ثمّة مَن يَفرك كفيّه شماتة في لبنان، هذه الأيّام، هامِساً: لو ظلّ السوريّون، يعني الوصاية السوريّة، هل كان ليكون لدينا الآن أزمة قانون انتخابي؟ سيختم شماتته هذه مُردّداً: ألم نقل لكم؟! لنفترض أنّ أحد نشطاء الطرف المقابل سمِع هذا الهمس، فإنّه سيردّ قائلاً: هذا غير صحيح، أصلاً ما نحن فيه، ما نعانيه اليوم، إنّما هو بسبب تلك الوصاية.


هنا يردّ عليه الأوّل: كلا، بل هذا غير الصحيح، لأنّك، كلبناني، تعاني هذه الأزمة الانتخابيّة، الدستوريّة بل التأسيسيّة، منذ ما قبل الدخول السوري، قبل الحرب الأهليّة، بل منذ نشأة الكيان... وهاك الأرشيف أمامك. دعكم مِن بقيّة السجال، المتخيّل بين الطرفين، الذي يُتوقّع أن يدخل مرحلة الاجترار.
بعد «كرنفال» قوانين الانتخاب، أخيراً، وكلّ هذا الهرج والمرج الدستوريين، وكلّ هذا الضياع، هل تثبت مقولة: إنّ هذه البلاد غير مؤهلة لأن تحكم نفسها؟ مَن يُمكنه أن يقطع؟ بالمناسبة، هذه مقولة استعماريّة أصيلة. صحيح، لكن البحث ليس في الحكم، بل في «نفسها». مَن «نحن» في لبنان؟ هل لدينا «نحن» واحدة؟ عادة تكون الهويّة الوطنيّة هي المركز. هل هذه قائمة؟ هل كانت في يوم مِن الأيام قائمة لبنانيّاً؟ طيّب ماذا عن شيء يجمعنا؟ هل تكفي التبّولة والدبكة والكبّة النيّة، مثلاً؟ ماذا لو أنّ أحد أفراد قبائل الأمازون، البعيدة جدّاً، هام في حبّ التبّولة، وراح يعدّها وفق الأصول، هل يُصبح لبنانيّاً!
كثيرون، مِن القدماء والمعاصرين، داوموا على قول: إنّ الطوائف نعمة بينما الطائفيّة نقمة. هذه الجملة، أو الفكرة، نظراً إلى سحرها وجمالها وسلميّتها، قلّما دفعت ناقداً إلى مناقشة أصحابها فيها. غالباً يُمدح قائلها وتنهال عليه مدائح الوحدويّة والتسامحيّة والانفتاحيّة وما شاكل. ربّما ليس باليد حيلة، أو لا بديل، في مرحلة مِن المراحل، ولكن هذا لا يعني أنّها «صحّ» بالمطلق. واقعيّاً، هل ثمّة طائفة غير طائفيّة؟ لِمَ يُطلق عليها طائفة أصلاً؟ أليس لأنّ ثمّة عصبيّة، مِن نوع ما، تجمعها؟ لا نتحدّث عن طائفة مِن الأخشاب أو المعادن، بل عن بشر، ولهذا لا يُمكن فصل طوائف لبنان عن المفهوم الخلدوني للعصبيّة. هي ليست طائفة إلا بإزاء طائفة أو طوائف أخرى، وإلا فلا معنى لكونها طائفة. استخدام مفردة طائفة، بمعنى المذهب الملّي أو الديني، أو حتّى السياسي، لم يحصل إلا في العصر الحديث. في لغتنا، قديماً، هي المِلَل والنِحَل. تختلف التسميات لكنّ المعنى واحد. هكذا، بلغة «المناطقة»، فإنّ فكرة طائفة بلا طائفيّة يُمكن أن تنطبق عليها قاعدة «سالبة بانتفاء الموضوع». عدم. غير موجودة، إلا في الوهم... وبعض الخطابات.
هل يُمكن بناء دولة، في لبنان، مع كلّ العصبيّات الطائفيّة التي فيه؟ يُمكن أن تكون هناك عصبيّة طائفيّة صاعدة وأخرى نازلة، أو ربّما خامدة، باختلاف اللحظة الزمنيّة، لكنّها تبقى عصبيّة. في اليوم الذي تفقد فيه الطائفة عصبيّتها تنتهي، تندثر، وشواهد التاريخ كثيرة. فهم هذه المسألة يُساعد، نوعاً ما، على عدم الانخداع بخطاب «الطوبى» في مجتمعنا ــ مجتمعاتنا. وفهمها يُساعد، أيضاً، على تأكيد أنّ جعل العلمانيّة، أو الدولة المدنيّة، أو المواطنة (مع فروقات المعاني العلميّة طبعاً) هي ما يستأهل حقاً العصبيّة مِن أجل إنشاء دولة. هذا الشيء الوحيد، المتبقّي، الذي يُمكن أن يَجمع مجموعة مِن البشر حوله، في زمن تفجّر الخطاب الديني، وإلا فلا بديل من دويلة لكل طائفة. لا مخرج مِن هذه الدوّامة إلا بتلك.
بحسب رأي ابن خلدون، والذي وافقه عليه كثيرون مِن علماء الاجتماع في عصرنا، فإنّ الدولة تزداد ضعفاً كلّما كانت مؤلّفة مِن شعوب ــ عصبيّات متباينة. ويرى أنّه في حالة العصبيّات المتعدّدة، فإنّ الصراع قائم لا محالة، والنتيجة أن تتغلّب العصبيّة الأقوى، فتتحالف معها بعض العصبيّات، قبل أن يمتد طموحها إلى إخضاع العصبيّات الأبعد (هكذا تتوسّع الدول). لا ننسى أنّ الحديث هنا يدور عن «طور البداوة». كم ينطبق هذا على لبنان؟ كانت تلك التوصيفات قبل «العولمة». اليوم تعقّدت المفاهيم. شاعت النماذج الهجينة.
ربّما لم تخطر في بال ابن خلدون حالة كلبنان، العصيّة على التوصيف، والتي لا تشيخ ولا تهرم، فتموت دول مِن حولها وتولد أخرى، بينما هي على ما هي عليه. لا تكفّ عن استيلاد نفسها. كأنّها حرباء تغيّر لونها فتُضلّل دورة الزمن. كان الراحل السيّد محمد حسين فضل الله يُردّد: «سيبقى لبنان تحكمه لاءات ثلاث: لا تقسيم، لا انهيار، لا استقرار». هكذا قوانين الدولة، كمفهوم أكاديمي سياسي ــ اجتماعي، لا يبدو أنّها تنطبق على لبنان. إنّه ليس دولة. لم يكن ليكون دولة. إنّه حالة، حالة مختلفة طبعاً. إنّها الفرادة اللبنانيّة مجدّداً.