ في مجدل عنجر. وهو الدليل الحسي الأول على وجوده خارج الشمال. اختار ريفي مجدل عنجر التي لا يتعدّى وجوده فيها إطار عدد من الشباب المتحمسين و«الحردانين» من «المستقبل»، على العكس من سعدنايل أو قبّ الياس. فكان المكتب جسّ نبض ورسالة استفزاز إلى آل الحريري في عُقر دارهم.


الهدف من إقفال مكتب ريفي، قطع الطريق أمام امتداده إلى بقية البلديات


بعد قرابة الأسبوعين على «همروجة» الكاراجين اللذين تحولا إلى مكتب لريفي، تؤكد بلدية مجدل عنجر أنّ المكتب أُقفل. ولكن، الصور لا تزال مرفوعة. تقول مصادر ريفي المحلية إنّ «المكتب بقي ملكاً لنا، ولكنه لا يُستعمل». وعلى صفحة قطاع الشباب على «فايسبوك»، إصرارٌ على أنّ المكتب «باقٍ ما دام فينا وفاء لدماء الشهداء في ثورة الأرز». في حين أنّ مصادر على تواصل مع كلّ القوى في مجدل عنجر ترى أنّ «همروجة الفايسبوك لا تعكس الواقع. وقد حصل اجتماع ضمّ فعاليات في البلدة والمسؤولين عن المكتب، أكد هؤلاء في خلاله انتهاء حركتهم».
يؤكد رئيس البلدية سعيد ياسين، في لقاء مع «الأخبار» أنّه لن يسمح «بخطاب طائفي أو مذهبي من مجدل عنجر». إقفال مكتب ريفي أتى بعد اتصال ياسين به، وبعد أن طلبت منه قيادات «المستقبل» في بيروت التحرّك. وعلمت «الأخبار» أنّ ياسين أكد لريفي «كما أنّ من غير المسموح لحزب البعث أو المرابطون أو سرايا المقاومة افتتاح مكاتب، لا يُسمح لك أيضاً بذلك». امتعض اللواء، وفق المصادر، من تشبيهه بقوى 8 آذار السياسية، فأوضح ياسين أنّ «فتح المكتب سيُعطي الآخرين مبرراً ليقوموا بالأمر نفسه». بنبرةٍ عالية، هدّد رئيس البلدية أنّه «أمام أي محاولة استفزاز في البلدة، توقّع بياناً من كل الفعاليات في المجدل ضدّك. المكتب يتناقض مع حالة الاستقرار التي نعمل لأجلها، ولا نريد له أن يكون محضر استفزاز وفتنة بين الأهالي». على ذمّة المصادر، حاول ريفي إقناع ياسين بأنّ المكتب خطوة فردية وتُعبّر عن خيار الأهالي، قبل أن يُسلّم بـ«احترام رغبة مجدل عنجر».
لا يُنكر ياسين ما تقدّم، بل يزيد بأنّ «كلامي لريفي كان واضحاً بأنني لن أسمح باستغلال اسم مجدل عنجر وتاريخها من أي طرف. أعتقد أنّ اللواء فهم الرسالة بشكل صريح». واضحٌ أنّ ياسين ينظر بعين الريبة إلى الخطاب الذي يُمثله ريفي، فبعد أن «خطونا خطوات جبارة في الملف الأمني، لن أسمح تحت أي ظرف بالعودة إلى الوراء أو بخطابات شعبوية تُضر بمصلحة البلدة».
يتحدّث البعض عن أنّ الهوية السياسية لمجدل عنجر «ضائعة»، بعد أفول نجم معظم الأحزاب وانتهاء نغمة «عاصمة تيار المستقبل». أحد الأدلّة على ذلك، صمت التيار الأزرق بعد فتح مكتب ريفي وانتظار ياسين حتى يتحرّك. الجواب الذي يُقدّمه الأخير يؤكد في شق منه أنّه لا مرجعية سياسية في مجدل عنجر، فيقول إنّه «لا يتوهم أحد من الأحزاب أنّ له حجماً في البلدة. شرفاء المجدل يحدّدون الأحجام». ولكنه لا يلبث أن يعيد تقديم البيعة لتيار المستقبل، «الهوية السياسية محسومة لأننا من دعاة العيش المشترك».
الهدف من إقفال مكتب ريفي هو قطع الطريق أمام امتداده إلى بقية البلديات البقاعية. كذلك فإنها رسالة إلى كلّ القوى السياسية بأنّ مرجعية مجدل عنجر هي تيار المستقبل، رغم تراجعه الحادّ في الشارع. بغياب فعالية منسقية تيار الأزرق، تلعب البلدية هذا الدور، بما تُمثله من قوة محلية تُسيطر على مصالح الناس. إضافة إلى وجود سعيد ياسين الذي يحاول استقطاب المستقبليين «الحردانين» بفضل تاريخ عائلته والعنصر المادي. وهو يستفيد من علاقاته مع القادة الأمنيين والسياسيين ليُزكّي أسماء أشخاصٍ في التعيينات الإدارية. سلّف ياسين المستقبل إقفال مكتب ريفي، من دون أن يكون له حساب مع التيار، الذي وقف على الحياد في خلال الانتخابات البلدية، ورفض تعيين ياسين عضواً في المكتب السياسي. ياسين الذي توجّه غداة انتخابه إلى ضريح الرئيس رفيق الحريري لقراءة الفاتحة وإهدائه الفوز، يُدرك «أنني حاجة إلى المستقبل». يعني ذلك أنّه لا يُمكن تخطي ياسين في خلال الانتخابات النيابية، وإلّا فنسبة الأصوات المشتتة سترتفع. وبصرف النظر عمّا إذا كانت خطوة افتتاح المكتب جديّة أو لا، لكنها أظهرت أنّ «المستقبل» مناطقياً عاجز أمام مواجهة ريفي الجاهز للمنافسة.