■ بدأت قصة فتال منذ 120 عاماً، تحديداً سنة 1897 في دمشق. حدثنا باختصار عن هذه المسيرة الغنية الممتدة لأكثر من قرن؟

قصة شركة فتال بدأت من خلال سلسلة من الفرص والأحداث والمبادرات، انطلقت من الأيام الأولى للمؤسس خليل فارس فتال الذي كان مترجماً فورياً في القنصلية النمساوية الهنغارية في دمشق، ومسؤولاً بالتحديد عن ترجمة الوثائق التجارية للقارة الأوروبية.
أثناء أدائه لمهمته، وردت في ذهنه فكرة ولوج العمل التجاري مباشرةً، فأسس شركة خليل فتال وأولاده. سنة 1926 طلب من ابنه جان التوجه إلى بيروت لتحصيل دين مستحق من أحد التجار.

آنذاك، كان مرفأ بيروت يشهد نمواً كبيراً، ما جعل الشركة تقرر فتح فرع لها هناك بإدارة جان فتال. شّكل هذا الخيار محطةً حاسمةً للمستقبل. فبعد تأميم المركز الرئيسي في سوريا عام 1965، كان الفرع في بيروت في أوج نموه، ما سمح لهذه المغامرة أن تستمر. أما التحدي الثاني، فتمثل في قدرة الشركة على تخطّي الحرب في لبنان وما رافقها من تدهور كبير لسعر صرف العملة الوطنية.
وللمفارقة انتهت هذه المرحلة بإيجاد آفاق جديدة لتطوير عملنا.
مع انتهاء المعارك، اعتمدت الشركة سياسة تنويع قنوات التوزيع، كالبيع المباشر مثلاً، ما ساهم في المزيد من النجاح والتقدم. سنة 2000، زادت الشركة نشاطها ودخلت لاعباً أساسياً في الأسواق الإقليمية المجاورة، ووضعت استراتيجية رائدة لخدمة ملايين المستهلكين في بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. هذا التنوع هو اليوم قوة حقيقية للشركة، ويؤمّن لنا نوعاً من التوازن في خضم عدم استقرار الوضع في المنطقة. فعندما يكون الأداء ضعيفاً في أحد الأسواق، تجد أن آخر يعوض الأول من ناحية الإنتاجية، فتتضاءل وطأة الأزمة علينا.
■ تشير الدراسات إلى أن 12% من الشركات العائلية تستمر حتى الجيل الثالث، و4% فقط تستمر حتى الجيل الرابع. شركة فتال الآن تُدار من الجيل الرابع وهو ما يعتبر إنجازاً بحد ذاته. ما هو سر هذه الاستمرارية؟
سرّ هذه الاستمرارية هو، أولاً، القدرة الجيدة على التواصل بين المساهمين وحرصهم على إيجاد الحلول السريعة للمشاكل الخاصة بالشركات العائلية، وثانياً الجودة العالية في العمل من قبل المسؤولين في الإدارة والزملاء كافةً.

■ يتداخل في عمل الشركات العائلية البعدان العاطفي والعقلي. كيف يمكن المواءمة بينهما لإنجاح الشركة؟ أين تنتهي حدود الرابط العائلي في الشركة لصالح الإطار المؤسساتي؟
نحن مشرقيون، ومهما فعلنا، تبقى الحوافز العاطفية بالإجمال موجودة. غير أن نجاح المؤسسة يبقى الأولوية بالنسبة لنا كشركاء متضامنين. وهذا يتطلب منا بذل الجهود اللازمة لإدارة جيدة لمصالحنا بالتوازي مع تحقيق أهدافنا التجارية.


