كرة الأزمة تكبر يوماً بعد آخر. لا حلّ يلوح في الأفق، ولا حَكَم يخفّف حدة التوتر بين المتنازعين، أو يجمعهم إلى طاولة للمفاوضات، أو يفرض عليهم الحل. البلاد متروكة لتسير طوعاً نحو أزمة دستورية وسياسية، إلى درجة أن إجراء الانتخابات وفق قانون الستين بات أهون الشرور! إلى هذا الحد تزداد الأمور تعقيداً.


ورغم موقف الرئيس نبيه بري وحزب الله والحزب التقدمي الاشتراكي الرافض لإقرار مشروع قانون الانتخابات بالتصويت في مجلس الوزراء، لا يزال التيار الوطني الحر متمسكاً بهذا الخيار. وبعدما أبلغ الرئيس سعد الحريري من التقوا به أخيراً أنه سيدعم خيار التصويت، علمت «الأخبار» أنّ مدير مكتبه، نادر الحريري، أبلغ الوزير علي حسن خليل أمس أن تيار المستقبل لن يوافق على إقرار مشروع القانون في مجلس الوزراء بالتصويت، وأنه لا يزال متمسكاً بالتوافق. وكان الرئيس نبيه برّي قد أكّد أنه لن يعرض على الهيئة العامة لمجلس النواب أي مشروع قانون للانتخابات لا يحظى بالتوافق. وفضلاً عن ذلك، سرّبت مصادر عين التينة معلومات تشير إلى أن وزراء حركة أمل سيستقيلون من الحكومة في حال وقوع البلاد في الفراغ النيابي. ويعني ذلك، حكماً، استقالة وزراء حزب الله والحزب التقدمي الاشتراكي وباقي وزراء 8 آذار (المردة والقومي والوزير طلال أرسلان)، ما ينقل الفراغ أيضاً إلى مجلس الوزراء، ربطاً بفقدانه «الميثاقية». ويجري التلويح بإمكان التصويت في مجلس النواب على مشروع قانون الانتخابات الذي أعدته حكومة الرئيس نجيب ميقاتي (النسبية في 13 دائرة)، رداً على إمكان التصويت في مجلس الوزراء على مشروع قانون التأهيل الطائفي. وتجدر الإشارة إلى أمرين: الأول أن الحكومة لن تصوّت غداً على مشروع قانون للانتخاب؛ والثاني أن في يد رئيس الحكومة صلاحية سحب مشروع حكومة ميقاتي من مجلس النواب بحجة تعديله أو إعادة دراسته. وكل هذه السيناريوهات لا تعبّر عن موازين قوى سياسية ودستورية، بقدر تعبيرها عن عمق الأزمة التي وصلت إليها البلاد، فيما لا يزال عدد من القوى السياسية ينتظر تدخّل رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لحسم الخلافات، وإعادة تصويب المسار.


