د. نقولا سركيس

الواقع هو أن ما حصل ويحصل في لبنان أشبه ما يكون بما جرى في العراق قبل وبعد الحرب العالمية الأولى، عندما كانت الشركات الغربية تتسابق للاستيلاء على المناطق الغنية بالنفط في الشرق الأوسط، إلى أن انتهى بها المطاف عام 1929 عند إنشاء شركة نفط العراق Iraq Petroleum Company المكونة من خمس شركات كبرى، إضافة إلى حصة 5% لكالوست سركيس كولبنكيان، مكافأة له لدوره الوسيط الذي لعبه مع العثمانيين أولاً، ثم مع السلطات البريطانية والفرنسية.

وهكذا اكتسب لقب Mr 5% وجمع ثروة كانت تعتبر من الأكبر في العالم عند تأميم مجموعة IPC في حزيران 1972. أما أوجه الشبه مع ما يجري حالياً في لبنان فيكمن في غياب الحكومة العراقية الكامل حينها، وغياب شركتها الوطنية التي أسست عام 1966، عن الأنشطة البترولية، ما ترك المجال مفتوحاً لتقاسم كل ثروات العراق من البترول والغاز بين الشركات الأجنبية والوسيط الذي اقتصر دوره على الوساطة والسمسرة دون أي نشاط صناعي. مع الفارق أن كولبنكيان قد "اكتفى" بحصة 5%، في حين أن حصة كل شركة "غير مشغلة" تم تأهيلها في لبنان للدخول مع الشركة المشغلة (Operator) ضمن ما سمي "شراكة تجارية غير مندمجة" قد حددها المرسوم 43 بـ 10% على الأقل، أي أكثر من ضعف حصة مستر 5%... وبما أن المرسوم نفسه يقضي بوجود شركتين غير مشغلتين على الأقل في كل اتفاقية استكشاف وإنتاج، فهذا يعني إمكانية، لا بل ضرورة وجود اثنين على الأقل من أمثال المستر المذكور، كي تكون الاتفاقية "قانونية"، لا بل إن مجموع حصص الشركات غير المشغلة قد يصل إلى 65%، في حال اكتفت الشركة المشغلة بحصة 35%!
هذا ما يفسر سعي البعض للتوصل بأسرع ما يمكن لتوقيع اتفاقيات مع الشركات الأجنبية، مع ما يرافق ذلك من تعتيم ومحاولات تضليل مخجلة من نوع التغني باقتباس "النموذج النرويجي"، الذي لا يشبه بشيء ما يحصل في لبنان، أو المغالطات حول طبيعة نظام الاستثمار المعتمد، أو أسباب إقصاء الدولة عن الأنشطة البترولية، أو حتى تزوير الترجمة العربية لمقال وضعته بالإنكليزية رئيسة بعثة صندوق النقد الدولي إلى بيروت، ونشر في 27 كانون الثاني الماضي، بغية تحويله إلى شهادة حسن سلوك!...إلخ.