من الترجمة في القنصلية النمساوية إلى إمبراطورية تجارية دولية


■ طريقة اتخاذ القرار في شركة فتال؟ هل هناك فصل بين العائلة والإدارة؟
نعم هنالك فصل بين العائلة والإدارة. اتخذنا منذ عام قراراً بهذا المعنى انطلاقاً من مبدأ استحالة أن يكون المرء قاضياً وفريقاً في الوقت نفسه. كان هذا القرار مفيداً جداً إذ أنه جعل الأعضاء التنفيذيين في العائلة يركزون تركيزاً تاماً على المبادرات والنشاطات المرتبطة بالتنفيذ، بينما الأعضاء الآخرون في مجلس الإدارة ينكبون على التفكير الاستراتيجي المحض. من ناحية أخرى، استطعنا أن نوسع آفاق رؤيتنا بفتح الباب لانضمام ثلاثة مستشارين مستقلين معروفين بكفاءتهم العالية، يساعدون المجلس في عمله. أخيراً، أنشأنا في الشركة منظومة حوكمة ذات أهداف واضحة وقابلة لتطوّر دائم.

■ ما هي المجالات والقطاعات التي تتركز فيها أعمال فتال؟
عملنا الأساس والأهم هو التسويق والتوزيع. ولدى المجموعة أيضاً اختصاصات أخرى كمعمل تعبئة العطور والمواد المنزلية، وشركة تأمين. أنشطتنا في فن التسويق والتوزيع متعددة وتغطي ستة مجالات مختلفة: العطور، الأدوية، المواد الاستهلاكية على أنواعها، الأجهزة المكتبية، الأدوات المنزلية، والبيع المباشر.

■ عام 1962 كانت «فتال» أول شركة لبنانية تلجأ إلى عصرنة أعمالها واستخدام تكنولوجيا المعلومات. إلى أيّ حدّ تواكبون التطورات التكنولوجية؟ وكيف توفقون بين الحاجة إلى المكننة والحفاظ على العامل البشري؟
نحن نزوّد فرق العمل بأدوات تكنولوجية عصرية كي نساعدها في مهامها. لأننا أردنا أن نكون من المبادرين، وأن نبقى دائماً في طليعة التطور التكنولوجي، كان هدفنا أن نصل إلى درجة عالية من الفعالية تجاه متطلبات الأسواق المختلفة والمستهلكين. نسعى دائماً لتحديث البنية التحتية لوسائلنا التكنولوجية من خلال استثمارات متلاحقة تساعدنا في مواجهة التحديات الخاصة بمهنتنا. في موازاة ما نقوم به على هذا الصعيد، نصرّ على عدم المسّ بقدراتنا البشرية، لأننا نعتبرها العنصر الأساس لثقافة شركتنا وقيمها. نحن نؤمن أن رأسمالنا البشري هو أولوية.

■ اللامركزية هي الأساس الذي تستند إليه شركة فتال. اشرح لنا معنى هذه اللامركزية؟ وما هي فوائدها في مجال إدارة الشركات؟
من البديهي أن توزيع صنف من العطور يختلف عن الشوكولا أو آلة تصوير المستندات. من هذا المنطلق، توجد في مجموعة فتال شركات متعددة، مستقلة ومتخصصة حسب تصنيف أنواع المنتجات. هذه هي اللامركزية التي نعتمدها. في المقابل، كلّ الأقسام الإدارية الداعمة كالموارد البشرية والمعلوماتية والمالية والرقابية إلخ... تبقى مركزية في خدمة الجميع. فعالية هذا التدبير أنه يسمح لشركاتنا التجارية أن تركز على عمل فن التسويق والتوزيع. إنها سياسة أطلقها والدي برنار وبناها على قناعة أن النجاح في مهمتنا لا يُقاس بحجم هيكلية الشركات وتعدّد تراتبيتها بل ببنيتها الخفيفة والسريعة التي تؤمن أداءً أفضل.

