د. نقولا سركيس *

لو أن معظم التساؤلات، التي يطرحها برنامج مؤتمرنا اليوم، طرحت سابقاً وتمت الإجابة عليها، في إطار حوار وطني علني وصريح، قبل عشر سنوات، لكنا وفرنا على أنفسنا الكثير من ضياع الوقت والفرص الثمينة وهدر المال العام، وكنا تجنبنا هذا الوضع المثير للقلق الذي نجابهه اليوم: وضع بلد يقوم باستدراج عروض لاستثمار ثروته الموعودة من البترول والغاز، ويعلن رسمياً عن عزمه على التوقيع، قبل نهاية هذا العام، مع شركات عالمية على اتفاقيات تلزمه لمدة تقارب الأربعين عاماً، وذلك كلّه على الرغم من الهواجس وعلامات الاستفهام التي ما زالت قائمة حول نقاط جوهربة، وعلى الرغم من أن الجدل ما زال دائراً حول الشروط الأساسية اللازمة لتحقيق ما يرجوه اللبنانيون من هذه الثروة.

من البديهي أن يأتي تحديد أفضل وأسلم نظام استثمار ممكن في طليعة التساؤلات المطروحة، نظراً إلى أنه يشكل حجر الرحى، ويحدد الإطار القانوني والشروط الفنية والمالية والاقتصادية وغيرها من مستلزمات صيانة حقوق الدولة ودورها المحوري في استثمار مواردها الطبيعية. فلم توضع الدراسات الأولية اللازمة لتحديد أهداف ومقومات سياسة بترولية بكل معنى الكلمة، ولم يحصل الحوار الوطني المطلوب، لا بل أن القسم الأعظم لما يسميه البعض "المنظومة التشريعية"، أي نموذج الاتفاقيات المزمع إبرامها مع الشركات (Exploration and Production Agreement-EPA) قد أحيط بالسرية التامة خلال أربع سنوات (حتى على السلطة التشريعية)، وأقرّ على عجل وتم نشره أخيراً وفق المرسوم 43، فلا غرابة أن تكبر علامات الاستفهام ويزداد القلق، خاصة بعد أن تبين ما ينطوي عليه هذا "النموذج" من ثغرات وانحرافات مذهلة، ليس أقلها التناقض الصارخ بين أهم أحكامه من جهة، والمبادئ الأساسية التي قام عليها "قانون الموارد البترولية في المياه البحرية" رقم 132 تاريخ 24 آب 2010 من جهة ثانية. ويعود هذا التناقض، إن لم نقل التزوير، إلى تجاهل نظام تقاسم الإنتاج المعروف عالمياً، والذي نص عليه القانون، والاستعاضة عنه بعودة مقنعة إلى نظام الامتيازات القديمة.


بعض موظفي الدولة تعاونوا مع مستشارين أجانب مجهولي الهوية لطرد الدولة برمتها من القطاع