كولبنكيان «اكتفى» بحصة
5% في حين تبلغ «العمولة»
في لبنان 10% على الأقل

على ضوء هذا الوضع السريالي الذي نعيشه، لم يعد مستغرباً أن تتسابق عشرات الشركات للحصول على حقوق استكشاف وإنتاج في لبنان، نظراً إلى أنه لا يوجد اليوم في العالم بلد آخر ترضى فيه الدولة بالتخلي عن مسؤولياتها وعن حقوق الملكية على مواردها الطبيعية، وعن دورها المحوري في الأنشطة البترولية، أو ترضى بالتخلي عن مكان الصدارة الذي يعود لها في إدارة الشركات العاملة، مكتفية بدور "المراقب" في بعض الاجتماعات المسموح فيها حضور المراقب المذكور، ربما على طرف الطاولة أو أبعد من ذلك... كما أنه لا يوجد اليوم في العالم سوى مناطق نادرة جداً ما زالت بعد في أولى مراحل الاستكشاف، مثل شرق البحر المتوسط، ويمكنها اجتذاب اهتمام الشركات البترولية التي تتناحر لتأمين مصادر تموين خاصة بها. أما أن يقترن هذا الشرط بشل واستبعاد الدولة (مسبقاً!)، وممانعة إنشاء شركة نفط وطنية، فهذا الوضع الفريد من نوعه لا يوجد إلا عندنا! أضف إلى ذلك الإغراءات المالية غير المسبوقة المقدمة للشركات المعنية بغية التوصل إلى توقيع عقود معها بأسرع ما يمكن. شروط تؤمن مبدئياً للدولة، بالنسبة إلى الغاز، حصة تقارب 52% من الأرباح، مكونة من أتاوة 4%، و30% من "غاز الربح" و20% ضريبة دخل. في حين أن حصة الدولة في البلدان الأخرى ذات الأوضاع المماثلة تتراوح من 60 إلى 85-90%. نسبة 52% في لبنان هي في أحسن الحالات لأن الكلام عن إيرادات ونفقات وأرباح الشركات التي تطمح للعمل عندنا، ليس له كبير معنى بسبب تغييب الدولة وحرمانها من إمكانية المراقبة الفعلية لحسابات الشركات العاملة. لا بل إن حصة الدولة حسب ما هو مقترح في لبنان تبقى حتى أدنى مما كانت تحصل عليه في القرن الماضي، أيام الامتيازات، الدول المصدرة، أي أتاوة 12,5% من قيمة الإنتاج وضريبة 50% على الأرباح. تضاف إلى ذلك مخاطر تبعثر التسويق على يد شركات صغيرة أو مشبوهة.
تهافتت الشركات للحصول على حقوق استكشاف وإنتاج في لبنان، وارتفع مجموعها أخيراً إلى 53 شركة، من أصلها حوالى 15 شركة يمكنها فعلاً القيام بعمليات حفر وإنتاج البترول والغاز من مكامن تقع مئات الأمتار تحت مياه تصل وقد تتجاوز أعماقها ألفي متر. أما الشركات الباقية "غير المشغلة" التي تطمح بالاستيلاء على قسم من البترول أو الغاز الذي يتم اكتشافه، فهي مرشحة لتكون شركات طفيلية، لا مبرر لوجودها سوى تغطية مصالح أخرى. الحاجة الحقيقية الوحيدة هي إلى شركة كبرى تتولى دور المشغل، ربما مع شركة كبرى ثانية، تعمل في إطار اتفاقية تقاسم الإنتاج مع شركة نفط وطنية تمثل الدولة اللبنانية واللبنانيين، وتتراوح حصتها بين 40 و60% حسب ظروف السوق العالمية وقدرة لبنان التفاوضية.
أياً كان المسؤول، ومهما كانت أسباب التعثّر والانحرافات التي شوهت مسيرة البترول والغاز، يبدو من الضرورات الملحة اتخاذ التدابير التالية لانتهاج سياسة نفط وطنية على مستوى حقوق وآمال اللبنانيين:
١ - إلغاء المادة 5 الخاصة بإقصاء الدولة عن الأنشطة البترولية، وتعديل المواد الأخرى من المرسوم 43 التي تناقض أحكام نظام تقاسم الإنتاج المنصوص عليها في القانون البترولي 132/2010.
٢ - إنشاء شركة نفط وطنية تكون ذراع الدولة في الأنشطة البترولية، مع فروع تغطي مراحل الإنتاج إلى التسويق، مروراً بالتكرير والبتركيمياء والتدريب والخدمات، ويبدو من الأفضل أن يفتح رأسمالها لكل اللبنانيين، ضمن شروط معينة تضمن الأكثرية للدولة وتحول دون هيمنة بعض المساهمين.
٣ - إلغاء آلية "المزايدة" حول أمور غير مألوفة ومرفوضة كلياً في البلدان الأخرى لكونها مزاريب بامتياز للرشى والفساد، منها ما نصت عليه المادة 23 من المرسوم 43 الخاصة بتحديد سقف استرداد النفقات الراسمالية (Cost stop) بـ 65% من الإيرادات عوضاً عن نسبة 50% الشائعة، وما نصت عليه المادة 24 حول زيادة حصة الدولة.
٤ - إعادة النظر في هيكلية تنظيم قطاع البترول والغاز، بما في ذلك الحصر غير الطبيعي للصلاحيات في هيئة إدارة قطاع البترول، بهدف تأمين استقلالها عن وزير الطاقة والمياه وتحديد واضح لصلاحياتها ولسائر شروط تعيين أعضائها.
٥ - التدقيق في أسباب وطرق هدر مئات الملايين من الدولارت حتى الآن في هذا القطاع بأساليب مختلفة، منها عقود الاستشارات التي تتم بالتراضي، وعقود المسح البحري ثم البري التي تمت كلها دون استدراج عروض ولم يعلن عن كيفية توزيع إيرادات بيع معطياتها (Data) بين الشركات المعنية والوسطاء والدولة.
٦ - تأسيس معهد بترولي في بيروت مفتوح للشباب اللبنانيين والعرب بشكل خاص.
٧- استعادة المجلس النيابي للصلاحيات التشريعية التي سلبت منه، ولصلاحية الرقابة على هذا القطاع الحيوي، بما في ذلك الرقابة والموافقة على رخص الاستكشاف واتفاقيات الإنتاج وغيرها من العقود الأساسية. خاصة أن ممارسة المجلس النيابي لصلاحياته هي أفضل وسيلة لضمان الشفافية وحسن الحوكمة وحقوق اللبنانيين.
هذه كلها تدابير عملية لا بد منها لوضع حدّ لتصرفات لا تشبه بشيء ما يمكن تسميته سياسة نفط وطنية على مستوى آمال وحقوق اللبنانيين. كما أنها شروط لا بد منها إذا أردنا فعلاً أن لا تصبح ثروة البترول والغاز، لا سمح الله، نقمة ولعنة، كما حصل في بلدان أخرى، بل نعمة لنا ولأبنائنا.

* ورقة عمل مقدمة لمؤتمر "الصناعة البترولية في لبنان: أوراق عمل في السياسات العامّة وقضايا هيكلية"، الذي نظمه المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، في 22 أيار 2017.