■ كيف تصفون علاقتكم بكل الموردين والزبائن؟ ما الذي تبحثون عنه عند تأسيس الشركات وعقد الاتفاقيات؟ هل من معايير محدّدة تشترطون توفرها؟
علاقتنا مع الموردين والزبائن وأي فريق آخر تندرج تحت إطار منظومة القيم التي تعتنقها الشركة، أي الشجاعة والثقة والاحترام والمشاركة. نحن نلجأ إليها دوماً كما لو أننا في اليوم الأول، لأنها مدعاة نجاح وفخر لنا. بموازاة أهدافنا التجارية، وعند تأسيس أي شركة أو قسم، نبحث دائماً عن شركاء يتبنّون هذه القيم السامية. أما عن المعايير، فهي تلك التي أشرت اليها الآن.

■ توسعت فتال وأصبحت مجموعة إقليمية منتشرة إضافة إلى الإمارات العربية المتحدة وفرنسا في كل من الأردن والعراق ومصر والجزائر وقبلها سوريا. حدثنا عن أهداف هذا التوسع؟ وفي أيّ مجالات تنشط الشركة في هذه الدول؟ وكيف تقيمون التجربة حتى الآن؟
هدف التوسع هو نمو الشركة وخدمة أكبر عدد من المستهلكين. حيثما ذهبنا، نتكل على خبرتنا في مجالي التوزيع والتسويق. اختيارنا لأيّ بلد نريد أن ندخل إليه مبني على استراتيجية واضحة المعالم. لا أفضلية لأي منطقة جغرافية أو بلد سوى في قدرتنا على تحقيق طموحنا الذي يخدم مصالحنا ومصالح البلد المضيف. تركيزنا في الأسواق الإقليمية هو على الأصناف السريعة الاستهلاكية، ما عدا العراق حيث لدى شركتنا قسم كبير يهتم بالأدوية وآخر معني بالعطور وأدوات التجميل. كما أن لدينا في مصر منتجات تعتمد البيع المباشر للمستهلك.

■ ما هو عدد الموظفين في شركة فتال؟
عدد أفراد الأسرة يقارب الـ 3000 موظف، يتوزعون بين لبنان وكافة فروعنا في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

■ ما هي الفلسفة التي تتبعها فتال في التعاطي مع موظفيها؟ وما هي بحسب خبرتكم أفضل السبل للتعاطي مع الموظفين؟
كان لجان فتال قول معروف: ليس لدينا في الشركة موظفون، بل زملاء ينتمون إلى عائلتنا المهنية. روحية هذا القول لا تزال قائمة حتى الآن. مواردنا البشرية هي من أهم أسس شركتنا. نحن من أوائل المبادرين إلى إقامة صندوق تعاضد خاص بنا للتقاعد يعرف باسم Saving Plan. أنشأنا صالات لتناول الطعام في كل البلدان، وأخرى للرياضة الصباحية والمسائية، كما طورنا برامج التغطية الطبية للموظفين وعائلاتهم، وأخيراً حددنا مؤشرات أداء واضحة لقياس الإنتاجية. ولأن لدينا شركات متعددة في بلدان مختلفة، أصبحنا قادرين على تصدير المواهب الداخلية في ما بينها، مما يزيد إمكانية النجاح وتحقيق الأهداف.

■ لخص لنا فتال بكلمة؟
المثابرة والشغف وحسن الأداء.

■ خلال 120 سنة، أي حقبة كانت الأنجح بالنسبة إلى فتال وأيّها كانت الأصعب؟
أطول وأصعب مرحلة كانت الحرب اللبنانية من سنة 1975 إلى سنة 1990. لكن، أيضاً، كانت في الوقت نفسه مرحلةً مزدهرة نوعاً ما لناحية قدرتنا على الاختيار والمناورة في أمور التوزيع والتسويق.
■ غالبية المنتجات التي توزعونها منتجات فاخرة. كيف تصفون علاقة المستهلك اللبناني مع هذه المنتجات رغم الظروف الاقتصادية التي يعاني منها؟
أفضّل أن أقول إن أصنافنا تتمتع بالجودة بشكل عام، كي لا أوحي أننا نوزع فقط منتجات رفاهية. في الكثير من القطاعات التي نتعامل معها، نقوم ببيع ماركات درجة أولى، ودرجة متوسطة وحتى درجة عادية، علماً أنها كلها مستوردة من شركات عالمية أو محلية ذات شهرة ومصداقية عاليتين. أما في ما يخص المستهلك العادي فنحن نعرف جيداً وضعه الاقتصادي الصعب، ما يجعلنا نقدم له مروحة متنوعة من الأصناف تتلاءم مع ميزانيته، وهذه المروحة تختلف عن تلك التي تخصّص للطبقة الأكثر يسرةً.