جعجع يلوّح بعدم معارضة التمديد في حال عدم الاتفاق على قانون للانتخابات


ولم يعد الانقسام حكراً على قانون الانتخاب. يكاد كل يوم يحمل جديداً. وآخر ما ظهر، الخلاف بشأن خطة الكهرباء التي وضعها الوزير سيزار أبو خليل، ووافق عليها مجلس الوزراء «مع بعض الشروط». وهنا يبرز التباعد الكبير بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية التي أخذت على عاتقها «إفشال» مشروع حليفها، أو على الأقل، رفع لواء التصدي له. ولهذه الغاية، يعقد وزراء القوات الثلاثة (غسان حاصباني وملحم الرياشي وبيار أبو عاصي) والوزير ميشال فرعون مؤتمراً صحافياً في وزارة الإعلام اليوم، بهدف إعلان رفض خطة أبو خليل التي ستكلّف الخزينة أكثر من ملياري دولار. وفيما يدافع أنصار الخطة عنها بالقول إنها «خطة طوارئ» لمنع تدهور أوضاع قطاع الكهرباء في أشهر الذروة صيفاً، يطالب معارضوها بأن تجري المناقصات عبر إدارة المناقصات من جهة، ويرون أنّ المبلغ الهائل الذي سيُنفَق لاستئجار بواخر لإنتاج الكهرباء لمدة خمس سنوات كافٍ لبناء معامل تدوم لثلاثين عاماً، وتسدّ عجز الطاقة في لبنان (راجع صفحة 8). وكان رئيس حزب القوات سمير جعجع، قد شنّ هجوماً على خطة الكهرباء، في مقابلة مع صحيفة «الشرق الأوسط» السعودية قبل يومين. ورغم أنه رفض منح هذا الافتراق عن التيار أي بُعد سياسي، إلا أن المقابلة نفسها حملت إشارة ذات أبعاد متعددة. ورداً على سؤال عن موقفه من التمديد «التقني» في حال الوصول إلى يوم 19 حزيران من دون الاتفاق على قانون جديد، لم يكرر جعجع موقفه الرافض للتمديد، إذ قال: «إذا وصلنا إلى 19 حزيران ولم يكن هناك قانون واضح لا يمكنني أن أقول لك ماذا سيكون موقفنا، لكن قناعتي الذاتية أننا سنصل إلى قانون انتخاب».
ورغم أن الموقفين سياسيّان بصورة فاقعة، تصرّ مصادر القوات على وضعهما في الخانة «التقنية». وبحسب المصادر، سيُركز وزراء القوات على «طلب العودة إلى مجلس الوزراء في تنفيذ كلّ مراحل خطة الكهرباء، واعتماد الشفافية في المناقصة وعرضها على إدارة المناقصات». وتقول المصادر إنّ «هدفنا التزام القانون واعتماد الشفافية حرصاً منا على العهد والمرحلة الجديدة، ولإبعاد الشبهات بالفساد التي يحاول البعض إلصاقها بالعهد وبالحكومة». أما في مجلس الوزراء غداً، «وإذا لم يتم الأخذ برأينا، فسيكون لنا موقف من ذلك ونُعارض بشكل واضح. كفريق شريك في هذه الحكومة لا يُمكننا أن نعطي الغطاء لمسألة لا تُعتمد فيها الآليات القانونية». إلا أنّ ذلك لن يؤدي إلى قطيعة سياسية، وفق مصادر القوات، إذ «سنتعامل مع الملفات على القطعة».
وفي ملف قانون الانتخاب، تقول مصادر القوات إنّ البحث «دخل مرحلة جديدة تتعلق في البحث في دوائر النسبية الكاملة. بالنسبة إلينا النقاش يبدأ وينتهي من 15 دائرة مع أن يكون الصوت التفضيلي طائفياً أو ضمن القضاء». والقوات في الوقت نفسه «منفتحة على طرح الرئيس نبيه بري (مجلسَي نواب وشيوخ). طبعاً لدينا ملاحظاتنا عليه في ما يتعلق بتقسيمات دوائر النسبية، ولكن كسلة متكاملة يستحق الدراسة، وإذا تمكنا من إقراره نكون أمام فرصة تاريخية». في المقابل، لا يزال التيار الوطني الحر متمسكاً برفض النسبية، علماً بأن حزب الله سبق أن أبلغه بأنه يقبل بأن يكون الصوت التفضيلي محصوراً بالقضاء!
من جهتها، قالت مصادر نيابية في الحزب التقدمي الاشتراكي إنّ «الأمور تزداد تعقيداً، والاتصالات متوقّفة والمهل باتت ضيّقة. والمحسوم الوحيد أنّ قانون الانتخاب المقبل لن يكون إلّا على أساس النسبية، وهناك رفض تام للقوانين الطائفية». وأشار المصدر إلى القانون الذي أرسلته حكومة الرئيس ميقاتي إلى المجلس النيابي، الذي يتضمّن النسبية على أساس 13 أو 15 دائرة، مشيرةً إلى أن القوى التي كانت ممثّلة في الحكومة وقتها وافقت عليه، ومن ضمنها التيار الوطني الحرّ، إلّا القوات والمستقبل اللذين كانا خارج حكومة ميقاتي. لكن مع ذلك، اليوم المستقبل والقوات يقولون إنهم مع النسبية، فما المانع من إقرار هذا القانون، نحن جاهزون لتدوير الزوايا». وسأل المصدر عن السبب وراء تحوّل موقف التيار الوطني الحرّ، لافتاً إلى مواقف الرئيس عون وتشديده مراراً وتكراراً في السابق على النسبية، «هل اكتشفوا أخيراً أن هذا القانون فيه إجحاف للمسيحيين؟ قبل الرئاسة لم يكن كذلك».
(الأخبار)