مِن الآن فصاعداً، التجمّعات والتظاهرات والاعتصامات ممنوعة، في بيروت، إن كانت على طرقات تؤدّي إلى الكنائس والجوامع. حسمها محافظ العاصمة زياد شبيب، بقرار خطّي، وكلّف شرطة بيروت (قوى الأمن الداخلي) مهمّة المنع - القمع. لماذا الآن؟ لا جواب. منذ أمد بعيد والناس تتظاهر في وسط بيروت، في شوارع مختلفة، حيث يندر إيجاد شارع هناك إلا ويؤدّي إلى كنيسة أو جامع.


لماذا الآن؟ لا جواب. كأن دور العبادة بُنيت حديثاً، أو كأنّ الناس قرّروا، فجأة، التوبة إلى ربّهم وارتياد تلك الدور! ليس صعباً فهم أن هكذا قرار يأتي، في هذه الأيّام تحديداً، كخطوة احترازيّة أمام مصير مجهول تُقبِل عليه البلاد. كلّ الطبقة السياسيّة أفلست، لناحية إيجاد قانون انتخابي، وأمام فرضيّات الفراغ والتمديد للنواب، أو "الخراب" كما لوّح أكثر مِن سياسي أخيراً، يأتي الدين، برجاله ودوره وعصبيّته، ليكون المعين في لجم الناس إن أرادوا التحرّك في الشارع. اللعبة قديمة جدّاً. عمرها مِن عمر الأديان والسياسة.
عموماً، جاء في كتاب تكليف المحافظ لقيادة شرطة بيروت، كأسباب موجبة له، أنّه "بناء على المعلومات الواردة في برقيتكم، والتي تبيّن منها أنّ مجموعة مِن الناشطين دعت إلى التظاهر يوم الأحد (14/5/2017) أمام مدخل البرلمان لجهة بلديّة بيروت في شارع ويغان، وحيث أنّ التظاهر في المكان المذكور يؤدّي إلى إغلاق طريق وصول المصلّين إلى كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس، وكنيسة مار الياس للروم الكاثوليك قرب ساحة الشهداء، ويتزامن مع توقيت القداديس الإلهيّة في الكنيستين". عزا المحافظ قرار تكليفه للشرطة إلى أحكام المادة 205 معطوفة على المادتين 194 و197 مِن القانون رقم 1990/17 (تنظيم قوى الأمن الداخلي). بالمناسبة، يحرص المحافظ دائماً على أن تسبق كلمة "القاضي" اسمه في توقيعه. هو عمل قاضياً في السابق فعلاً. يؤمل أن يُسهّل هذا التحدّث معه في الشؤون الدستوريّة والقانونيّة.
مِن الجيّد تذكيره بالمادة 13 مِن الدستور اللبناني، التي تنصّ على أنّ "حريّة إبداء الرأي قولاً وكتابة، وحريّة الطباعة وحريّة الاجتماع وحريّة تأليف الجمعيّات، كلّها مكفولة ضمن دائرة القانون". لا شيء يسمو فوق القاعدة الدستوريّة. القانون دون الدستور، ولا شرعيّة لقانون يُناقض الدستور، فضلاً عن المراسيم... وقرارات التكليف. كذلك مِن الجيّد التذكير بالمادة 9 مِن الدستور، والتي في نصّها أنّ الدولة "تكفل حريّة إقامة الشعائر الدينيّة تحت حمايتها، على أن لا يكون في ذلك إخلال في النظام العام". إخلال في ماذا؟ في "النظام العام". طرقات المدينة حيّز عام، ينطبق عليه النظام العام، وحق التجمّع والتظاهر أيضاً في الفضاء العام، وبالتالي فإنّ دور العبادة هي الشيء الطارئ على العام. هي الخاص ضمن العام. مِن يتّخذ كنيسة أو مسجداً في الطرقات العامة فعليه أن يكون على علم بذلك. إضافة إلى ذلك، ليس الحديث هنا عن زاروب في العاصمة، بل عن منطقة شاء أحدهم، قديماً، أن يبني فيها مجلساً للنواب وقصراً للحكومة ومجالس أخرى. أين تتظاهر الناس؟ إمّا انقلوا تلك المجالس إلى مكان آخر، أو انقلوا دور العبادة، أو، ومِن الآخر، دعكم مِن القرارات الارتجاليّة (غير الممكن تبريرها). مسألة أخرى، وبحسب القانون الذي عزا المحافظ تكليفه إلى مواده، فإنّ المادة 198 تنص على الآتي: "يجب أن يكون التكليف خطيّاً وموقّعاً ومؤرّخاً وخالياً مِن عبارات الأمر".


منع التجمعات في الشوارع المؤدية إلى الكنائس والجوامع في أوقات الصلاة

بينما نص تكليف المحافظ جاء فيه الآتي: "نُكلّفكم بمنع أية تجمعات أو تظاهرات أو اعتصامات في شارعي ويغان والأمير بشير عند المداخل التي تؤدّي إلى الكنائس، وفي سائر الشوارع التي تؤدّي إلى الكنائس والجوامع في أوقات الصلاة، ولا سيما أيّام الجمعة والآحاد ولغاية الساعة الثانية مِن بعد الظهر". ملاحظة "نُكلّفكم" وما تتضمنه مِن نبرة أمر تُعتبر شكليّة، صحيح، إنّما يبقى على قيادة قوى الأمن الداخلي، أو مَن يهمه الأمر هناك، أخذ العلم.
حدّد المحافظ الساعة الثانية مِن بعد الظهر، كحد أقصى للمنع، ووفق هذا المعيار الزمني تكون صلوات الكنائس تمّت، أمّا المساجد فتبقى "محرومة" هنا، لأنّ بعد صلاة الظهر هناك صلاة العصر، إضافة إلى صلاتي المغرب والعشاء ليلاً. يُخشى الآن أن يخرج أحد المصلّين المسلمين ليتهم المحافظ بالتمييز الطائفي، أو خرقه لمبدأ 6و6 مكرّر. سيدخل المحافظ في ورطة. نأمّل ألا يلتفت أحد أتباع "السلفيّة الجهاديّة" لهذا المسألة. بالمناسبة، لم يُخبرنا المحافظ كيف أن "التظاهر يؤدّي إلى إغلاق طريق وصول المصلّين"! مَن قال هذا؟ عادي، يُمكن للراغب في الصلاة أن يمرّ قرب المتظاهرين، خاصّة أن بعض التظاهرات التي تحصل لا يزيد عددها عن عشرات الأشخاص، وأحياناً أقل. إلا اللهم إن كان هؤلاء لا يحبّون رؤية المتظاهرين، فهذه مسألة أخرى، إنّما عموماً ليس بوسع أحد هنا خدمتهم، ولا حتّى المحافظ... "المحافظ" جدّاً.