الى الصديق، رفيق النضال، بل «رفيق السلاح» حيث اجتمع في ساحة واحدة السيف والقلم وتلاحما، تماماً كما في النشيد الوطني «سيفنا والقلم»،

فخامة الرئيس العماد ميشال عون المحترم،
من عادتي ان «استكتب» أبناء الرؤساء رسائل الى آبائهم يبدون فيها آراءهم في الأوضاع السياسية في البلاد، ويصارحونهم في أمور كثيرة لا يجرؤ سواهم على البوح بها، وأنشرها في زاويتي الأسبوعية «في وضح النهار» في «قضايا النهار».

الا ان الامر اليوم مختلف لأننا في حضرة رئيس قائد أحببناه وشاركناه في مسيرته النضالية حتى ادراج قصر بعبدا، وآثرنا التوقف عندها محتفظين بمسافة بيننا وبين ساكنه عملاً بقاعدة سرنا عليها قرابة نصف قرن، وتقوم على المبدأ الآتي: اذا شئت ان تكون صادقاً ومنصفاً، فاترك مسافة بينك وبين الصديق عندما يصبح مسؤولاً. وطبقت هذه القاعدة، للمرة الاولى عندما تولى عميد «النهار» الاستاذ غسان تويني، رحمه الله، حقيبة التربية مطلع السبعينات من القرن الماضي.
موضوع هذا الكتاب، المسار الذي سلكته الى الآن مشاريع قوانين الانتخاب، والوقت الذي سحبته مشاريع التيار ومناوراته الانتخابية من رصيدك ووقتك، وآخرها الطلقة الوحيدة التي كانت في مسدسك وأفرغتها، وأعني بها المادة ٥٩ من الدستور التي لم تكن مضطراً لها، الامر الذي جعلك تبحث عن مواد اخرى في الدستور لعل اخطرها حل المجلس.
ولقد أهدرنا الكثير من الوقت الى درجة ان الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله رأى أن من واجبه تذكيرك بأن «الوطن أمانة في أيدينا جميعا، ولا يجوز ان تدفعوه الى الهاوية».
صحيح ان نصرالله لم يسمّ، الا انه كان واضحا: «انتهت المناورات» يا شباب، و«كل الأوراق ظهرت ولا يوجد شيء بعد لإخراجه». وهو حذّر، بل أنذر، جميع المناورين بوجوب الكف عن اللعب لأن «لبنان على حافة الهاوية»... ولا فائدة من اي ندم «بعد خراب البيت»!؟ وكاد ان يسمّي الأمور بأسمائها عندما قال ان التفاهم والتوافق ممكنان ولكنهما يحتاجان الى نفس طويل لا يتوافران لدى التيار الوطني الحر، صاحب المبادرات، كما لدى الأطراف الآخرين، مشيرا الى ان مقاربة قانون الانتخاب يجب ان تتم «من مصلحة وطنية، ليأتي المجلس وطنيا للبنان»، وليس طائفياً او مذهبياً، مفضّلاً النسبية كخيار حر لا يفرض على احد.
ماذا فعل نصرالله عندما استشعر خطر الانزلاق الى الهاوية؟ لم يقف مكتوف اليدين متفرّجاً، ولا اخترع البارود!
من يدري، ربما تناول كتابك «رؤيتي للبنان» الذي يضم مجموعة حوارات اجراها معك الصحافي الفرنسي فريدريك دومون عام ٢٠٠٧، ليستزيد معرفة بالقائد الشريف والشجاع الذي عقد معه تفاهماً استراتيجياً قبل 11 عاماً في كنيسة مار مخايل في الشياح.
جاء نصرالله ليقول لك: أوقف اللعبة يا فخامة الرئيس، وفي وسعك فعل ذلك لأن الامر لك في هذا الميدان، وأنت المبشِّر بنظام جديد للبنان مقتدياً، بحسب قولك، بـ«المسيح الثائر والمتمرّد الذي انتفض في وجه الظلم والواقعية المحدودة من كل نوع».
قرأ لك «ان إصلاح الحياة السياسية وانتظامها يفرضان الاعتماد على قانون عصري للانتخاب، قد تكون النسبية احد اشكاله الفعالة، بما يضمن صحة التمثيل الشعبي» ــــ وها انت من قالها وليس الرئيس نبيه بري ولا السيد نصرالله ــــ داعيا «الحكومة والبرلمان الى التزام اقصر المهل الزمنية لاقرار قانون الانتخاب المطلوب».
وربما قال نصرالله في قرارة نفسه: ما دمت يا جنرال مع «النسبية، باعتبارها الأكثر فاعلية»، فلماذا وقفت متفرجا على آلة تفقيس المشاريع لدى التيار، والتي وصف بعضها بأنه يثير النعرات الطائفية ويوقظ الحساسيات المذهبية في وقت نحن احوج ما نكون الى الوحدة والتضامن الوطنيين، علما انك ترى ان «تربية الأجيال على الالفة والوفاق، بعيدا من الخلافات والانشقاقات، تساعدنا على إلغاء الطائفية».