لم يكن لبنان بحاجة إلى اختراع البارود عندما واجه السؤال نفسه الذي واجهته من قبله عشرات الدول الأخرى التي لا تملك الخبرة والرساميل اللازمة لاستثمار مواردها النفطية، وتحتاج إلى التعاون مع شركات بترولية كبرى، ولكن في إطار شراكة تصون سيادتها وتؤمن لها مشاركة فعلية ومباشرة في الأنشطة البترولبة، عبر شركة نفط وطنية. مع كل ما يعنيه ذلك من إمكانية اكتساب الخبرة، وتدريب الكوادر الوطنية والمراقبة، من الداخل، لعمليات وحسابات الشريك الأجنبي، وأخيراً لا آخراً التوصل بعد فترة من الزمن، إلى الاستغناء عن الشريك الأجنبي والقيام بنفسها بدور المشغل (Opetator)، كما حصل في كل الدول الأعضاء في منظمة أوبك وعشرات البلدان الأخرى، التي اعتمدت منذ ما يقارب نصف القرن ما يسمى نظام تقاسم الإنتاج (Production Sharing Agreements - PSA). وهو نظام يقوم في خطوطه العريضة على منح شركة كبرى رخصة استكشاف وتنقيب على نفقتها، شرط أن تتحمل المخاطر وحدها وينتهي التعاقد معها في حال عدم التوصل إلى اكتشاف تجاري. أما إذا حصل ذلك، فيمكن للدولة ممارسة حقها في الدخول معها كشريك، في إطار اتفاقية إنتاج، بنسبة لا تقل عادة عن 40 إلى 50%، وتسدد عندئذ تدريجياً للطرف الأجنبي حصتها من النفقات الراسمالية Capex، وفق آلية ما يسمى Carried interest. وعندها يتم الانتقال إلى مرحلة الإنتاج وتمارس الدولة صلاحيات الشريك الكاملة وتتسلم حصتها من البترول/الغاز وتسوّقه. إضافة إلى ذلك يدفع الشريك الأجنبي ضريبة على أرباحه، إضافة إلى رسوم وعلاوات مختلفة أخرى، مما يرفع حصة الدولة من مجموع الأرباح إلى نسب تتراوح بين 60% و 80-90% حسب الحالات.
لذلك لم يكن من المستغرب أن يتبنى المشرع اللبناني نظام تقاسم الإنتاج في القانون البترولي 132/2010، الذي نص على المبادئ الأساسية لهذا النظام، منها المادة 3 حيث نقرأ: "يهدف هذا القانون إلى تمكين الدولة من إدارة المواد البترولية في المياه البحرية"، أو المادة 4 التي تنص على: "تعود ملكية الموارد البترولية والحق في إدارتها حصراً إلى الدولة"، أو ما تنص عليه المادة 6 تحت عنوان "مشاركة الدولة": "تحتفظ الدولة بحق القيام أو المشاركة في الأنشطة البترولية". وهذه كلها ركائز نظام تقاسم الإنتاج، الذي أصبح الأكثر انتشاراً في العالم، حيث يوجد حالياً مئات العقود المطبقة في أكثر من 70 بلداً.
إلا أن الأمور في لبنان انقلبت فجأة رأساً على عقب منذ عام 2013، عندما جاءت المراسيم المفترض أن تكون "تطبيقية" للقانون البترولي، خاصة مرسوم EPA رقم 43، لتهدم ما بناه القانون 132/2010، وذلك عن طريق أحكام مناقضة لمبادئ القانون الأساسية المذكورة أعلاه. وهكذا جاءت المادة 5 من المرسوم لتعلن حرفياً أنه "ليس للدولة مشاركة في دورة التراخيص الأولى"! وتليها المادة 16 الخاصة بلجنة إدارة الشركات العاملة لتشير إلى أنه "يمكن للوزير ولهيئة إدارة قطاع البترول تعيين ممثلين يكون لهم الحق بالحضور كمراقبين" في بعض اجتماعات لجنة الإدارة، ولكن "لا يحق للوزير ولا لهيئة إدارة قطاع البترول حضور اجتماعات اللجان ومجموعات العمل"، التي يشكلها أصحاب الحقوق، أي الشركات العاملة، في ما بينهم! هذا إلى جانب أحكام وتدابير أخرى من أغربها المرسوم رقم 9882 تاريخ 16 شباط 2013، الذي أدى إلى الإعلان رسمياً عن قبول التأهيل المسبق لـ 46 شركة يمكنها الحصول على حقوق استكشاف وإنتاج في آن واحد، منها حوالى 15 شركة كبرى يمكنها فعلاً القيام بهذه الأنشطة في المياه العميقة، فضلاً عن شركات متوسطة أو صغيرة، بعضها ملاحق قضائياً في أكثر من دولة عربية بتهم الاحتيال والفساد، أو شركات لبنانية صورية لا جود لها سوى على الورق. أخيراً لا آخراً، حصر دفتر الشروط، كما المرسوم 43، حق طلب حقوق الاستكشاف والإنتاج بما يسميه "شراكة تجارية غير مندمجة"، مؤلفة على الأقل من ثلاث شركات "مؤهلة مسبقاً"، منها شركة مشغلة (Operator) بحصة 35% على الأقل، وشركتان غير مشغلتين (Non-operators) بحصة 10% على الأقل لكلّ منهما. وهذا كله دون أدنى إشارة لحق شركة حكومية في طلب الحقوق نفسها. ما يعني بتعبير أوضح أن بعض موظفي الدولة ممن تعاونوا مع مستشارين أجانب مجهولي الهوية، لا يعرف اللبنانيون حتى اليوم أسماءهم، قد قرروا بكل بساطة طرد الدولة برمتها من مواقع المسؤولية والإدارة التي تعود لها في هذا القطاع الحيوي، ليضعوا مكانها مصالح خاصة تتحالف مع الشركات الكبرى "المشغلة"، وتكتسب بشكل "قانوني" حقوق الملكية والتصرف بجزء من البترول أو الغاز المكتشف يتناسب وحصتها في "الشراكة التجارية غير المندمجة". وهكذا، ونتيجة لهذه الهندسة البهلوانية، تطير المبادئ التي يقوم عليها القانون البترولي، ويتم شلّ الدولة ويطير معها تلقائياً نظام تقاسم الإنتاج.
قد يكون أغرب ما في الموضوع أن هذه الانحرافات قد بلغت درجة أن المسؤولين عنها قد وقعوا في فخ التناقضات في ما بينهم. ففي حين يؤكد بعضهم أن نظام الاستثمار المعتمد هو نظام تقاسم الأرباح أو أنه "لا فرق بين تقاسم الإنتاج وتقاسم الأرباح"، فإن وزير الطاقة يردّد من جهته أن النظام الذي اختاره لبنان هو نظام تقاسم الإنتاج، وكرر ذلك خلال مساءلة الحكومة في المجلس النيابي في 7 نيسان الماضي. أما مدير الدائرة الاقتصادية في هيئة البترول فقد فسّر مطولاً في مقابلة نُشرت في النهار في 17 نيسان 2015 تحت عنوان "الدولة شريكة في الربح والتكاليف على الشركات"، أن النظام اللبناني هو "نظام وسطي" قائم بذاته، إذ أنه "يجمع ما بين نظامي الامتياز والتعاقد". وتعود أسباب ارتباك وتناقضات بعض المسؤولين حول تحوير نظام الاستثمار المعتمد، من نظام تقاسم الإنتاج في القانون البترولي إلى نظام امتياز في المرسوم 43، إلى السمعة الأكثر من سيئة التي تركتها الامتيازات القديمة التي تم تأميم آخرها في إيران ثم في الدول العربية في مطلع السبعينيات من القرن الماضي.

* ورقة عمل مقدمة لمؤتمر "الصناعة البترولية في لبنان: أوراق عمل في السياسات العامّة وقضايا هيكلية"، الذي نظمه المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، في 22 أيار 2017.