لا يفقد البعض الامل في الاتفاق على قانون جديد للانتخاب بعدما اضحت المهلة مفتوحة الى 19 حزيران، اليوم الاخير في ولاية مجلس النواب، ولم يتبقَ منها سوى 40 يوماً. البعض الآخر يكاد يجزم بأن لا مناص من العودة الى القانون النافذ منذ عام 2008. تلتقي الاراء عند قاسم مشترك مزدوج: لا فراغ حتماً في السلطة الاشتراعية، لكن ايضاً لا تمديد بعد اليوم طويل الامد. على ان لا تمديد تقنياً لثلاثة او اربعة اشهر ما لم يقترن بالاتفاق على القانون الجديد.


بيد ان المشكلة التي باتت تدور على نفسها: في ظل استمرار تعثر التفاهم على القانون الجديد، كيف يصح تفادي الفراغ في البرلمان، وتالياً المحافظة على بقائه في مرحلة انتقالية موقتة تسبق الانتخابات المؤجلة يغطيها التمديد التقني؟
في الاسبوعين الاخيرين فتح، للمرة الاولى، باب مناقشة المادتين 25 و74 من الدستور، في معرض مقاربة الانتخابات النيابية، وقد تيقن الجميع من اخفاق الوظيفة التي استخدم من اجلها رئيس الجمهورية ميشال عون المادة 59، وهي الفسح في المجال امام اتفاق الافرقاء على قانون جديد للانتخاب في مدة الشهر التي طلب من مجلس النواب التوقف عن الالتئام خلالها. ينقضي الشهر (13 نيسان ــــ 13 ايار) الاسبوع المقبل من دون ان تكون اثمرت المادة 59، ولا بدا ان استخدامها النادر أشعر الافرقاء بعبء المشكلة. بل مرت كأنها لم تمر أبداً، ولم تستخدم حتى، ما خلا نتيجة واحدة ليست قليلة الأهمية في اي حال، إلا أنها لم تنقذ البلاد من المأزق: أعطب استخدام المادة 59 تمديد الولاية سنة كاملة، ثم اتى ادراج مجلس الوزراء في محضر جلسة الخميس الفائت اجماعه على رفض تمديد يتجاوز الحاجة التقنية.


في ظل تعذر الاتفاق
على قانون جديد كيف يصح تفادي الفراغ؟


في الاسبوعين الاخيرين توسّع الجدل في احتمال استخدام الرئيس المادتين 25 و74 من الدستور لتفادي الفراغ. مؤداهما اجراء الانتخابات النيابية وفق القانون النافذ، قانون الدوحة (2008)، متى تواصل تعذّر التوافق على آخر جديد. لكن المهم ان تطبيق المادتين 25 و74 يحول دون الحاجة الى دور مجلس النواب، بل الاستغناء عنه حتى، لعدم تطلّب تمديد المهل والتمديد التقني. اذ تنطلق المادتان من حاجة استثنائية هي الفراغ لا تعوز دوراً للمجلس، ما يفترض ايضاً عدم الحاجة الى اصدار مرسوم عقد استثنائي بعد 31 ايار.
لم تعتد جمهورية ما بعد اتفاق الطائف على عبارة حلّ مجلس النواب، ولم يُلجأ الى المادة 55، المعدلة في تسوية الطائف، مرة منذ اقرار الاصلاحات السياسية والدستورية. مع ذلك حصل حلّ للمجلس على نحو ملتوٍ مخفي لغرض ملتبس، هو فرض الانتخابات النيابية عام 1992، حينما قُصّرت ولاية المجلس الممددة للمرة الثامنة (اربع سنوات) حتى 31 كانون الاول 1994. قصّرتها حكومة الرئيس رشيد الصلح ودعت الى انتخابات جديدة، فسلّم البرلمان بما قرّرته سوريا، ولم يكن كله طائعاً بين يديها. يومذاك ادرجت حكومة الصلح تقصير الولاية في متن مشروع قانون الانتخاب، في المادة الثامنة منه، اذ اعتبرتها منتهية في 15 تشرين الاول 1992 ــــ موعد انتهاء العمليات الانتخابية ــــ بدلا من 31 كانون الاول 1994.
كانت تلك المرة الوحيدة منذ اتفاق الطائف يجري فيها حلّ المجلس. مذذاك بات من المتعذّر القول بمحاولة ثانية لسبب مباشر هو اجراء انتخابات نيابية عامة، او لسبب مغاير تناولته المادتان 65 و77. ولأن المجلس على صورة الحكومة، لم يعد من السهل حلّه، او التفكير في خيار كهذا حتى. علماً ان البلاد خبرت بين عامي 1947 و1964 اربع حالات حلّ مجلس النواب في عهود ثلاثة رؤساء هم بشارة الخوري (برلمان 1943)، كميل شمعون (برلمان 1951)، فؤاد شهاب (برلمانا 1957 و1960).
الكلام الدائر اليوم عن حل مجلس النواب لا يستند الى المادة 55 المعنية بهذا الاجراء، بل الى المادة الاخرى المكملة لها، وهي المادة 25 التي تشترط توجيه دعوة الى انتخابات نيابية جديدة على ان يصير الى اجرائها خلال ثلاثة اشهر. ذلك ان مضمون المادتين 55 و25 يتكامل احدها مع الآخر في تحديد آلية الحلّ، في حين ان الشائع الآن يتناول المادة 25 دون المادة 55، ولا يتحدث عن حلّ المجلس الذي تحدد آليته الصارمة المادة 55، بل من خلال مادة اخرى لا علاقة لها بالحلّ هي المادة 74 ذات الاختصاص المختلف، المرتبط بشغور رئاسة الجمهورية لا بانتهاء الولاية القانونية لمجلس النواب.
تلزم المادة 74 التي تقع في باب انتخاب رئيس الجمهورية، الحكومة التي تتولى صلاحيات الرئيس في حال شغور المنصب لأي علة، الدعوة الى انتخابات نيابية عامة متى صدف الشغور الرئاسي مع برلمان منحل ـ اي صدور قرار سابق بحلّه ـ على ان يسارع المجلس المنتخب الى انتخاب رئيس الجمهورية بملء الشغور الرئاسي بعد ملء الفراغ الاشتراعي. على ان ذلك يفترض دخول البرلمان في فلك الفراغ اولاً.
ليس في المادة 74 صلة رحم بواقع المأزق الحالي: لا شغور في الرئاسة بل رئاسة فائضة القوة. ليس ثمة برلمان صدر مرسوم حلّه بل مجلس يوشك على انتهاء ولايته القانونية من غير ان تتمكن الحكومة من دعوة الهيئات الناخبة الى انتخابات جديدة تتفادى الفراغ الوافد.
في التفسير غير المقنع وغير المبرّر للقائلين بالاحتكام الى المادتين 25 و74 دونما التفكير في المادة 55 ــــ وبالتأكيد دون المقدرة الفعلية على الوصول اليها ــــ ان انتهاء ولاية المجلس ودخوله في الفراغ يماثل مرسوم الحلّ ويجعل السلطة الاشتراعية فعلاً خارج الولاية القانونية، ما يحتم الدعوة الى انتخابات فورية خلال ثلاثة اشهر.
على ان التقاطع الذي يلمح اليه القائلون بهذا الرأي يكمن في مسألة جوهرية، هي الذهاب الى اجراء انتخابات نيابية وفق القانون النافذ.
ما دامت الطريق الاقصر الى اجراء الانتخابات هي التسليم بالقانون الحالي، لا حاجة اذذاك الى التمرّن على مادتين دستوريتين لا مكان لهما في الاستحقاق الحالي المعلق.