يبدو أن ثمّة متعة، مِن نوع ما، في الوصول إلى المجهول. لم يبقَ مسؤول لبناني لم يُحذّر مِن هذا المجهول، لكن، وبفهم «سيكولوجي» لطبائع البشر، تُصبح الرغبة في الشيء مع التحذير منه مسألة مفهومة. هذا اللعب مع الزمن، مع المُهَل القاتلة، يحمل نزعات أقرب إلى الساديّة والمازوشيّة (جماعيّاً). ربّما هو «التدمير الذاتي». تعبير «ديد لاين» (خطّ الموت) بالإنكليزيّة فَقدَ، مِن زمن بعيد، معناه المكاني. لا يُقصد به الآن، غالباً، إلا البعد الزمني.


أن يقطع الساسة في لبنان، في موضوع قانون الانتخاب مثلاً، الكثير مِن «خطوط الموت» سابقاً، مع استعداد في منتهى البرود لقطع المزيد مِنها، يُظهرهم كمن لديه رغبة مقنّعة بالموت. كأنّهم اتفقوا على موتهم، أو، بتعبير أدق، على موت الصيغة التي جمعتهم ــ لم تجمعهم يوماً. حسناً، فليكن. كلّ «الأرانب» أُخرِجت، بلا جدوى، والآن إلى المجهول. إن كان ذلك كذلك، فلا بأس، مَن قال إنّ الخراب ليس ضرورة أحياناً؟ لِمَ لا نتصالح مع هذا المجهول، المُقبل، عسى أن يحمل إلينا واقعاً مغايراً؟ لنتصالح جميعاً مع إرضاء رغبتنا بالوصول إلى تلك اللحظة التي يظهر فيها الجميع، فعلاً، لا قولاً، قد أفلسوا تماماً وهاموا على وجوههم. الطبقة السياسيّة في لبنان تبدو اليوم مثل نيرون. الإمبراطور الروماني الذي يُقال، وبصرف النظر عن دقّة الواقعة التاريخيّة، إنّه عندما كانت النار تأكل الحجر والبشر، في روما، كان هو يجلس مستمتعاً بالمشهد مِن برجه العالي، حاملاً بيده آلة العزف مغنيّاً أشعار هوميروس. فلتُحرَق روما!
نحن المواطنين، العاديّين، ما الذي نخشى خسرانه في هذه البلاد؟ ما الذي بقي لدينا؟ الأمن والاستقرار! أليست هذه خدعة إعلاميّة يجري علكها باستمرار، كأنّها إنجاز محلّي مِن صنع الطبقة السياسيّة، بينما الكلّ يَعلم أنّ فعل المقاومة، و«الإرادة الدوليّة» (ولحسابات لا تمّت إلى اللبنانيين العاديين بصلة) هما ما يستديمان هذا الاستقرار المُقنّع! بمطلق الأحوال، لن تنفلت الأمور أكثر مِن اللازم. أكثر مِمّا يحتمل الأقليم. أكثر مِمّا تطيق المصارف وسنداتها. مِن حسن الحظّ أن لدينا قوى، في لبنان، لا يشطح الخراب بوجودها، بسبب قوّتها، والتي لولاها لانفرط العقد مِن زمن بعيد.
الحرص الزائد على عدم الدخول في المجهول، عاماً بعد عام، بات يُسبّب ألماً أكثر مِن ألم فرضيّات الدخول فيه. قديماً قالها علي بن أبي طالب: «إن هِبتَ أمراً فقع فيه، فإنّ شدّة توقّيه أعظم مّما تخاف منه».
الناس في الشارع، في مختلف المناطق، لو سألتهم عن المصير الذي نمضي إليه لسمعت مِنهم ما يشي برغبة شديدة في دخول المجهول. لا شيء يُدهش كالملل بما يؤدّي إليه. أحدهم يقولها لك بهذه الطريقة: «ولك خلّيها تخرب». البعض أكثر دبلوماسيّة، أو أكثر خوفاً، أو أكثر ترديداً لما تم تلقينهم، لكن عندما تختلي بهم وتمتص بعض خوفهم، ستجد أن لديهم أيضاً رغبة عميقة في الخراب. هذه نزعة لاواعية. أصبح سلوكاً جماعيّاً مقنّعاً. يبدو أنّ الساسة والناس، كلّ على طريقته، قد اجتمعوا عليه أخيراً. الكلّ يريد رؤية العرض الجديد. لسان حال بلادنا هذه الأيام: «تفو عليه بس بدّي إيّاه». ليت الأقوياء يقلّون، حالياً، مِن حرصهم الطيّب، فيُتاح للناس، لكثير مِن الناس، كسر هذا الملل الأبدي. لا تحرموا جبران باسيل، وسواه، هذه المتعة. سيكون مِن الجيد تأمل بعض الوجوه، المُستكبرة حاليّاً، التي سيجد أصحابها، لاحقاً، أنّ حتى «حقوق» الماضي لم تعد متاحة. قد نكون اليوم أمام فرصة تاريخيّة لن تعوّض إلا بعد أمد طويل. منذ ولادة «الطائف» والبعض يتحدّث عن «موت الطائف». كثيرون تحدّثوا عن «مؤتمر تأسيسي». أكثر مِنهم تحدّثوا عن «عقم الصيغة». جيّد، تضييع الفرصة المتاحة حالياً، بعدم الدخول في المجهول، ربّما يعني ترميم الواقع الحالي، بينما المطلوب هو الهدم وإعادة البناء. الترميم الآن ربّما يكون بمثابة خيانة مستقبليّة.
حقيقة، هذا التهديد المستمر بالخراب والمجهول والفوضى أصبح مملاً، وليت أصحاب هذا الخطاب يُدركون أن كثرة التهديد بالشيء، مع فداحته، يُصبح مألوفاً مع الوقت، بل ينقلب في مرحلة لاحقة إلى «رغبة» نكاية بالتهديد... والملل. نحن، في لبنان، أمّة؟ حسناً، لنستمع إلى نبوءة (نصيحة) مظفّر النواب المتجدّدة قبل عقود: «سيكون خراباً، سيكون خراباً، سيكون خراباً... هذه الأمّة لا بدّ لها أن تأخذ درساً في التخريب».