ولا يستبعد ان يكون تساءل، بعد كل هذا الكلام: هل تستحق «صحة التمثيل المسيحي» ان نهدد الوحدة الوطنية التي تؤمن بها «درع أمان لدرء المخاطر، لانها تقف سدا منيعا في وجه استغلال الفروقات بين اللبنانيين»؟
وبدا السيّد وكأنه يخاطب الرئيس محذّراً من ان خطراً يحدق بالسد، والويل ثم الويل اذا انفجر وأحدث طوفانا سيكون «البيت» أولى ضحاياه!؟
ونظنه يوافقك على انه لو جرت مصالحة حقيقية بين اللبنانيين، لما كنّا وصلنا الى حافة الهاوية، اذ ان ما جرى كان «مصالحة بالتكاذب احتفظ فيها كل لبناني بأحقاده التي سرعان ما تعود لتظهر بحدّة في أوقات الأزمات».
وإذ قال نصرالله، ووافقه كثيرون من مختلف الطوائف: كفى مناورات، بمعنى «كفى بيع المسيحيين اوهاماً» في الدرجة الاولى بأن في الإمكان صوغ قانون انتخاب يمكّن المسيحيين من انتخاب نوابهم الـ ٦٤ بأصواتهم، وخصوصاً عندما يكونون يتناقصون بسرعة صاروخية وباتوا ثلث عدد اللبنانيين المقيمين. واذا كان هناك اصرار على الـ٦٤ بأصوات المسيحيين فان ذلك لا يمكن ان يتحقق الا في ظل تقسيم لبنان دوقيات طائفية ومذهبية يناسبها ما اطلق عليه «القانون الأرثوذكسي» الذي ينتج برلماناً طائفياً، اذا ما أضيف الى مجلس الشيوخ الذي يقترح الرئيس نبيه بري إنشاءه، تنفيذا للطائف، يصبح لدينا مجلسان طائفيان، علما ان الطائف كان أساسا محطة مؤقتة يتم منها الانتقال من الدولة الطائفية الى الدولة المدنية، دولة المواطنين لا الرعايا، وهذا لا يتحقق الا بعد إلغاء الطائفية السياسية، يليها مجلس شيوخ تتمثل فيه العائلات الروحية بطريقة متكافئة، ومجلس نواب يتم اختيار نوابه خارج القيد الطائفي، علما انك تعتبر ان «تربية الأجيال الجديدة على الالفة والوفاق تساعد على إلغاء الطائفية».
وأصحاب «النفس الطويل» الذين تحدث عنهم السيّد هم البراغماتيون الذين ينطلقون من الواقع لصوغ النظرية، لا الذين يحاولون تطويع الواقع وتشويهه ليجاري النظرية، بمعنى ان تصحيح التمثيل المسيحي يتم تدريجا، وبنفس طويل، ومن دون هدم الهيكل على رؤوس الجميع و«تخريب البيت».
كذلك تفترض البراغماتية، من جهة اخرى، الاعتراف بوجود مشكلة مسيحية يشكّل التمثيل النيابي المسيحي احد جوانبها، وهذه المشكلة لا تحل بإلقائها على الآخرين، ولا بتحميلهم مسؤولية معالجتها. وقد ذكّرت باعة الاوهام بالجرح المسيحي الموجع والنازف عندما وضعت إصبعك عليه في مؤتمر الطاقة الاغترابية الذي انعقد في بيروت الأسبوع الماضي حين سألت بمرارة: «لماذا يسعى أبناؤنا الى وطن بديل، ويضحُّون بهويتهم، ويتوسلون هوية اخرى لا يربطهم بها شيء؟».
وأجبت بما يفيد انه موجَّه الى باعة الاوهام: «ان الاجابات الصادقة عن هذه التساؤلات يبدأ ببناء الدولة» في وجه الاحباط واليأس من امكان العيش في لبنان. وقلت منذراً: «هذا ناقوس خطر يدق»، فبدوت كمن ينصح للمسيحيين بأن ينسجوا مع المسلمين أسسا لبناء ما سماها التيار في وثيقته التأسيسية «دولة الحق، القائمة على قواعد المساواة والعدالة والتكافل الاجتماعي وتكافؤ الفرص».
فخامة الرئيس،
لا نكاد نصدّق أنفسنا، وانت المدرك الخطر المحدق بلبنان، انك تقف متفرجاً على الوقت ينفد بسرعة ولا تبادر الى استدعاء الدكتور فريد الخازن الذي شغل رئاسة دائرة العلوم السياسية في الجامعة الأميركية، والوزير سليم جريصاتي أستاذ القانون والعضو السابق في المجلس الدستوري، والنائب غسان مخيبر الخبير في التشريع، ومستشارك للتفاوض والشؤون الدولية الياس ابو صعب وتبلغهم ان اللعبة انتهت، وان المطلوب مشروع لقانون انتخاب يعتمد النسبية ويصحح التمثيل المسيحي تدريجا، ويحقق العدالة والمساواة للجميع، «ويدرء الخطر المحدق بالوحدة الوطنية، درع الأمان».
مطلوب من «بي الكل» ان يبادر بسرعة قبل انهيار السد وخراب البيت.
(*) صحافي وباحث سياسي