■ فتال ناشطة في مجال المسؤولية الاجتماعية سواء من النواحي التعليمية أو البيئية أو الشخصية المرتبطة حصراً بالموظفين. ما هي أبرز إنجازات فتال في هذا الإطار؟
بدأت مسيرة التزامنا تجاه المجتمع عندما أنشأنا مؤسسة «سيدة الرجاء للثقافة والتعليم» منذ ثلاثين عاماً، وكان المبادر في ذلك الوقت والدي برنارد وخليل وجورج فتال بغية مساعدة أهالي الطلاب الذين لا يستطيعون أن يدفعوا أقساط مدارس أولادهم. انطلاقاً من قناعة راسخة أن بلداً كلبنان يعيش في أزمة اقتصادية متواصلة، كما هو الحال الآن، لا يستطيع أن يتغلب عليها إذا فقد شعبه حقه في التعليم، قررت الشركة، من خلال المؤسسة، العمل بجهد لمنح أكبر عدد ممكن من الأولاد المحتاجين فرص تحصيل شهادات علمية، وهي قادرة ولا تزال على ذلك من خلال الهبات الممنوحة لها. منذ ذلك الوقت، نحن نساعد ما لا يقل عن 600 طالب سنوياً من كل المذاهب والمناطق. نعتبر أن رفاهية زملائنا هي في صلب اهتماماتنا ومسؤولياتنا المجتمعية. كما ذكرت آنفاً، كنا من السباقين في 1992 في وضع صندوق تعاضد للتقاعد يستفيد منه الموظفون، وهو تدرج منذ ذلك الوقت ليصبح الآن مشروع توفير ذا منفعة عالية. صالات الرياضة، برامج التدريب والتطوير، صالات الطعام، تكريم سنوات الخدمة، وغيرها، هي وسائل دعم تشهد فعلياً على تطبيق قيمنا. أما التزامنا تجاه البيئة فهو أيضاً عمل متواصل نقوم به حتى الآن مع جمعيات متخصصة تعنى بالبيئة في وطننا لبنان منذ عدة سنوات. أطلقنا حملة لفرز النفايات داخل الشركة وإرسالها إلى معامل متخصصة لمعالجتها. نحن أيضاً فخورون لأننا شاركنا سنة 2016 في برنامج حماية محمية الشوف الطبيعية التي صنفت من ضمن تراث الـ UNESCO. وقد فعلنا ذلك من خلال تأهيل مساحة هكتارين.
وفي إطار مسؤوليتنا الاجتماعية، ننشط في التعاون مع جمعيات تعالج مواضيع تعني كلّ لبناني، مثل المرض والتبرع بالدّم والصحة العامة وطبعاً التعليم. ونعتمد بشكل كبير على تطوّع موظّفينا وانخراطهم في معالجة هذه القضايا. وقد انضمّت شركة فتال سنة 2005 إلى الميثاق العالمي للأمم المتّحدة حول المبادئ العالمية للمسؤولية الاجتماعية للشركات، ما يؤكّد حرصنا على تحمّل المسؤولية تجاه المجتمع والتزامنا بها.

■ على المستوى المهني والإنساني ما الذي يتعلمه المرء من فتال؟
يجب طرح هذا السؤال على الموظفين أنفسهم. غير أنني أعتقد أن المثابرة، والشغف، والطموح، والشجاعة، مصحوبة بروح الانتماء إلى عائلة مهنية، وقدرات فردية وجماعية، وإصرار على النجاح، كلها تجعل من مجموعتنا شركة قوية وفريدة من نوعها.